السودان – وزير التعليم العالي… بصيرة أم حمد!!

أخبار السودانمنذ ساعتينآخر تحديث :
السودان – وزير التعليم العالي… بصيرة أم حمد!!

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-25 00:11:00

د. محمد عبد الله في الدول العادية يقاس نجاح وزير التعليم العالي بعدد الجامعات التي تطورت، وعدد الباحثين الذين عادوا من المنفى، وعدد الطلاب الذين وجدوا طريقهم إلى المعامل وقاعات المعرفة. أما بالنسبة إلينا، فيبدو أن المعيار قد انقلب رأساً على عقب. وخرج وزير التعليم العالي السوداني ليتحدث، بقدر ليس بالقليل من الغطرسة، أن الجامعات زودت الحرب بثلاثة آلاف مقاتل. ثلاثة آلاف. وهكذا، وببساطة باردة، تحول طلاب الجامعات إلى رقم في قائمة التعبئة، وإلى موضوع في خطاب سياسي لا يكاد يخفي حنينه القديم إلى لغة الحرب. لم يتحدث الرجل عن آلاف الطلاب الذين انقطعت دراستهم، ولا عن الجامعات التي تحولت إلى خرائب، ولا عن الأساتذة الذين شردتهم الحرب، ولا عن جيل كامل يوشك أن يفقد مستقبله. كل ذلك بدا أقل أهمية من «الإنجاز» الذي أراد الوزير تسجيله في دفتر الولاء السياسي. ولعل الأمر الأكثر أسفاً هو أن الرجل كان في الأصل طبيباً. فالطبيب يفترض أن تكون لغته أقرب إلى الحياة، وليس إلى الموت، وأن يكون منحازاً بطبعه لبقاء الإنسان، وليس لعدد القتلى والجرحى والسجناء. لكن تجربة الإسلاميين في السودان علمت الناس أن الانتماء السياسي، بالنسبة لهذه المجموعة، غالبا ما يكون له الأسبقية على المهنة والمعرفة، وحتى الضمير. يمكن للطبيب أن يتحول إلى واعظ حرب، والأستاذ الجامعي إلى مسؤول تعبئة، والجامعة نفسها إلى ما يشبه الثكنة. وهذا الخطاب ليس جديدا على السودانيين. لقد عرفوه منذ زمن طويل خلال سنوات الإنقاذ، عندما كانت قوافل الطلاب تساق إلى الحرب تحت عناوين مشرقة: الجهاد والفداء والدفاع عن الإيمان والوطن. يومها امتلأت المنابر بالخطابات الحماسية، فيما كانت الأمهات تستقبل أبنائهن في صناديق خشبية، أو تنتظرهم حتى لا يعودوا أبدا. ثم انتهت تلك الحرب كما تنتهي كل الحروب العبثية: على طاولة المفاوضات، بعد أن دفع الوطن أثماناً باهظة، وخسر جزءاً عزيزاً من أرضه، وفقد آلاف الشباب حياتهم وأحلامهم. والمفارقة القاسية هي أن العديد ممن كانوا يبشرون الناس بالموت في ذلك الوقت نجوا من نيران الحرب بأنفسهم وعائلاتهم. ويعيش بعضهم اليوم في عواصم خارجية آمنة، حيث المدارس الهادئة والمستشفيات النظيفة وحياة تليق بالإنسان. أما أبناء الفقراء والبسطاء، فهم مطالبون دائمًا بحمل السلاح ودفع الفاتورة كاملة. ومن هنا هناك قلق مشروع من التصريحات الأخيرة لوزير التعليم العالي. السودانيون، بعد كل هذه التجارب المريرة، لم يعودوا ينظرون إلى خطاب الإسلاميين على أنه مجرد كلام عابر. ويعلم الناس أن مثل هذه التصريحات غالبا ما تكون مقدمة لخطوات أكثر خطورة. لذلك، ليس من المستبعد أن تتحول الجامعات عند عودتها إلى ساحات استقطاب وضغط ناعم أو قوي لدفع الطلاب نحو هذه الحرب، كما حدث في السنوات السابقة. ومن يتحدث عن «الثلاثة آلاف مقاتل» كرقم مشرف، لا يبدو مهتماً كثيراً بالسؤال البديهي: من سيبقى ليبني السودان؟ من سيعالج المرضى؟ من سيعيد بناء المدن؟ من سيكتب ويبحث ويعلم؟ أي بلد هذا الذي يلتهم أطفاله المتعلمين بهذه البساطة؟ فالحروب، في النهاية، لا تستهلك كبار السياسيين أو النخبة المحمية، بل أفراد الطبقات العادية. أولئك الذين يغادرون الفصول الدراسية إلى الجبهات، ثم يختفون هناك وسط ضجيج الشعارات. أما من يلقون الخطب البطولية، فغالباً ما تكون عائلاتهم بعيدة عن الخطر، موزعة بين إسطنبول وكوالالمبور وعواصم الشمال البارد. ولذلك فإن أخطر ما في خطاب وزير التعليم العالي ليس الرقم نفسه، بل العقلية التي تقف وراءه. عقلية ترى الجامعة مستودعاً بشرياً للحرب، وليست مؤسسة لصناعة المستقبل. وهي نفس العقلية التي تركت السودان في هذا الخراب الطويل، لأنه لم ينظر قط إلى الشباب كطاقة للحياة، بل كوقود لمعركة لا نهاية لها. السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من دعاة الحرب، بل إلى من يعتذر لهذا الجيل عن كل ما حدث. إنها بحاجة إلى من يعيد للجامعة المعنى الحقيقي، وليس من يحولها إلى ملحق بجبهات القتال. لا تبنى الأمم بعدد الأشخاص الذين يموتون فيها، بل بعدد من يجدون فرصة للعيش والتعلم والحلم بمستقبل أقل قسوة من حاضرهم. ولا ينبغي أن تظل هذه القضية مجرد موجة غضب عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تتطلب موقفا مدنيا وأخلاقيا واضحا، لأن الخطر الحقيقي يكمن في تطبيع عسكرة الجامعات وتحويل الطلاب إلى وقود سياسي للحروب. المطلوب اليوم هو أن يرتفع صوت الأساتذة والطلاب والأكاديميين السودانيين في الداخل والخارج دفاعاً عن حق هذه الأجيال في التعليم والحياة، وليس الموت الحر تحت رايات وشعارات التعبئة. كما أن أي محاولة لاستغلال الجامعات لجذب الطلاب أو الضغط عليهم للمشاركة في الحرب يجب أن تواجه بالتوثيق والتعرض الإعلامي والحقوقي، حتى لا يتكرر هذا التاريخ الثقيل الذي دفع السودان ثمنه منذ عقود. والأهم من ذلك كله هو إحياء فكرة بسيطة ولكنها جوهرية: أن الطبيب الذي ينقذ الأرواح أنبل من الذي يبرر الموت، وأن المعلم الذي يحارب الجهل يلعب دورا لا يقل وطنية عن أي مناضل، وأن الطالب الذي يتمسك بكتابه وسط هذا الخراب يمارس، على طريقته، أعمق أشكال المقاومة. إن الدولة التي تفقد طلابها لا تخسر معركة فحسب، بل تخسر غدًا بأكمله أيضًا. muhammedbabiker@aol.co.uk الكاتب

اخبار السودان الان

وزير التعليم العالي… بصيرة أم حمد!!

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#وزير #التعليم #العالي.. #بصيرة #أم #حمد

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل