لبنان – خفايا سقوط الأسد ورؤية الشرع… سوريا بين تحولات الشرق الأوسط وبداية مرحلة جديدة

اخبار لبنانمنذ ساعتينآخر تحديث :
لبنان – خفايا سقوط الأسد ورؤية الشرع… سوريا بين تحولات الشرق الأوسط وبداية مرحلة جديدة

اخبار لبنان – وطن نيوز

اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-17 20:42:00

قبل التعمق في قراءة كتاب الصحافي اللبناني منير الربيع “خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع” الصادر عن دار رياض الريس في بيروت، قد يظن البعض أنهم سيواجهون تحليلاً سياسياً تقليدياً مليئاً بالتصريحات القطعية، سواء في المديح أو النقد، كما جرت العادة بين السوريين بعد سقوط نظام البعث في 8 كانون الأول 2024.لكن منير الربيع اختار أسلوباً مختلفاً، قائماً على السرد متعدد الأبعاد، الذي يدمج بين الرواية الواقعية والتحليل السياسي والوصف الشخصي. يبدأ الكتاب من زيارة دمشق الأولى للكاتب ضمن رحلة شباب الحزب القومي السوري الاجتماعي، ويصل إلى اللقاء الحصري مع الرئيس السوري أحمد الشرع داخل القصر الجمهوري المعروف بـ “عرين الأسد”.الربيع يوضح أن هذا القصر شهد مرور قوافل السياسيين اللبنانيين من بيروت إلى دمشق لتلقي تعليمات حافظ الأسد، ثم بشار، وكانت منه أوامر اغتيال استهدفت نخبة لبنانية كان وجودها سيغيّر مسار تاريخ المنطقة. في هذا المكان جلس وليد جنبلاط يتلمس أثر فقدان والده كمال بعد أربعين يوماً من اغتياله بأمر الأسد الأب، ومشى سعد الحريري نحو السلام مع بشار الأسد وهو يعلم أن الأخير كان مسؤولاً عن مقتل والده، فيما تفاخر حبيب الشرتوني في زاوية أخرى باغتيال بشير الجميّل.الكتاب بذلك يقدم مزيجاً من الرواية التاريخية والمشهد السياسي المعاصر، ويمنح القارئ تجربة فريدة لفهم تاريخ المنطقة من منظور شخصي وميداني.في اليوم التالي لهروب الأسد، كان منير الربيع يعبر الحدود السورية اللبنانية نحو دمشق. هي لحظة لبنانية أيضاً، كما هي لحظة تاريخية سورية. فالكابوس الطويل لم يكن سورياً وحسب، بل عاشه اللبنانيون بحذافيره، ودفعوا من تاريخهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني ثمناً باهظاً بسببه.هي شهادة جيل وُلد وكبر وهو ينظر إلى الثابت السوري، بصيغته السابقة، على أنه قَدَرٌ لا مفرّ منه. وما يأتي من الشام لا رادّ له في بيروت.لا تجد في كتاب منير الربيع هامشاً واحداً. هو ليس كتاباً للبحث بل للرصد والتأمّل. وما ضرورة المصادر والشواهد والكل شاهد؟ سوى أن الكتاب يستند إلى آراء سوريين من ضحايا الأسد، من المعتقلين السابقين، وبعض رجال حكمه أنفسهم، وكذلك من بعض معارضيه من المفكرين والمشتغلين في الشأن العام، كالدكتور برهان غليون الذي يناقش منير الربيع تحولات موقفه مما جرى ويجري في سوريا في تلك الانعطافة الكبيرة، يوم “دخل زعيم هيئة تحرير الشام أبو محمد الجولاني دمشق فاتحاً” كما يرى كثيرون، ويوم انهارت المعارضة التاريخية التقليدية بيسارها ويمينها ووسطها كما يرى آخرون.تصحيح تاريخ دمشقكان ذلك الدخول “تصحيحاً لتاريخ من الاختلال في هوية الدولة وتكوين السلطة في سوريا” كما يقول منير الربيع.