فلسطين – الصبر الاستراتيجي وحرب الاستنزاف وكالة شهاب للأنباء

اخبار فلسطينمنذ ساعتينآخر تحديث :
فلسطين – الصبر الاستراتيجي وحرب الاستنزاف وكالة شهاب للأنباء

اخبار فلسطين – وطن نيوز

فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-12 23:05:00

شيّع قطاع غزة، في 7 مايو/أيار 2026، جثمان عزام خليل الحية، نجل القيادي في حركة حماس ورئيس وفدها المفاوض، والذي استشهد متأثرا بجراحه جراء غارة “إسرائيلية” استهدفته ومجموعة من المواطنين في حي الدرج شرق مدينة غزة. وعزام هو الابن الرابع للدكتور خليل الحية، الذي استشهد خلال فترات متفرقة من الصراع مع الاحتلال، في مشهد يكثف الاستراتيجية “الإسرائيلية” في أبهى تجلياتها، حيث التفاوض بالدم والضغط بالنار. وكان الاحتلال قد استخدم نفس الأسلوب مع إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، عندما اغتال ثلاثة من أبنائه مع عدد من أحفاده خلال مرحلة حاسمة من المفاوضات، خلال معركة طوفان الأقصى. ومع ذلك، فإن ما يجعل حادثة اغتيال عزام محورية ليس فقط قسوتها الإنسانية، بل آثارها الاستراتيجية العميقة. وجاء الاستهداف في وقت كان الدكتور خليل الحية مشغولا بمتابعة تفاصيل المفاوضات في القاهرة، فالصدفة لم تكن صدفة، بل نمط “إسرائيلي” متعمد يعكس فلسفة فرض إيقاع تفاوضي جديد تحت تأثير الاغتيالات، واستنفاد إرادة الوفد المفاوض باستهداف ما هو أغلى من الموقف السياسي، الذي لم يتمكن من انتزاعه حتى الآن، حسب اعتقاده. لذلك، فإن استهداف نجل الحية يجب أن يوضع في سياقه البنيوي، وليس في سياقه العرضي. منذ اغتيال إسماعيل هنية في طهران نهاية يوليو/تموز 2024، وقبلها اغتيال أبنائه في غزة، ومن ثم محاولة اغتيال قيادات الحركة ومن بينهم خليل الحية في الدوحة خلال سبتمبر/أيلول 2025، والتي قُتل فيها نجله همام، تشكل نمط استراتيجي واضح، إذ يدرك الاحتلال عدم قدرته على كسر الوفد المفاوض بالحجج والصيغ، فيلجأ إلى إضعاف التفاوض. التفويض من خلال الاستهداف الشخصي. والعائلة. ورغم تبريره لعدم أهمية عزام كهدف «إسرائيلي»، إلا أن ذلك يكشف مدى التناقض «الإسرائيلي» في المواقف، فهو يحاول توجيه رسالة ضمنية للوفد المفاوض مفادها أن الجميع أهداف «مشروعة» بالنسبة له طالما التزم بالثوابت. تفاصيل المشهد الحقيقي لا تترجم فقط على طاولة المفاوضات، بل أيضاً في مشهد مسارين متوازيين. المسار الأول هو الدبلوماسية في القاهرة والدوحة، حيث يبحث الوفد المفاوض مع الوسطاء شروط وقف إطلاق النار وترتيبات اليوم التالي. المسار الثاني هو المشهد العسكري والنفسي على الأرض في قطاع غزة، حيث يحاول الاحتلال ترجمة كل تقدم تفاوضي مطروح على الطاولة إلى ثمن دموي يدفعه على الأرض. وهذه الاستراتيجية المزدوجة ليست جديدة، لكنها وصلت في المرحلة الحالية إلى ذروتها. كما أن فهم السلوك التفاوضي والميداني لحركة حماس لا يمكن أن يتحقق دون فهم بنية التفكير الاستراتيجي داخل أروقة صنع القرار في الحركة، والذي يختلف جذريا عن منطق الأطراف الأخرى في المعادلة. تتمتع الحركة بعمق أيديولوجي وتاريخ راسخ، وليست حزبا سياسيا يساوم على مكاسب فورية. هناك خطوط حمراء في أبجديات الحركة لا يمكن تجاوزها بأي ثمن، منها: التخلي عن السلاح، والقبول بمشروع التهجير، والتخلي عن شرعية المقاومة المسلحة. وتعتبر الحركة ما سبق من ثوابت لا تقبل مواقف تفاوضية مرنة، بل هي الوجود نفسه. وعليه، فإن تفسير سلوك الحركة على طاولة المفاوضات على أنه تعثر أو ضعف لاستغلال بعض الخلافات الداخلية في الحركة، بحسب بعض المحللين، يعتبر ضعفا في فهم البنية الداخلية للحركة. كما أن ما تقوم