السودان – مسافرون بعلم السودان… من مذكرات السفير صديق أبوعاقلة

أخبار السودانمنذ ساعتينآخر تحديث :
السودان – مسافرون بعلم السودان… من مذكرات السفير صديق أبوعاقلة

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-21 11:52:00

جمال محمد إبراهيم (1) لا أصدق أبا فراس الهمداني في رثائه لغياب البدر في الليلة الظلماء، ولم أقصد أن أبدأ بما هو محزن في بداية حديثي عن كتاب السفير الصديق الصديق أبو عقيلة، بل لا بد منه. وقناعتي هنا أن الظلام الدامس الذي يحيط بالدبلوماسية السودانية الغائبة لا بد منه، ويستدعي الآن مصباحا مثل مصباح ديوجين، لكي يزيح ذلك الظلام الدامس. إن التنوير ضروري لهزيمة الظلام، بمظاهره المتعددة، ليس في مجال واحد، بل في مجالات مهمة مثل التعليم والمجتمع والاقتصاد والصحة، وأيضا مجال الدبلوماسية، الصوت الخارجي للبلاد. أشعر بعمق أن الوضع الحالي في الوطن السوداني هو على حافة الهاوية، وأنه دون التقليل من كل مظاهر الخراب، فإن الانهيار في الساحة الدبلوماسية السودانية هو أوضح من كل أشكال الانهيار. ويمكنك أن ترى من حولك في الأشهر الماضية، كم من الدبلوماسيين والسفراء تمت محاكمتهم من قبل حكومات – أصيلة أو فعلية – في تكليفهم بالحقيبة الدبلوماسية السودانية، وبعضهم في الخدمة أو تقاعد منها. وأعدادهم، لكثرة أعدادهم، لا يمكن مقارنتها بأعداد المكلفين بتولي وزارات أخرى، وهو أمر مؤسف بلا شك. وهذه مقدمة ضرورية لأخبرك أيها القارئ الحكيم بضرورة التأمل في التجارب السابقة والإرث الدبلوماسي المتمثل بمجموعات من السفراء والدبلوماسيين، التي أنشأتها بعقول وأيدي سودانية، الوزارة الوحيدة التي لم يكن للاستعمار الذي أدار البلاد لأكثر من نصف قرن يد في إنشائها. (2) أصدر السفير البيان. صديق أبو عقيلة، في رحلة حول تجربته الدبلوماسية، التي شملت جولاته المهنية، منذ أن كان دبلوماسياً ناشئاً، ثم ارتقى ليصبح خبيراً دبلوماسياً قديراً حتى وصل إلى رتبة سفير، وفي كل خطوة من مسيرته الدبلوماسية كممثل لبلاده، لا تحيد نظرته عن علم افتراضي يحمل رمزية النبل والفخر والهيبة. إنه علم السودان الوطن. وتنقسم المهام المعتادة لكل دبلوماسي يلتحق بوزارة الخارجية السودانية، بين العمل داخل السودان، ونسبة الثلث منه تقريباً، والعمل خارج السودان، الذي يشكل ثلثي كامل مدة عمله في الوزارة، حتى سنة تقاعده من الخدمة في ديوان الوزارة. وللسفير أبوعاقلة خبرات اكتسبها من العمل في ديوان وزارة الخارجية وفي دوائرها الفنية كما في دوائرها السياسية. إلا أن الإدارة التي يرتبط بها بشكل وثيق هي إدارة المكتب الوزاري التنفيذي. وهذا المكتب هو الذي يشكل أمانة سر قيادة الوزارة: وزيرها، ووكيلها، ثم المديرون العامون لإداراتها. وإلى جانب عمله في مكتب وزارة الخارجية، أتيحت الفرصة للسفير الصديق لتنويع خبراته الدبلوماسية عندما تم تكليفه بالعمل في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وهي