ولكن كيف يمكن لذلك الطفل الذي كان يمشي في زحام سوق الحميدية بقلب دمشق، ويسترق النظر إلى سقفه المسود وسط أصوات الباعة وروائح التوابل ألا يرى في ذلك التغيير الذي حدث في دمشق اكتمالاً لاهتزاز العالم؟لماذا لم تعرف هذه المدينة الهدوء عبر تاريخها الطويل؟ ولماذا اختارها معاوية ذات يوم عاصمة له؟ يفكّر منير الربيع في أن إدراكه أهمية الجغرافيا الحضارية والسياسية، وتبصّره لقوة هذا المكان، مكّنته بحِلم ودراية من أن يبني على ذلك كلّه عن سابق تصوّر وتصميم.دمشق القريبة من البحر والرابضة على طرق التجارة عند الثغور. نقطة عبقرية يمكن الدفاع عنها ويمكن الانطلاق منها في الوقت ذاته.لا بدّ لصوت عاقل من تحليل ما حدث في دمشق ليلة فرار الأسد، لتمهيد الطريق للتحليل الهادئ، ولن يكون هذا الصوت أفضل من صوت اللبناني المتحلّل من عقد السوريين وطواطمهم وتابوهاتهم الموروثة.“من يفهم موقع سوريا، قد يستطيع أن يبني فيها دولة وسلطة” يقول منير الربيع قبل أن يعود إلى أوراق باتريك سيل، مؤرخ الأسد وكاتب سيرته الأوروبية انطلاقاً من فكرة الصراع على سوريا.“كان فجراً يشبه فجر الإعدامات والمعدمين. ترك خلفه سوريا أرض خراب شامل ومقابر جماعية وملايين المشرّدين”. يقول منير الربيع “حتى اليوم، يبدو كأنما ماضي سوريا مقيمٌ في حاضرها”. لا يذهب التاريخ في دمشق عنها ولا تغيب له شمس، لا ينتهي الزمن فيها كما ينتهي في غيرها.صحيح أن نظام الأسد جوّف سوريا من داخلها، إلا أنه “أدار علاقات معقدة مع قوي إقليمية تبدأ من تركيا وإيران وتصل إلى روسيا والولايات المتحدة”. فالجغرافيا كفيلة بأن “تعطيك الموقع والتاريخ يعكطيك الوزن” فيما السياسة تسعى إلى تحويل ذلك كله إلى قوة ونفوذ.أما تنوّع سوريا فهو مصدر قوّتها ونقمتها في ذات الوقت. فتركيبة واسعة ومعقدة من السكان والثقافات جديرة وحدها بأن تكون تركة ثقيلة للإدارة. فهي في لحظات الاستقرار مصدر ثراء وجسر مع المحيط، وفي لحظات التوتر كثيراً ما استغلتها القوى الخارجية للتدخل في الشأن السوري وتحقيق المصالح.وفي “عالم صراع الكبار على خطوط النفط وأنابيب الغاز وممرات التجارة” لا تعود سوريا مساحة صامتة أو يمكن تجاوزها. فكل مشروع يربط القارات الثلاث يمرّ من هذه العقدة”.التحدي الحقيقي ليس في إسقاط السلطة، بل في ما بعد إسقاطها. وكيف يعاد بناء دولة دون الاعتماد على مظلة خارجية لتنهض؟ يتساءل منير الربيع، ليخلص إلى أن الاستقواء بالخارج كما في التجربة السابقة يكسب السلطة وقتاً إضافياً، لكنه لا يبني أساساً صلباً.بتبدّل الأوضاع والأولويات وبانهيار حزب الله وصعود اعتبارات جديدة انطلقت عملية “ردع العدوان” في 27 تشرين الثاني 2024 وكانت النتيجة بعد توحيد القوى المقاتلة وترتيب الأوراق الداخلية أن سوريا باتت حرة. لكن الحرية، كما يقول منير الربيع “ليست جملة احتفالية بل هي اختبار طويل”.نعم كان ذلك الفجر غريباً، يوم سقط الأبد. لكن غرابته ليس لأن سلطة طاغية سقطت. بل لأن فكرة سقوطها كانت مستحيلة حتى اللحظة الأخيرة. يصف منير الربيع مشهد الزنازين التي فتحت بعد دخول قوات ردع العدوان إلى المدن السورية وفي منتهاها دمشق، هي قيامة هائلة لموتى أحياء. عائدين إلى الحياة. “يتسرّب الضوء إلى تلك الزنازين. فينكمش السجناء لا فرحاً بل خوفاً. اعتادوا أن يسبق الضوء التعذيب”. خرج معتقلون من سجن صيدنايا الذي سماه الناس “المسلخ البشري” يتساءلون “ماذا حدث؟” ليأتيهم الجواب “انتهى”. بعضهم رفض الخروج، وكأنما الحرية نفسها فخ.