به حماس في المرحلة الحالية من مراوغات على طاولة المفاوضات لا يعتبر مخاطرة، بل هو استخدام محسوب وعملي لاستراتيجية الصبر الاستراتيجي. وتهدف من خلالها إلى كسب الوقت لإعادة تأهيل قدراتها وإعادة تمركز قواتها، مع الحفاظ على الحد الأدنى من المشاركة الشعبية التي تبقيها فاعلاً حياً في المعادلة، من دون تعريضها لضربة قاتلة في المرحلة الحالية. وبالعودة إلى ذاكرة «حماس» الاستراتيجية، فإنها تحافظ على تجربة الانسحاب «الإسرائيلي» من غزة عام 2005 كدرس قوي، إذ ترى أن الضغط المستمر والاستنزاف الممنهج لا بد أن يعيد رسم المعادلة حتى مع الخصم العسكري الأقوى. لذلك، يمكن فهم الصمت العسكري الحالي في قطاع غزة من خلال إعادة تأهيل القوات حتى وصولها إلى نقطة الضرب المؤثرة على الخط الأصفر، لتنتقل بعدها إلى مرحلة المواجهة المفتوحة وفق استراتيجية استنزاف مدروسة. لكن البيئة الحالية أكثر تعقيدا من البيئة التي سبقت العام 2005، إذ يعتبر الاحتلال اليوم شبكة أنفاق حماس شبكة عنكبوتية ذات أساس عميق في أعماق القطاع، وهو ما يتطلب من حماس كسب الوقت لإعادة تأهيل قدراتها. لكن الرهان «الإسرائيلي» الحقيقي يبقى على محور مختلف عن الحل العسكري المباشر. وبعد ضغوط متواصلة منذ ما يقرب من عامين ونصف العام، دون أن تظهر المقاومة بشكل عام، وحماس بشكل خاص، أي فشل، لجأ الاحتلال إلى كسر الحاضنة الشعبية من خلال فصل المدني الغزي عن مشروع المقاومة، وتحميل حماس بشكل خاص مسؤولية الكارثة الإنسانية. لقد ارتكب الاحتلال خطأً جوهرياً في تحليل الحاضنة الشعبية للمقاومة في قطاع غزة، إذ تتميز الحاضنة الشعبية بمزيجها من العوامل التي قلما تتوافر في تاريخ حركات المقاومة. الأول أن المقاومة ليست خياراً سياسياً، بل هي هوية وجودية مندمجة في النسيج الاجتماعي. لا يكاد يكون هناك منزل بدون المقاوم. وهذا يعني أن الانفصال عن المقاومة هو انفصال عن الذات. الحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007 أنتج جيلاً كاملاً ولد ونشأ في حالة من الصمود الشعبي كحالة طبيعية وليست استثنائية. إضافة إلى ما سبق، فإن البديل المقترح هو التهجير والاستسلام، وهو أمر مرفوض وجودياً من قبل كافة الفلسطينيين، وهو ما يلغي الفجوة التي يمكن أن ينفذ منها الرهان “الإسرائيلي”. كما أن الخطر الكامن على الاستراتيجية “الإسرائيلية” هو ما لا تستطيع قصفه وتدميره بأي شكل من الأشكال، إذ أن آلية إعادة إنتاج الهوية المقاومة تكون من خلال حفظ وتفسير جلسات القرآن الكريم التي أقيمت في المساجد المدمرة خلال الحرب الأخيرة، ومحاولة إعادة تأهيل كل ما دمره الاحتلال بأبسط المقومات؛ وتعتبر المساجد المصنع الحقيقي للمقاومة الفلسطينية. إلا أن هذا النوع من التشكيل ينتج هوية أعمق وأقوى من أي تشكيل سياسي آخر. إن الإيمان بالفكرة، من الناحية المذهبية، يجعل المناضل من أجلها قادراً على تقديم ما هو عزيز وقيم في سبيل نجاح فكرته وتأكيدها، إذ أن ربط الإيمان بالتضحية بشكل معاش ومتجسد، وليس مجرد القراءة في الكتب أو التحدث في المحاضرات، يعتبر أمراً معقداً للغاية إذا كانت هناك إرادة لتفكيكه. لقد أثبتت التجارب التاريخية مرارا وتكرارا أن تدمير البنية المادية لا يكسر الهوية، بل يعمقها، كما حدث عندما هدم الاستعمار الفرنسي المساجد في الجزائر، منتجا جيل الثورة. وينتج عن ذلك السيناريو الأكثر ترجيحاً في المرحلة الحالية، والذي يمكن تسميته بـ (الجمود الاستراتيجي المفتوح)، حيث تستمر الحرب بوتيرة منخفضة، يواصل خلالها الاحتلال تنفيذ عمليات الاغتيال، مع غياب أي أفق سياسي حقيقي. ومع ذلك، هناك ثلاثة متغيرات إقليمية قادرة