اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-17 01:56:00
اعتبر أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أحمد بوز، أن هشاشة قطاع الإعلام في المغرب وارتباط عدد من المؤسسات الصحفية بالدعم العمومي وعائدات الإعلان يطرح تساؤلات حقيقية حول استقلالية القرار التحريري، مبرزا أن التنظيم الذاتي للصحافة في المغرب يكشف عن أزمة بنيوية عميقة تتعلق بتمثيل المهنة وهشاشة استقلالها. وأكد بوز، في مداخلته بمناسبة اجتماع المجلس الوطني للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، اليوم السبت، تحت عنوان “حرية الإعلام في عالم متغير”، أن الحديث عن حرية الصحافة وحقوق الإنسان في السياق الحالي لم يعد نقاشا مهنيا يقتصر على المجال الإعلامي أو في دائرة الصحفيين فقط، بل أصبح جزءا من النقاش العالمي حول مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان في عالم يشهد تحولات عميقة ومتسارعة تمس بنية المجال العام نفسه و العلاقة بين الدولة والمجتمع والفرد. وأوضح الأستاذ الجامعي أن النقاش حول حرية الصحافة لم يعد مجرد نقاش قطاعي، بل أصبح في قلب المناقشات الكبرى حول مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان، معتبرا أن الصحافة اليوم تمثل اختبارا حقيقيا لقدرة المجتمعات على ضمان الحق في المعرفة والاختلاف والكرامة الإنسانية في عالم يشهد تحولات سريعة وغير مسبوقة. مشكلات الإعلام المغربي والتنظيم الذاتي للمهنة. وفي معرض حديثه عن السياق المغربي، اعتبر بوز أن التجربة المغربية معقدة ومعقدة، فهي تجمع بين تطور مهم في مجال الاعتراف الدستوري بحرية التعبير والصحافة وحقوق الإنسان، خاصة بعد دستور 2011، مع استمرار المشاكل المتعلقة باستقلال الإعلام وهشاشته الاقتصادية وعلاقته المعقدة بالسلطة. وأشار إلى أن هذا التطور رافقه أيضا صعوبات تتعلق بتمويل المؤسسات الإعلامية واعتمادها على الدعم الشعبي أو العقود الإعلانية مع مؤسسات الدولة، ما يثير تساؤلات حول استقلالية القرار التحريري. وتحدث عن مشاكل الإعلان وتوزيعه، معتبرا أن المعايير الاقتصادية المفترضة، بناء على نسب المشاهدة والانتشار، لا تحترم دائما، ما يثير تساؤلات حول شفافية هذا القطاع. وأشار إلى أن الإعلام الرقمي، على الرغم من الفرص التي أتاحها للتعبير، أصبح أيضا مجالا للاستقطاب والتضليل والتشهير، مما أثر على جودة النقاش العام. وتوقف عند الجدل الدائر حول التنظيم الذاتي للمهنة وإنشاء المجلس الوطني للصحافة، معتبرا أنه يعكس بعمق سؤال النموذج المطلوب لتنظيم قطاع الإعلام، بين منطق الاستقلال المهني ومنطق التسيير الإداري. وشدد على أن التنظيم الذاتي الحقيقي يتطلب وجود مؤسسات قوية، وإعلاميين مستقرين مهنيا واقتصاديا، وثقافة ديمقراطية راسخة، في حين أن هشاشة القطاع تجعل هذه الورش عرضة للتوتر والصراع على التمثيلية والشرعية. وشدد على أن الدفاع عن حرية الصحافة وحقوق الإنسان في عالم متغير لا يمكن أن يكون مجرد شعار أو موقف عاطفي، بل يجب أن يتحول إلى مشروع ديمقراطي متكامل يقوم على حماية الحق في المعرفة، وضمان استقلال الإعلام، وتعزيز أخلاقيات المهنة، وترسيخ الوعي بأن حرية الصحافة ليست خطراً على الديمقراطية بل شرط أساسي لها. تحولات حرية الصحافة بين المخاوف الأمنية والثورة الرقمية. كما تطرق بوز إلى السياق الرمزي لتزامن هذا النقاش مع ذكرى تفجيرات 16 مايو 2003، التي وصفها باللحظة المؤلمة التي شكلت جرحا عميقا في الذاكرة الجماعية المغربية، بعد أعمال إرهابية غادرة استهدفت أمن المجتمع وتعدديته واستقراره. واعتبر أن إحياء هذه الذكرى لا يقتصر على بعدها الإنساني المرتبط بالتعاطف مع الضحايا وإدانة الإرهاب، بل يمتد إلى مضامينه السياسية والمؤسساتية التي أعقبتها، حيث دخل المغرب مرحلة جديدة تتسم بتنامي المخاوف الأمنية مقابل توسيع النقاش حول الحريات وحقوق الإنسان وحرية الصحافة. وأكد في هذا السياق أن تلك المرحلة طرحت مشكلة دقيقة تتعلق بالتوازن بين حماية الأمن الجماعي وضمان الحقوق والحريات، وهي معادلة وصفها بالصعبة والمعقدة، خاصة في السياقات التي يتزايد فيها الخوف من التهديدات الأمنية الحقيقية. وأضاف أن العديد من التجارب الدولية أثبتت أن فترات الأزمات الأمنية الكبرى غالبا ما تتحول إلى اختبارات حقيقية للديمقراطية، حيث يظهر الاتجاه نحو القيود باسم الأمن، ويصبح الإعلام عرضة للضغوط المباشرة أو غير المباشرة، سواء من خلال الرقابة أو من خلال وصم النقد بأنه تهديد للاستقرار. وأكد المتحدث أن الدفاع عن حرية الصحافة لا يعني الاستهانة بمخاطر الإرهاب أو ضرورة حماية الأمن، بل يعني الالتزام بالتوازن بين متطلبات الدولة لحماية الأمن العام وضمان الحقوق الأساسية والحريات الفردية والجماعية. واعتبر أن الأمن، على أهميته، لا يمكن وحده أن يكون كافيا لمواجهة ظاهرة الإرهاب، لأن الأخير يرتبط أيضا بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية وفكرية معقدة، ولا يمكن اختزاله في بعده الأمني وحده. وانتقل بوز في مداخلته إلى التحولات العميقة التي شهدها مفهوم الإعلام نفسه، معتبرا أن الحديث عن حرية الصحافة اليوم لا يمكن أن يتم بنفس الأدوات التقليدية السابقة، في ظل الثورة الرقمية التي غيرت طبيعة المجال العام وأعادت تشكيل العلاقة بين الفاعلين فيه. وأوضح أن الصحافة التقليدية ترتبط بمؤسسات محددة بوضوح مثل الصحف والإذاعة والقنوات التلفزيونية وهيئات التحرير. ولعبت دور الوسيط بين الأحداث والرأي العام، وبين السلطة والمجتمع. كما أنها كانت أداة مركزية في فضح الانتهاكات والدفاع عن الحقوق. لكن، بحسب بوز، اهتزت هذه المعادلة بشدة مع صعود الفضاء الرقمي، حيث لم تعد المؤسسات الإعلامية التقليدية هي الوحيدة التي تتحكم في إنتاج وتوزيع الأخبار. بل إن أي فرد يمتلك هاتفاً ذكياً قادر على إنتاج محتوى يصل إلى ملايين المتلقين في وقت قصير، مما أدى إلى انهيار الحدود بين الصحفي والمتلقي، بين الأخبار والرأي، بين المعلومات والشائعات. واعتبر أن هذا التحول أدى إلى واقع مزدوج، إذ ساهم من جهة في كسر احتكار المعلومات وفتح المجال أمام أصوات جديدة كانت مهمشة، وهو مكسب مهم من وجهة نظر حرية التعبير والتعددية. لكنها، من ناحية أخرى، ساهمت في انتشار الأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية والتشهير والتضليل، مما جعل المجتمعات تعيش منطق “فائض المعلومات” بدلا من “ندرتها”. وأصبح التحدي الأكبر هو القدرة على التمييز بين الحق والباطل. الحق في معرفة الحقيقة وأزمة الثقة في الديمقراطيات المعاصرة. وفي هذا السياق، طرح سؤالا جوهريا يتعلق بما أسماه “الحق في معرفة الحقيقة”، معتبرا أن المشكلة لم تعد تقتصر على حماية حرية التعبير، بل امتدت إلى حماية الحق في الحصول على المعلومات الصحيحة، وضمان التوازن بين حرية التعبير وحماية كرامة الإنسان والحياة الخاصة وعدم التحريض على العنف والكراهية. وأشار إلى أن الخطر اليوم لم يعد ينبع فقط من رقابة الدولة، بل أيضا من قوة المنصات الرقمية والخوارزميات وشركات التكنولوجيا الكبرى التي تتحكم في تدفق المعلومات وتشكل الرأي العام. كما أشار إلى أن الأزمة الحالية لا تقتصر على الإعلام وحده، بل تمتد إلى أزمة أعمق تؤثر على الديمقراطية وحقوق الإنسان على المستوى العالمي، حيث أصبحت الثقة في نظام حقوق الإنسان نفسه موضع تساؤل ونقاش. وأوضح أنه حتى الديمقراطيات الغربية، التي قدمت نفسها تاريخيا على أنها حاضنة لحرية التعبير، تشهد اليوم توترات داخلية عميقة، كشفت حدود النموذج الليبرالي في تعامله مع قضايا الحقوق والحريات. واستذكر في هذا السياق ما حدث خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث لاحظ العالم، على حد تعبيره، مظاهر التضييق على الأصوات الأكاديمية والإعلامية والحقوقية في بعض الدول الغربية، سواء من خلال منع التظاهرات أو الضغط على الصحفيين والمثقفين، أو خلق مناخ جعل بعض المواقف تعتبر غير مقبولة أخلاقيا أو سياسيا، معتبرا أن ذلك يكشف عن تناقضات عميقة داخل الخطاب الديمقراطي الغربي ومشكلة المعايير المزدوجة في التعامل مع حرية التعبير. وانتقل بوز إلى مسألة تعريف الصحفي في السياق المعاصر، متسائلا إلى أي مدى تستمر المهنة في الارتباط بالمعايير التقليدية القائمة على الأجر والمؤسسة الإعلامية، في ظل ظهور جهات فاعلة جديدة في الفضاء الرقمي لا تنتمي إلى مؤسسات إعلامية تقليدية ولكنها تنتج محتوى يؤثر في الرأي العام. وأوضح أن هذا التحول يطرح إشكالية قانونية ومهنية عميقة: هل الصحافة تحددها المؤسسة والعقد المهني أم الوظيفة والمضمون؟ فهل يمكن التوسع في تعريف الصحفي دون الوقوع في فوضى إعلامية تمس أخلاقيات المهنة؟ مع الأخذ في الاعتبار أن هذا السؤال لا يزال مفتوحا ويتطلب تفكيرا جديدا في ظل التحولات الرقمية.