في تلك الأثناء ‎”كانت طائرة روسية تقلع من قاعدة حميميم الروسية. خبر انتشر سريعًا: الأسد غادر على متن هذه الطائرة. وعبرت الطائرة فوق رؤوس جنود كانوا قبل ساعات يعتقدون أن المعركة مستمرة. بعضهم أصابته نوبة بكاء. بعض آخر لاذ بالصمت. وبعض ثالث قرر الفرار إلى دول مجاورة”. تركهم الأسد وهرب.. وجوهاً أدمتها الجراح، ووجوهاً أخرى شاحبة خائفة مما ارتكبت.كان نظام الأسد أشبه باحتلال واستعمار دمّر البلاد وخرّبها، وكانت مهمة “هيئة تحرير الشام” وقوات “ردع العدوان” تخليص البلاد من ذينك الاحتلال والاستعمار.. ولكن ماذا بعد؟يتناول منير الربيع العمل الأمني الذي سبق التقدّم العسكري، باستخدام أساليب عديدة، من بينها ابتكار تطبيق إلكتروني خيري هدفه اختراق بنية النظام الأمنية. و”قبلها كان الجولاني يردّد في دائرته المقرّبة عبارة بدت بسيطة لكنها تختصر فلسفته (المعركة استعداد وفرصة)”.عملية أمنية تضمنت وعوداً مدبّرة انتحلت اسم إحدى المنظمات التي تتبع أسماء الأخرس، وعوداً بتقديم مساعدات إغاثية لقوات الأسد التي أنهكها الفساد واحتكار الثروة. كشف ذلك أماكن توزع الوحدات العسكرية، عديدها وعتادها، سلاسل الأوامر العسكرية، وغيرها. فشكّلت قاعدة البيانات التي تم تجميعها خارطة متكاملة للعدو كشفته تماماً أمام قوات “ردع العدوان”.كشفت هذه العملية هشاشة بنية نظام الأسد وانعدام ثقافته وغياب الرقابة على مفاصله. ولذلك يرى منير الربيع أن السلاح الأول لردع العدوان لم يكن القذائف والضربات العسكرية، بل المعلومة التي إذا أحسن استخدامها فستكون أقوى وأكثر تأثيراً من الأسلحة النارية.وفي الحروب التقليدية يكسر خط الدفاع الأول بالقوة. أما في الحالة السورية فقد كان الهدف كسر الثقة. “مثلا، يتلقى أحد عناصر الجيش السوري اتصالا من رقم دولي، وغالبًا ما يظهر على الشاشة بمقدّمة أميركية الصوت في الطرف الآخر هادئ، مباشر، لا يصرخ ولا يهدّد بعصبية. يبلغه بوضوح أن غرفة العمليات التابع لها أو التي يقع موقعه قربها ستستهدف خلال دقائق بطيران حربي، وأن عليه إخلاء المكان فورًا إن أراد النجاة بحياته. لا يمنحه المتصل وقتاً طويلاً للتفكير. ينهي المكالمة وبعد دقائق يهز انفجار محيط غرفة العمليات”.ومن تشكيل كتائب “خالد بن الوليد” و”العصائب الحمراء” إلى العملية “السهم” تقدمت القوات وتحرّرت المدن انطلاقاً من حلب. وكان الهدف الأعمق من التحرير هذه المرة، تثبيت السيطرة.قبل ذلك كانت المتغيرات الإقليمية تعصف، والضربات الإسرائيلية والحرب الإلكترونية التي شنت ضد حزب الله تسهم في انهيار المحور الإيراني انهياراً لا نهوض بعده، لا سيما بعد “عملية البيجر” واستهداف قوة الرضوان واغتيالات طالت القيادات العسكرية لحزب الله والحرس الثوري توجّت باغتيال حسن نصرالله.انهيار صامتفي الثواني الأخيرة قبل انطلاق ردع العدوان غادر بشار الأسد إلى موسكو، وفي غيابه ابتدأت العملية، فطلب لقاء الرئيس الروسي بوتين، وحدد له موعد يوم الجمعة، فيما كانت التحولات العسكرية تجري بسرعة هائلة. أغلقت تركيا أجواءها أمام الطيران الروسي وبدا أنها تمنع الأسد من العودة إلى سوريا. الأمر ذاته صدر عن القيادة الأميركية للعراقيين بمنع أي طائرة روسية من عبور الأجواء إلى سوريا. يكتب منير الربيع “لم تكن المسألة تقنية. بل سياسية بامتياز . سماء تُقفل في وجه رئيس لا يزال، نظرياً، في موقع السلطة”.بقي الأسد 4 أيام في روسيا، خلالها سقطت حلب. ومع كل انسحاب لقوات الأسد، وكان الزمن يعمل بقوة ضد النظام على حد وصف منير الربيع.حاول الإيرانيون التدخل لكن كان الأوان قد فات. وعاد الأسد إلى دمشق في 30 تشرين الثاني، عقد اجتماعات وحاول إعادة ترتيب أوراقه.كانت “ردع العدوان” تتقدم، وتم تحرير جبل “زين العابدين” و”كراع” وحماة. وفي تلك الأجواء وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في اليوم الأول من كانون الأول لفهم ما يجري في سوريا.طلب الأسد دعماً إيرانياً، فنصحه عراقجي بالعودة إلى أستانة واللقاء مع الروس والأتراك، وكانت علاقته مع الإيرانيين قد دخلت طوراً من الفتور بسبب تقاربه مع بعض الدول العربية في تلك الفترة. وكان امتناع الأسد عن المشاركة في “حرب الإسناد” قد أشعر الإيرانيين أنه يحاول المراهنة على استنزاف خصومه وحلفائه في الوقت ذاته، ليقدّم نفسه شريكاً مناسباً للغرب والإسرائيليين.وينقل منير الربيع عن مسؤولين سوريين حضروا اجتماعات الأسد مع القيادات العسكرية حينها، ونقلوا أن آراء العسكريين اتجهت نحو آراء ثلاث: الانسحاب إلى الساحل السوري باعتباره “الخزان الأخير”، أما الرأي الثاني فكان الدفاع عن حمص، وأخيراً التحصّن في العاصمة دمشق.كان “السهم” يتقدّم نحو “حمص” بيضة القبان كما سمّيت. واستقر الرأي لدى قيادات الأسد البارزة على البقاء في دمشق، وهكذا تحوّلت المعركة، حسب منير الربيع، من معركة استعادة المبادرة إلى إدارة خسائر متدرجة.حاول الأسد العودة إلى السياسة، فأوفد وزير خارجيته بسام الصباغ إلى بغداد لفتح قناة مع الأتراك الذين رفض لقاءهم في السنوات التي سبقت. فأبلغ وزير الخارجية العراقي نظيره السوري إن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لا يرى مجالاً للتفاوض مع الأسد في هذا الوقت.وأراد الأسد اللجوء إلى معرفة توجهات العواصم العربية، لكن كان الواقع قد اختلف حينها، وبدأت تتشكل فكرة “التسوية” بديلاً عن بقاء الأسد في السلطة.في الثالث من كانون الأول توقف الطيران الروسي عن استهداف قوات “ردع العدوان”، كان زيد العطار “الاسم الحركي لوزير الخارجية السوري لاحقاً أسعد الشيباني” ومعه ماهر شقيق الشرع، يفتحان قنوات اتصال مع الروس بوساطة تركية ويبلغانهم بأن المعركة ليست موجهة ضد روسيا ولا ضد مصالحها في سوريا.في السابع من كانون الأول عقد اجتماع روسي تركي إيراني على هامش منتدى الدوحة للإعلام. وكان الرئيس إردوغان قد ظل متمسكاً بدعم “ردع العدوان” وضرورة إعادة ترتيب الأوضاع في الشمال والوسط السوريين بعيداً عن طاولة المفاوضات.وتواصل الأتراك مع البريطانيين الذين لم يمانعوا من إسقاط الأسد، بل أكثر من ذلك طرحوا إمكانية تسويق هذا الخيار أوروبياً وأميركياً و… عربياً.انتهى اجتماع الدوحة، ويصف منير الربيع كيف خرج الوزراء منه على قناعة بأنه لم يعد من الممكن إنقاذ الأسد سياسيا، من جهة، ومن جهة ثانية لا توجد إرادة دولية لإيقاف “ردع العدوان”.