تونس – عندما تصبح العطلة بعيدة

اخبار تونسمنذ ساعتينآخر تحديث :
تونس – عندما تصبح العطلة بعيدة

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-22 12:18:00

هل العالم هو الذي تغير؟ أم أننا من بدأنا نفقد الإيقاع الذي جمعنا دون أن نسأل لماذا؟ لن تغيب أضحية العيد هذه السنة عن بعض البيوت التونسية لضعف الإيمان، بل لارتفاع الأسعار. لكن ما يهز اليوم يتجاوز مسألة القوة الشرائية. عندما يصبح العيد حلماً بعيد المنال بالنسبة للبعض، فإننا لا نفقد مجرد عادة أو تقليد. ما يتصدع في أعماقنا هو شكل من أشكال الاستمرارية النفسية والشعور بالأمان والانتماء. منال البوشي نحب أن نعتقد أننا نعيش حياتنا كأفراد أحرار، نقرر ونختار ونبني مساراتنا الخاصة. نعتقد أن بعض التفاصيل هامشية. لقد تعلمنا أن نقرأ المجتمعات من خلال الأرقام: معدلات التضخم، والقوة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة. لكن التحولات الأكثر عمقا لا تقاس بالجداول. يمر عبر الطقوس. من خلال تلك الحركات الصغيرة التي نكررها دون التفكير فيها. صوت فيروز في الصباح. القهوة على شرفة المقهى المعتاد. استراحة السجائر. الجلوس مع الأصدقاء بعد يوم طويل. طقوس لا نلاحظها إلا عند رحيلها. تصبح الأيام أخف لأن الأمور حدثت كما هو متوقع. قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة، لكنها ليست كذلك. إنه مثل النبض الخفيف الذي يجعل الداخل هادئًا بدرجة كافية للاستمرار. قد يبدو هذا مبالغا فيه… لكن حاول تغيير عاداتك الصباحية فجأة، وسوف تفهم الجملة بطريقة مختلفة. ويهدأ العالم عندما يتكرر. وتصبح الأيام أخف وزنا فقط لأن الأمور حدثت كما كان متوقعا. ليس لأن شيئًا كبيرًا قد حدث. ولكن لأن لا شيء خرج عن الإيقاع. هكذا يعمل الطقس: فهو لا يضيف شيئًا للحياة، بل يمنعها من التشتت. كما أن لتونس إيقاعها وطقوسها الجماعية الخاصة التي تعود كل عام دون الحاجة إلى شرح. وذلك يعطي للزمن شكلاً مألوفاً، ويعطي للوجود شيئاً من الطمأنينة. إنه مثل اتفاق غير معلن: أن نعيش نفس اللحظة، بنفس الرمز، في نفس الوقت. مائدة الإفطار التي تتكرر في كل رمضان وكأنها تعيد تعريف الوقت كل عام، ملابس الأطفال الجديدة وضحكاتهم التي تملأ الشوارع في العيد، ثم تأتي الأضحية… تلك الطقوس التي تتجاوز الذبح نفسه، لتصبح مشهداً عائلياً كاملاً، محفوراً في الذاكرة الجماعية. غالباً ما تسير النفوس في عزلات متوازية نطلق عليها أحياناً “العادات”، لكن هذا وصف غير مكتمل. الطقس ليس مجرد تكرار. إنها مرساة نفسية. هيكل غير مرئي يمنع فوضى العالم من العبور إلينا بلا شكل ولا حدود. الطقس لا يساعدنا فقط على القيام بذلك. إنها تساعدنا على التحمل. لربط أنفسنا مع الآخرين. للتنسيق، ولو بشكل مؤقت، بين ذوات تتحرك في كثير من الأحيان في عزلة متوازية. ولكن ماذا يحدث عندما لا يتمكن الجميع من الدخول في نفس اللحظة؟ عندما يصبح الطقس مسألة مال… وليس مسألة معنى. قد يقول البعض: إنه اقتصادي فقط. اعتقدت ذلك أيضا… في البداية. لكن الطقس لا يعمل وفق منطق الاقتصاد وحده. لأنه لا يتم استهلاكه ببساطة، بل يتم مشاركته. لأن الأضحية ليست سلعة. إنه رمز. طريقة لنقل شيء غير مرئي بين الأجيال. جسر يربط بين الآباء والأبناء. لافتة صامتة تقول: رغم كل شيء، لا يزال هناك شيء يحدث. عندما يصبح الوصول غير متكافئ، لا يتغير الاحتفال فحسب… بل يتغير الشعور بالانتماء. وكأن الجسر الذي كان يعبرنا نحو “نحن” بدأ ينكسر. وقد لا تتمكن الإحصاءات والجداول الاقتصادية من التقاط هذا التحول. لكن الروح تلتقطها أولاً. وفي العيادات يظهر الأمر بشكل مختلف: زيادة اضطرابات النوم، وحالات الوسواس القهري، والتهيج، والعصبية، والاكتئاب، والشعور بالفراغ أو فقدان المعنى. قد تقول: هذه حالات فردية. ولكن ماذا لو كانت فردية في شكلها فقط.. جماعية في خلفيتها؟ وماذا لو كان ما يرهق النفس هو فقدان الإيقاع المشترك الذي خفف أعباء العالم؟ إن المجتمع لا يُبنى بالمؤسسات وحدها، ولا بالقوانين وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، بل أيضاً بتلك الطقوس الصغيرة التي تجعل الحياة قابلة للمشاركة. عندما تتحول طقوسنا المشتركة إلى امتياز اجتماعي فإن الهشاشة الاجتماعية الحقيقية لا تبدأ فقط عندما يتراجع الدخل. بل عندما تصبح الطقوس المشتركة التي كان من المفترض أن تجمع الجميع متاحة للبعض… ومستحيلة للبعض الآخر. عندما يتحول ما يجمعنا إلى ما يذكرنا بالفرق بيننا. وهنا لا يحدث الانهيار بصوت عال. بل يحدث بصمت. لكنه يعيد تشكيل معنى الوطن نفسه. وإلى من سيقف هذا العام على هامش التضحية، ليس اختياراً بل اضطراراً، أقول: ما نحاول الحفاظ عليه من خلال الشعيرة ليس دائماً شكل الفعل. بل إن هذا الفعل لم يسمح لنا أن نشعر به. جدول مشترك بطريقة أخرى. المعنى ينقل بالكلمة، عندما يصبح الفعل مستحيلا. في بعض الأحيان يكون الحفاظ على الجوهر هو أصدق أشكال المقاومة. وأذكر أن السؤال الأكثر إلحاحا هذا العام: هل سنتمكن من شراء الأضحية؟ بل: كيف نستمر في قول “نحن” عندما تصبح طقوسنا المشتركة امتيازًا اجتماعيًا وليس قدرة جماعية؟ إن الأمم لا تعتمد فقط على قوة مؤسساتها. كما أنها تقوم على ما يمكن أن يبقيه مشتركاً… في الضمائر، وفي الذاكرة، وفي نفوس أبنائها.