اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-17 18:00:00
يستعيد مشروع استيراد الغاز المصري إلى لبنان زخمه، إذ يعد من أبرز الرهانات لإنقاذ اللبنانيين من الظلام، حيث وقعت القاهرة وبيروت، قبل أيام، اتفاقية للقيام بأعمال إصلاح وتأهيل خطوط أنابيب الغاز داخل الأراضي اللبنانية، عبر الشركة الفنية المصرية لخدمات تشغيل خطوط الغاز (TGS). ويقوم المشروع على إعادة تشغيل “خط الغاز العربي” الذي ينقل الغاز المصري من العريش في سيناء، مرورا بخليج العقبة إلى الأردن، ثم إلى حمص في سوريا، وصولا إلى منطقة دير عمار في طرابلس شمال لبنان. ودخل هذا الخط الخدمة عمليا عام 2009، قبل أن يتوقف تدريجيا، مع اندلاع الحرب السورية وتضرر أجزاء كبيرة من البنية التحتية للخط. ويحيي هذا التطور مشروعاً إقليمياً عالقاً منذ سنوات بين التعقيدات السياسية، والعقوبات الأميركية على سوريا، والأزمة المالية في لبنان، ما يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة الحكومة اللبنانية على تحويله إلى فرصة حقيقية لتحسين إمدادات الكهرباء، وخفض كلفة الإنتاج، وتقليل الاعتماد على الوقود عالي التكلفة. بصبوص: الهيئة الرقابية هي مفتاح التحول إلى التنفيذ. رأى الخبير في شؤون الطاقة المهندس محمد بصبوص، أن المشروع يشهد «عودة قوية إلى الواجهة» بعد توقيع اتفاق تأهيل الخطوط داخل لبنان. واعتبر في حديث لـ”لبنان 24″ أن تعيين هيئة تنظيم قطاع الكهرباء ينقل النقاش من مرحلة الوعود الفنية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ضمن الصلاحيات التي منحها القانون رقم 462 لهذه الهيئة، ما قد يمهد لكسر الجمود المالي والسياسي الذي طال أمده. وأشار بصبوص إلى أن تفعيل هذا القانون ظل معلقا لسنوات طويلة بسبب عدم تشكيل الهيئة التنظيمية، وهو ما أعاق عمليا مسار الإصلاحات المطلوبة في قطاع الكهرباء. المشروع في جوهره ليس جديدا، إذ يعود تاريخه إلى العام 2021 أيام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، عندما طرح كأحد الحلول الطارئة لأزمة الكهرباء الخانقة. وفي أغسطس من ذلك العام، تم الإعلان عن إحياء مشروع نقل الغاز من مصر إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، قبل أن تتبع ذلك سلسلة من الاجتماعات الفنية والوزارية لتقييم جاهزية البنية التحتية وتطوير آليات التنفيذ، وصولاً إلى توقيع الاتفاقية الرسمية في بيروت في 21 يونيو 2022 لنقل الغاز الطبيعي المصري عبر الأردن وسوريا وصولاً إلى لبنان. وجرت مراسم التوقيع في وزارة الطاقة والمياه بحضور الرئيس ميقاتي، حيث نصت الاتفاقية على نقل 650 مليون متر مكعب سنويا لتعزيز الامداد الكهربائي. لكن المشروع ظل رهينة عوائق التمويل والعقوبات والإصلاحات المطلوبة في قطاع الطاقة اللبناني. وربط البنك الدولي في تلك المرحلة، إطلاق قرض بقيمة 270 مليون دولار، بتنفيذ إصلاحات أساسية في قطاع الكهرباء، على أن يغطي التمويل تكلفة استئجار الغاز المصري، بالإضافة إلى استئجار نحو 250 ميجاوات من الكهرباء الأردنية. وزيادة التغذية مشروطة بالإصلاح. وبحسب بصبوص، يعتبر المشروع اليوم أحد أبرز الخيارات لتقليل تكلفة إنتاج الطاقة، موضحا أن “الغاز الطبيعي أقل تكلفة وأكثر كفاءة من الوقود”. لافتاً إلى أن تشغيل محطة دير عمار بالغاز المصري يمكن أن يضيف ما بين 450 إلى 650 ميجاوات إلى الشبكة الكهربائية، بحسب التقديرات الفنية، وهو ما قد يزيد العرض بمعدل يتراوح بين أربع إلى ست ساعات يومياً في المرحلة الأولى. ويشير إلى أن تشغيل الخط بكامل طاقته قد يتيح لمعمل دير عمار العمل بشكل مستقر، مع إمكانية توسيع الاستفادة مستقبلاً إلى معامل أخرى، ما سيساهم تدريجياً في رفع الإنتاج وخفض تكاليف الطاقة. لكنه يشير، في المقابل، إلى أن المشروع “ليس حلا سحريا”، موضحا أن زيادة الإنتاج ستبقى ذات فعالية محدودة “ما لم يرافقها دور فعال للهيئة الرقابية في الحد من الهدر الفني وغير التقني، وضمان وصول الطاقة المنتجة إلى المشتركين وتحصيل أسعارها بعدالة وشفافية”. وبين جاهزية دير عمار وعدم ربطه بالزهراني، وبين جاهزية البنى التحتية اللبنانية لاستقبال الغاز وضخه إلى محطات الإنتاج، يوضح بصبوص أن أعمال التأهيل والصيانة لربط لبنان بـ«خط الغاز العربي» تمر بمراحل متقدمة بعد الأعمال التي نفذها الجانب المصري، مؤكداً أن معمل دير عمار يبقى «الوسيلة الأساسية والوحيدة الجاهزة حالياً للاستفادة المباشرة من الغاز ضمن مسار الخط الحالي». أما معمل الزهراني، ورغم قدرته الفنية على العمل بالغاز الطبيعي، إلا أنه لا يزال يفتقر إلى خط أنابيب متصل بالشبكة الشمالية. ويشير بصبوص إلى أن هذا الأمر يضع مسؤولية إضافية على عاتق الهيئة التنظيمية، التي يتولى بموجب قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462، الإشراف على تطوير الشبكة وتوسيعها، وتأمين الاستثمارات اللازمة لربط المحطات القابلة للاستمرار بمصادر الطاقة الأقل تكلفة. لا تمويل بدون إصلاح وفيما يتعلق بالتمويل، وعما إذا كان البنك الدولي سيوافق على التمويل دون استكمال الإصلاحات، يرى بصبوص أن تعيين الهيئة الرقابية شكل “خطوة أساسية، لكنها ليست كافية وحدها في سجل مطالب الممولين”، مشيراً إلى أن البنك الدولي لا يزال يؤكد على ضرورة قيام الهيئة بدورها المستقل والفعال لضمان استدامة القطاع. وأضاف أن موقف البنك الدولي يبقى ثابتا لجهة ربط أي زيادة في التعرفة بتحسن ملموس في التغذية والحد من الهدر، موضحا أن فرض أعباء إضافية على المواطنين دون معالجة التهرب وعدم الجباية سيؤدي إلى استمرار الخلل الهيكلي، “ليستمر من يدفع في تغطية مكان من لا يدفع، وبالتالي سيبقى التمويل مرتبطا بقدرة الهيئة الرقابية على فرض توازن مالي يضمن الجباية العادلة وتخفيض حقيقي في الخسائر الفنية والسرقات”. أمام لبنان فرصة لخفض كلفة الإنتاج، لكن… اقتصادياً، يرى بصبوص أن تشغيل محطات الكهرباء على الغاز الطبيعي يشكل فرصة حقيقية لخفض كلفة إنتاج الكهرباء والحد من استنزاف العملات الأجنبية المستخدمة لاستيراد الوقود. كما أنه قد يخفف جزئياً من تأثير لبنان على تقلبات أسعار النفط العالمية وارتفاع تكلفة الوقود خلال الأزمات الإقليمية. ورغم ذلك، يبقى المشروع، بحسب بصبوص، مرتبطا بحسابات جيوسياسية معقدة، لجهة ضرورة الحصول على ضمانات أو استثناءات واضحة تسمح بمرور الغاز عبر سوريا دون أن يتعارض مع العقوبات الأميركية المرتبطة بـ”قانون قيصر”. ويختتم بصبوص حديثه باعتبار الغاز المصري وسيلة إنتاج أرخص، “لكن هيئة تنظيم قطاع الكهرباء هي محرك الإصلاح الذي سيحدد ما إذا كان هذا المشروع سيتحول إلى نقطة تحول فعلية ومستدامة في حياة اللبنانيين”. في الختام، وعلى الرغم من الوعود التي يحملها مشروع تصدير الغاز المصري بزيادة ساعات التزود بالكهرباء، إلا أن قطاع الكهرباء في لبنان لا يزال أسير الاختلالات الهيكلية. الهدر وضعف الجباية وغياب الإصلاحات الإدارية والمالية يجعل من أي حل خارجي مجرد مسكن يصطدم بواقع داخلي مثقل بالأزمات، خاصة أن وزارة الطاقة الحالية فشلت حتى الآن في كسر الحلقة المفرغة التي تعيد إنتاج الأزمة نفسها، وتبقى الحاجة إلى إصلاح فعلي قبل أي إنقاذ خارجي.


