اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-13 19:33:00
زهير عثمان في اللحظات التاريخية الحرجة، تختبر الأمم قدرة نخبها ومجتمعاتها على ممارسة “النقد الذاتي” كأداة للتقدم، لكن في الوضع السوداني الحالي يشهد المشهد السياسي تحولا كارثيا. انزلق انتقاد الدولة من كونه مشروعاً فكرياً يهدف إلى تفكيك بنية الاستبداد وإعادة تشكيل المجال العام، إلى «حرب مشتركة» تحكمها الغريزة والعاطفة، بعيداً عن منطق العقل والتحليل السياسي الرصين. الأسئلة الكبرى وقعت في فخ الانحياز. السؤال الجوهري في الفضاء السوداني اليوم لم يعد يبحث عن أسباب فشل الدولة تاريخيا؟ أو لماذا تعثرت مشاريع بناء الدولة منذ لحظة الاستقلال؟ بل تم اختزال الوعي الجمعي إلى سؤال استقطابي حاد: «هل أنت مع من؟» وهذا الانتقال من «تحليل الأزمة» إلى «تحديد الخندق» هو المأساة الكبرى التي أدت إلى تراجع الخطاب العام وتسطيحه. المشكلة هنا لا تكمن في الدفاع عن الجيش كرمز للسيادة الوطنية، ولا في انتقاده كمؤسسة سياسية وعسكرية. وهذه حركة طبيعية في المجتمعات الحية. بل إن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما تختزل «الدولة» بكل تعقيداتها إلى «الجيش»، و«الوطنية» تختزل إلى «الولاء العسكري»، ومن ثم تتحول السياسة إلى معركة حماية مراكز النفوذ. في هذا المناخ يصبح النقد «خيانة»، والتفكير خارج الصندوق «عمالة»، والحياد المبني على المبادئ «تواطؤ». جذور التآكل الدولة كالغنم وليست كعقد. وهذا التراجع ليس نتيجة الصدفة، بل هو نتيجة “تجريف” ممنهج للمجال المدني والفكري. منذ الاستقلال، فشلت الدولة السودانية في إنتاج “عقد اجتماعي” حقيقي، وظلت رهينة لتحالفات قلقة (قبلية، طائفية، وعسكرية). فبدلاً من أن تكون الدولة مؤسسة تجمع الحقوق، أصبح القانون راسخاً في الضمير الشعبي باعتباره «قوة قسرية» أو «كأساً» تتصارع عليه النخب. ومع كل انقلاب عسكري، تآكلت فكرة «المؤسسة» لصالح فكرة «القوة»، حتى أصبح الرصاص المصدر الوحيد للشرعية. الحرب الحالية. هيمنة خطاب «الجماهير» في ظل الحرب الحالية، تفاقمت هذا التشوه البنيوي؛ وبدلا من أن تفتح المأساة الباب أمام مراجعة جذور الأزمة (فشل النخب، ومركزية السلطة، وعسكرة السياسة، واختلال العلاقة بين المركز والأطراف)، انزلق الخطاب إلى مستنقع التعبئة والتحريض. وأصبح الفضاء العام محكوماً بمنطق «المشجعين» الذين يتبادلون الشتائم والخيانات، فيما غاب «رجال الدولة» والمفكرون خلف ضجيج الغوغائية الرقمية. والأدهى من ذلك أن كثيراً من الأصوات التي تصرخ باسم «الوطنية» لا تدافع عن الوطن كياناً مادياً. ومن الناحية الأخلاقية، فهي تدافع عن “امتيازاتها” داخل هيكل السلطة القديم. هناك خوف وجودي من فقدان النفوذ الرمزي أو الاقتصادي في حال حدوث أي تحول ديمقراطي حقيقي. ولذلك، يتم التذرع بـ«خطاب الوطنية» على نطاق واسع كدرع لحماية «السلطة» وليس «الدولة». والفرق الضروري هو الدولة مقابل السلطة. ويكمن جوهر المعضلة في الخلط المتعمد بين “الدولة” و”السلطة”. فالدولة مؤسسات، وقانون، وذاكرة جماعية، وعدالة، أما السلطة فهي مجرد «إدارة مؤقتة للسلطة». وعندما يعتبر انتقاد السلطة اعتداء على الدولة، فإننا أمام علامة واضحة على هشاشة الوعي السياسي وسيطرة الخطاب الشعبوي الذي يحول السياسة إلى «إدارة الكراهية» وليس «إدارة». أن نختلف. وبعيداً عن وقف الحرب، فإن السودان اليوم لا يحتاج إلى وقف إطلاق النار فحسب. بل إنها تحتاج – أكثر من أي وقت مضى – إلى إعادة بناء فكرة السياسة. نحن بحاجة إلى استعادة قيمة “التفكير النقدي”، وكسر الارتباط القسري بين الوطنية والانحياز العسكري. الدولة التي اختزلت إلى «بندقية» هي دولة تخاف من مجتمعها، وليست دولة تستمد منه شرعيتها. إن أي نقاش جدي حول المستقبل يجب أن يتجاوز الثنائية (مع أو ضد) إلى مسألة الوجود. والأهم هو كيفية بناء دولة المواطنة والقانون وليس الرهينة. للعسكريين أم الميليشيات أم النخب الطفيلية؟ هذا هو السؤال الذي يهرب منه الجميع، لأن مواجهته تتطلب الاعتراف بشجاعة الفشل التاريخي الكامل، والبدء بترميم الشخص والمؤسسة قبل ترميم الأبنية. zuhair.osman@aol.com الكاتب