على كسر هذا الجمود. المتغير الأول: الملف الإيراني والضوء الأخضر الأميركي: يعتبر هذا المتغير من أخطر المتغيرات وله عواقب غير محسوبة، إذ تعطي إدارة ترامب الضوء الأخضر لقواتها بالشراكة مع “إسرائيل” لاستكمال العملية العسكرية ضد إيران في حال فشل المفاوضات في سلطنة عمان وباكستان، إضافة إلى استمرار العمليات العسكرية بين الاحتلال وحزب الله اللبناني، مما يشكل إرباكاً للحسابات “الإسرائيلية”، إذ تورط الأخير في حرب على جبهات متعددة في الوقت نفسه. ويجبرها على إعادة حساباتها فيما يتعلق بالضغط العسكري. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا السيناريو سيعيد توزيع الثقل العسكري الإسرائيلي على جبهات متعددة، مما سيخفف الضغط على غزة ويمنح حماس نافذة زمنية أوسع لإعادة تأهيل قدراتها. وهذا أيضاً من مصلحة حماس وفق منطق الصبر الاستراتيجي الذي يراهن ضمناً على هذا التمدد الإقليمي كعامل مخفف لصالحها. المتغير الثاني: فتيل الضفة الغربية: يمثل الوضع في الضفة الغربية الفتيل الأكثر قابلية للاشتعال في المرحلة المقبلة، بعيداً عن غزة. وتعيش الضفة الغربية حالة من الاضطراب المستمر بسبب تصاعد العمليات الاستيطانية وحماية قوات الاحتلال لها، والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، في ظل تراجع دور السلطة الفلسطينية، وظهور بنية مقاومة شبابية في العديد من محافظات شمال الضفة الغربية. لكن خطر الطائرات بدون طيار أصبح مصدر قلق للأمن “الإسرائيلي”، الذي سيطر على مئات الطائرات بدون طيار التي تتحول من مهمات استطلاعية إلى مهام انتحارية، مما يهدد الأمن “الإسرائيلي” على المستوى الاستراتيجي، ويجعله عاملا في إنهاك قواته الأمنية والعسكرية، التي ستعمل على تكثيف جهودها للحصول على معلومات حول وجود هذه الطائرات، بعد عدم فعالية ضبط تهريبها إلى الحدود بطرق عديدة، مثل تبرير استخدامها لأغراض التصوير الجوي. وأشياء أخرى. إن اشتعال الضفة الغربية سيكون بمثابة جبهة أخرى للاحتلال، بتضاريس مختلفة تماما عن التضاريس التي حاربت عليها قواته في قطاع غزة، مما يبدد التركيز «الإسرائيلي» ويعيد رسم خريطة القوى على كامل المشهد الفلسطيني. الخلاصة: التحليل الاستراتيجي للمشهد الحالي يظهر أن الاستراتيجية “الإسرائيلية” تقوم على افتراض خاطئ، وهو أن الضغط العسكري والإنساني لن يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار الإرادة أو كسر البنيان. لكن هذا الافتراض يتجاهل المتغير الأعمق في المعادلة، وهو أن حماس وحاضنتها الشعبية تمتلكان ما لا يملكه أي جيش كلاسيكي، وهو القدرة على إنتاج الصمود من داخل الكارثة المعيشية. إن المعادلة برمتها التي تتشكل في الوقت الحاضر تجمع بين صبر حماس الاستراتيجي المحسوب، وحاضنة شعبية ذات هوية وجودية لا يمكن كسرها بالقصف والتهديد، وآلية إعادة إنتاج هوية تعمل فوق الركام، وتوقع التورط “الإسرائيلي” في حرب إقليمية متعددة الجبهات، وفتيل يمكن إشعاله في أي لحظة. هذه المعادلة تجعل من الحل العسكري سراباً يتراجع كلما تقدم نحوه. وفي النهاية يبقى السؤال الجوهري بلا إجابة لدى آلة الحرب: كيف تهزم خصماً يرى في الموت مقدمة لنصر لا نهاية له؟ هذا هو السؤال المربك الأول للاستراتيجية «الإسرائيلية»، ويجعل المشهد في غزة أكثر تعقيداً مما يمكن أن تستوعبه أي معادلة عسكرية.

اخبار فلسطين لان

الصبر الاستراتيجي وحرب الاستنزاف وكالة شهاب للأنباء

اخبار فلسطين عاجل

اخر اخبار فلسطين

اخبار فلسطين لحظة بلحظة

#الصبر #الاستراتيجي #وحرب #الاستنزاف #وكالة #شهاب #للأنباء

المصدر – وكالة شهاب الإخبارية – – الصفحة الرئيسية