وفيما كان جيشه يعاني وحكومته التي لم يعد لها أي دور، كان الأسد يسعى لتأمين خروج آمن من سوريا بضمانات عربية له ولأسرته. وفي السبت الأخير له، عقد اجتماعاً في مقر وزارة الدفاع، وأبلغ قادته بأن الدعم قادم في الطريق.ونقلا الأسد لمقربين منه رغبته بالانتقال مع ولديه حافظ وكريم وأمين عام الرئاسة منصور عزام ووزير الدفاع ورئيس الأركان إلى قاعدة حميميم للإشراف على الدعم المنتظر.خفايا سقوط الاسدوصل الملحق العسكري الروسي إلى القصر الجمهوري للقاء الأسد، وبعدها تولت القوات الروسية تأمين الطريق إلى المطار تمهيداً لمغادرة الأخير دمشق نحو القاعدة الروسية.مصادر منير الربيع تشير إلى أن الرواية السابقة لم تكن مجرّد لحظة هروب تحت وقع الصدمة، بل قرار تنفيذي سبقته ترتيبات جرت قبله بأسابيع، وتضمنت نقل حاشية الأسد وشبكته كاملة عبر عملية واسعة بالتنسيق مع الروس. في الوقت الذي كان فيه شقيقه ماهر قائد الفرقة الرابعة، التي ارتكبت مجازر دموية، يرفض هذا الخيار، معتبراً أن تسليم العاصمة هو “استسلام تاريخي”، وبقي مصراً على ضرورة الظهور بخطاب تلفزيوني وإعلان النفير العام، تجنباً لتحوّل السقوط إلى هزيمة معنوية لا يمكن الرجعة عنها.اصطدم الشقيقان بشار وماهر، وخرج الأخير غاضباً متشبثاً بفكرة وضع خط نار أخير على مشارف حي كفر سوسة بدمشق لمنع أي انسحاب محتمل من مركز المدينة. لم يجب بشار شقيقه بل اكتفى بالخروج صامتاً ومتابعة الاستعدادات للخروج بالتنسيق مع الروس وتجهيز قوائم بالأسماء التي سترافقه. وبدأ الانهيار الصامت.بينما بقي ماهر الأسد في دمشق يخطط للتموضع في حمص وقيادة خطة دفاعية. غير أن وحداته كانت قد تفككت وانقطع الاتصال بالقيادات. ومرّت ساعات قليلة قبل أن يدرك أن العاصمة قد خرجت من يده كما خرجت من يد أخيه بشار.حاول الخروج إلى بيروت، لكن الرد جاءه بعدم وجود إمكانية لاستقباله في لبنان، فلم يعد أمامه سوى التحليق بمروحية عبر البادية أقلته إلى العراق.وما يرى المؤلف أنه تأكيد على وجود ترتيبات هادئة سبقت السقوط شهادات جاءت من منطقة “قرى الأسد” التي تم تغيير اسمها اليوم إلى “قرى الشام” حيث مواقع سكن قيادات ورموز نظام الأسد، فقد روي أن عربات كانت تدخل وتخرج محمّلة طيل الأسبوع الماضي ناقلة أثاثاً وعائلات بأكملها نحو الساحل. فيما تقاطرت وجوه النظام وقادة الجيش والأجهزة الأمنية على السفارة الروسية في دمشق.لم يكن تفكك النظام عسكرياً وأمنياً وحسب، بل مالياً أيضاً وشمل ذلك شبكات الكبتاغون ورجال الأعمال والشخصيات المقربة من بشار وماهر وأسماء.ويشير منير الربيع إلى أن بعض شخصيات نظام الأسد لم يكن مصيرها مرتبطاً بمصيره، بل اختارت إعادة التموضع ويتردد بعضها في مشاريع لإدارة الساحل وبعض المناطق كحال كمال الحسن على سبيل المثال. مع الشرع وجهاً لوجهينتقل منير الربيع إلى رسم ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال ما تشكله “الشام” في وعيه وذاكرته وهو يرصد تحولاتها، متسائلاً: كم مرة ستعيد سوريا إنتاج معاركها منذ أن قتل يوسف العظمة ولم ينتصر؟ وكم مرة سيبقى السؤال ذاته من الذي يحمي أبواب دمشق؟تعود قراءة منير الربيع لشخصية الرئيس أحمد الشرع إلى ظهوره الأول ملثّماً في إحدى حلقات برنامج “بلا حدود” على قناة الجزيرة، وإلى مسارات “جبهة النصرة” التي أسسها في سوريا. حينها كان غموضه هو ما لفت الأنظار إليه.يعتبر منير الربيع أن حركة الشرع تتحكم بها برغماتية يهدف منها إلى الظفر بدعم يثبّت شرعيته في الداخل. مستعرضاً نجاحات الرجل في الخارج وفي البيت الأبيض والكرملين والأمم المتحدة، إلا أنه يحسب أن اختباره الحقيقي يبقى في الداخل وإدارته.وعن لقائه مع الشرع في القصر الجمهوري يبدأ منير الربيع في التقاط بريق عيني الرئيس السوري عند ذكر اسم دمشق، يرى أن ذلك لم يكن افتعالاً، بل إن للمدينة مكانة كبيرة في داخله.“تشعر وأنت تحاوره وكأنك التقيته مراراً، وكأن الحديث امتدادٌ لنقاش سابق”. قال إنه أسرّ إليه بأنه ومنذ تحرير دمشق، يقف كل صباح عند نوافذ القصر الجمهوري وينظر إلى دمشق. لم يقلها بصيغة المنتصر وإنما بصيغة المتأمل.الآن يبرز لسوريا احتمال لدور إقليمي جديد إذا ما أديرت المرحلة بدقة، بعد أن صار هذا البلد منذ العام 2011 ساحة الصراعات لا شريكاً في نسجها وتدبيرها.سأله عن المعارضة السياسية، فلم يتردد بالإجابة “هذه البلاد للجميع، هم قاتلوا بالكلمة ونحن قاتلنا بالسلاح ولكل دوره”. مضيفاً قوله إن أبوابه مفتوحة وأن المرحلة القادمة لا تحتمل إقصاء لأحد.ولعل أبرز ما سجلته ملاحظات منير الربيع عن خطاب الشرع الشخصي أن ليس خطاب انتصار على أحد، بل خطاب “إعادة تشبيك مع العالم”. مؤكداً أن تركيزه ينصب على دول ثلاث هي المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا، وأنه يعمل من أجل إيجاد نقطة تقاطع بينها وبين سوريا. ومن وجهة نظره فإن أي مسار استقرار لا يمر من هذا المثلث سيكون هشاً.لا يريد الشرع لسوريا أن تستمر كساحة صراع، وفقاً لمنير الربيع، وحين وصل إلى دمشق أدرك أن نموذج إدلب لا يمكن تطبيقه على سوريا كلها استنساخاً.يعمل منير الربيع في كتابه على تفكيك خطاب الشرع، عبر سلوكه السياسي والقيادي، وكذلك من بوابة لغته، فيذهب نحو تصورات الرئيس السوري عن المكونات السورية، وامتحانه الصعب هو كيف يطمئن الأكثرية دون أن يثير قلق الأقليات؟كتاب منير الربيع “خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع” أكثر من كتاب واحد، فهو يدشّن سلسلة قد نراها من الأعمال النقدية الجادة في الأدب السياسي التي تؤرخ للمرحلة السورية من جانب، وتولي بعقل هادئ اهتماماً بصناع القرار في دمشق، دون أن تنفر منهم أو تتماهى معهم. كتاب من نمط خاص، قد يجد فيه القارئ ضالته في فهم وتحليل ما شهدته سوريا وشعبها وطبقاتها السياسية، وقد يفتح الباب أمام المزيد من الأسئلة التي تنتظر من يجيب عليها، على ألا يكون هذا المنتظر هو الرئيس الشرع وحده، بل أيضاً النخبة السياسية والثقافية السورية التي لا زال قسط منها يتعامل بحذر مبالغ فيه، وبتأثيم إيديولوجي مسبق لا مبرّر له عند من يقرأ التاريخ ويتحسس تضاريسه ومنعطفاته الكبرى.

اخبار اليوم لبنان

خفايا سقوط الأسد ورؤية الشرع… سوريا بين تحولات الشرق الأوسط وبداية مرحلة جديدة

اخر اخبار لبنان

اخبار طرابلس لبنان

اخبار لبنان الان

#خفايا #سقوط #الأسد #ورؤية #الشرع.. #سوريا #بين #تحولات #الشرق #الأوسط #وبداية #مرحلة #جديدة

المصدر – الصحافة – صوت بيروت إنترناشونال