إدارة وطنية داخلية ولكن لها امتداد خارجي نظرا لطبيعة ظاهرة اللاجئين نفسها. أما عن عمله خارج السودان، فقد كانت تجارب السفير صديق متنوعة، وتوزعت بشكل عشوائي بين سفارات سودانية خارجية في المناطق الصعبة وأخرى في مناطق ناعمة نسبياً. سأقول لك إنها سلاسة نسبية، فالخدمة الدبلوماسية خارج البلاد بشكل عام تنطوي على سلسلة من التضحيات الكبيرة التي تشمل المشقة والإرهاق، لكن مجموعة جاءت في عهد «المنقذين» الذين ظنوا أنها جائزة تمنح لاكتناز العملات الصعبة، وللتبعية الإضافية، وامتلاك المباني. شاهق..! (3) ولعل ما يعزز كلامي هو أن صديقنا السفير أبوعاقلة، خصص صفحات كثيرة في كتاب تجاربه، عن فترة عمله في لبنان، والتي تأملتها بعناية، حيث شغلت منصب سفير في لبنان عام 2006، بعد سنوات من فترة عمله هناك. لكن حظي كان أفضل نسبياً من حظ صديقي السفير أبوعاقلة. لم أعاني بقدر ما عانى صديقي، حتى لو لم يتعاف لبنان تماماً من أمراضه السياسية، لا حيث كان صديقنا السفير أبو عقلة، ولا في عهدي عام 2006، ولا في العصر الحالي، بينما إسرائيل تمارس أعمالها في لبنان… بعد مهمته الصعبة في… أفريقيا الوسطى، منحته وزارته فرصة مستحقة للعمل في محطة دبلوماسية ناعمة، فأرسلته إلى بيروت عام 1975. كان ذلك بعد أشهر، ثم اندلعت الحرب الأهلية في لبنان. ولم يكن الدبلوماسي صديق أبوعاقلة يكتفي بالمهام الدبلوماسية والقنصلية العادية، مثل معظم نظرائه الدبلوماسيين، لكنه أضاف إليها مهمة لم تكن في ذهنه. وجاءت كتيبة من السودان للمشاركة في قوات الردع العربية تنفيذا لقرارات الجامعة العربية للمساهمة في إنهاء الاشتباكات بين المتقاتلين في تلك الحرب الوحشية العنيفة التي زعزعت استقرار لبنان. وأنجز الدبلوماسي صديق أبوعاقلة مهامه الدبلوماسية – رغم تعقيدها – مع رفاقه في السفارة السودانية بقيادة رئيسها السفير. وقد أدوا جميعاً الاختبار المنتظر، وهو الأمر الذي قدرته السلطات اللبنانية في تلك الظروف القاهرة، فقامت بتكريمهم ومنحهم الأوسمة. بجدارة. وهذا فصل مهم في تجربة الدبلوماسي أبوعاقلة، لأن قصصه عنها تحتوي على دروس بليغة لكل دبلوماسي مبتدئ، عليه أن يدرك تماما أن المهنة الدبلوماسية لها مخاطرها وتضحياتها ومعاناتها، وأنها ليست، كما يظن بعض البعيدين عن المهنة، فرصة لحياة مريحة. أناقة وياقات أنيقة وسيارات سوداء فاخرة ترفرف عليها الرايات..! (4) وهذا درس من دروس كثيرة وردت في قصص وذكريات السفير أبوعاقلة. وقد وصف تجاربه الدبلوماسية في فصول عديدة، ولعلي أشيد به على ضخامة ما كتب، لأنه كان من الدبلوماسيين القلائل الذين كرسوا أنفسهم لأن يحتفظوا بدفاتر يدونون فيها ما لديهم من ملاحظات، وهذه صفة يغفل عنها كثير من الناس. إن الملاحظات التي يدونها الدبلوماسي أثناء عمله وواجباته الدبلوماسية قد لا تكشف عن أهميتها في تلك اللحظة من الكتابة، ولكن مع مرور الأيام وتتبع السنوات، تأتي لحظة تكتسب فيها هذه الملاحظات أهميتها التاريخية. اسمحوا لي أن أقدم لكم مثالا هنا. ومن المعروف أن برقية سرية صدرت من سفارة سودانية في الخارج. ووصل محتواه إلى قيادي في الحكومة القائمة بالخرطوم، وكان السبب في تحديد موعد لانقلاب عسكري أطاح بتلك الحكومة. وتفاصيل مثل هذه القصة – والغريب – لم تسجل في كتب تاريخ تلك الحقبة، وذلك ببساطة لأن من تلقى تلك البرقية لم يتوقف عند أهميتها. (5) تجارب السفير أبوعاقلة حملت دروسا كثيرة، وهي في تقديري بالتأكيد مفيدة للسلك الدبلوماسي الناشئ، خاصة وأنكم تلاحظون من وزارة الدبلوماسية في العقود الأخيرة، أن الاهتمام بصقل القدرات المطلوبة وتوفير الفرص قد تجاوز التدريب المنهجي للدبلوماسيين، وخاصة في اللغات الأجنبية، فاللغة هي أهم مهارة يحتاجها الدبلوماسي. أشعر بالفزع عندما أرى تدني مستوى أداء العديد من الدبلوماسيين، ولا أجد تفسيراً لذلك إلا في اعتماد الدبلوماسية في عهد حكم “الإنقاذ” على الولاء المطلق للحزب الواحد الذي ظل مسيطراً على إدارة البلاد لأكثر من ثلاثين عاماً، وتعمد جعل الدبلوماسية السودانية مرهونة بإرادته، وبالتالي بقرارات البلاد. السياسية خلال تلك الفترة. وكثيراً ما نصحنا كبار سفرائنا ودبلوماسيينا بضرورة التقصي والسعي للتعرف على تجارب الآخرين الذين سبقونا، ليس في الكتب الأكاديمية فحسب، بل أيضاً في القصص والروايات، فهي تحتوي على دروس وعبر سيستفيد منها الدبلوماسي كثيراً. وقد ذكرنا بذلك رئيس الدبلوماسية السودانية الراحل وأحد مؤسسيها جمال محمد أحمد في كتاب صغير تضمن حكمة دبلوماسية بعنوان: “في الدبلوماسية السودانية”. (6) كتاب تجارب السفير أبوعاقلة: “رحلتي مع العلم” وما تضمنه من تجارب من جولات دبلوماسية من بانغي في أفريقيا. الوسطى، من الإمارات إلى لبنان والجزائر والمغرب، مرجع شامل لكل دبلوماسي محترف، وحتى لكل من يرغب في التعرف على عالم أصبح في عصر المعلومات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، يتغير ويتحول بمعدل مرتفع. وفي ختام حديثي أتقدم بتهنئة مستحقة ومزدوجة لصديقنا السفير أبوعاقلة، ولكنني أهمس له بأنني فاتني تجربة أعرفها عنه، وهي تجربته في العمل الدبلوماسي من نوع خاص في منظمة التعاون الإسلامي، فهي دون التجارب التي تحدث عنها في سفره والتي عرضنا جزءاً منها هنا، لكنه لم يخبرنا بتفاصيلها. لقد حاربها في طهران لما يقرب من عقد كامل. أعتقد أنه يستحق الرصد، ولعل أبوعاقلة يفاجئنا بكتاب آخر مستقل عنه. ويبقى الأمل في أن يعود السودان إلى وطنه من جديد، وأن تعود الدبلوماسية إلى سابق عهدها. القاهرة – 20 مايو 2026 الكاتب

اخبار السودان الان

مسافرون بعلم السودان… من مذكرات السفير صديق أبوعاقلة

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#مسافرون #بعلم #السودان.. #من #مذكرات #السفير #صديق #أبوعاقلة

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل