اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-28 08:09:00
كلما طرح موضوع العفو العام في لبنان، يعود الانقسام نفسه إلى الواجهة. قسم يعتبرها خطوة إنسانية مطلوبة لمعالجة أوضاع السجون والمعتقلين، فيما يرى قسم آخر أنها مجرد صفقة سياسية مرتبطة بحسابات السلطة والنفوذ والتوازنات الداخلية. لكن الحقيقة التي أصبح من الصعب تجاهلها هي أن ملف العفو العام في لبنان لم يكن أبداً ملفاً قانونياً بحتاً، بل كان دائماً مرآة للمرحلة السياسية التي يعيشها البلد والمنطقة. القوانين في لبنان، وخصوصاً القوانين الحساسة المرتبطة بالأمن والسياسة، ليست منفصلة عن موازين القوى. لذلك، فإن الجدل الدائر حول العفو العام لا يمكن فهمه فقط من منظور حقوق الإنسان أو أوضاع السجون، بل يجب قراءته في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، والتغير الواضح في النظرة الدولية والإقليمية للتوازنات الداخلية اللبنانية. ومن الناحية الإنسانية والقانونية، لا شك أن لبنان يعيش أزمة حقيقية في ملف العدالة. وينتظر آلاف المعتقلين محاكمتهم منذ سنوات طويلة، وقضى بعضهم جزءاً كبيراً من حياته خلف القضبان دون صدور أحكام نهائية. وهذا الأمر يشكل فضيحة قانونية وأخلاقية بكل المقاييس، ويتعارض مع كافة الاتفاقيات الدولية التي وقع عليها لبنان في مجال حقوق الإنسان والمحاكمات العادلة. فكيف يمكن لدولة تدعي احترام القانون أن تقبل أن يظل المعتقل غير محكوم عليه لأكثر من عشر سنوات في السجن؟ كيف يمكن أن يتحول الحبس الاحتياطي إلى عقوبة مفتوحة بلا حدود زمنية ولا مساءلة؟ والأخطر من ذلك أن بعض مشاريع العفو المقترحة تتضمن عبارات تتحدث عن معتقلين غير مدانين أمضوا أربعة عشر عاماً في السجن، وكأن الدولة تعترف رسمياً بانهيار نظامها القضائي ثم تحاول معالجة الكارثة عبر التسوية السياسية بدلاً من الإصلاح الحقيقي. لكن وراء هذا البعد القانوني، هناك بعد سياسي لا يمكن تجاهله. لطالما ارتبط العفو العام في لبنان بالتوازنات الطائفية والسياسية. كل فريق ينظر إليه من وجهة نظر جمهوره واهتماماته الخاصة. هناك من يريد عفواً واسعاً يشمل أكبر عدد ممكن من أفراد بيئته، وهناك من يرفض أي عفو قد يمتد إلى معارضيه أو يمس بتوازن القوى القائم. ومن ثم فإن اللحظة الحالية ليست لحظة عادية. نحن لا نشهد فقط جدلاً قانونياً حول السجون والمعتقلين، بل نشهد تحولاً سياسياً كبيراً في لبنان والمنطقة. مرحلة ينهار فيها النظام السياسي والأمني برمته الذي تشكل بعد أحداث 11 سبتمبر، والذي قامت فلسفته على تصنيف مكونات المنطقة بين “الاعتدال” و”التطرف” وفق النهج الأمريكي الذي ساد في عهد الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، وخاصة في عهد إدارة باراك أوباما. في تلك المرحلة، تم تقديم الشيعة السياسيين، وتحديداً القوى المرتبطة بإيران، عملياً على أنهم أكثر «عقلانية» وانصياعاً للتفاهم السياسي، في حين تم التعامل مع البيئة السنية في أكثر من دولة عربية على أنها بيئة مرتبطة بالتطرف. والإرهاب. وانعكس هذا التصنيف بشكل مباشر في لبنان، حيث تعرضت مناطق سنية بأكملها لحملات أمنية وقضائية وسياسية تحت عنوان «محاربة الإرهاب»، فيما أعطى توازن القوى الداخلي والإقليمي نفوذاً متزايداً للمحور الإيراني وأذرعه. وقد أنتج هذا الواقع ظلماً سياسياً كبيراً، ليس فقط على مستوى الأحكام أو الملاحقات القضائية، بل أيضاً على مستوى الصورة العامة المرسومة عن مكونات لبنانية بأكملها. وتحول ملف المعتقلين الإسلاميين في لبنان إلى أحد أبرز تجليات هذه المرحلة، حيث شعر قسم كبير من اللبنانيين أن العدالة تطبق على المستوى السياسي، وليس على المستوى القانوني. لكن المنطقة تدخل اليوم مرحلة مختلفة تماما. إن التغيرات السريعة التي نشهدها، سواء في سوريا، أو في العلاقة الأميركية مع إيران، أو في إعادة رسم التوازنات الإقليمية، تشير بوضوح إلى نهاية مرحلة سياسية برمتها وبداية مرحلة جديدة. وكانت أولى مظاهر هذا التحول هي سقوط النفوذ الإيراني في أجزاء واسعة من المنطقة، وتزايد الهجمة السياسية والعسكرية على أذرع إيران، بالتوازي مع صعود واقع سياسي جديد في سوريا، ترجمه وصول أحمد الشرع إلى السلطة، في مشهد لم يكن من الممكن تصوره إلا قبل سنوات قليلة. ولا يمكن فصل هذه التحولات عن الجدل اللبناني الداخلي. ملفات كثيرة كانت مجمدة منذ سنوات، بدأت تتحرك اليوم، لأن ميزان القوى نفسه يتحرك. والعفو العام هو أحد هذه الملفات. ولذلك فمن الخطأ التعامل معها وكأنها مجرد قضية إنسانية معزولة عن السياق السياسي. وهي في الواقع جزء من مرحلة انتقالية كبرى تحاول فيها القوى المختلفة إعادة ترتيب مواقعها وحساباتها قبل استكمال التحولات المقبلة. في هذا السياق، يمكن فهم الحماس الكبير لدى بعض القوى لإقرار العفو الآن، خاصة حزب الله الذي يدرك أن المرحلة المقبلة قد تكون مختلفة جذرياً عن السنوات السابقة. فالحزب الذي كان يتمتع بنفوذ شبه مطلق داخل مؤسسات الدولة، يجد نفسه اليوم أمام بيئة إقليمية ودولية أكثر عداءً للمشروع الإيراني، وأمام تحولات لبنانية داخلية بدأت تنتج خطاباً سياسياً مختلفاً. كما يدرك الحزب أن جمهوره دفع تكاليف بشرية واقتصادية وسياسية باهظة في السنوات الأخيرة، ولذلك فهو يسعى إلى توفير أي مكسب محتمل لبيئته الحاضنة، سواء من خلال التعيينات أو الخدمات أو من خلال الضغط من أجل عفو واسع يشمل أكبر عدد ممكن من المنتمين إليه أو المقربين من بيئته. لكن في المقابل، هناك أيضاً شعور متزايد داخل البيئة السنية بأن المرحلة التي تم التعامل معها كبيئة مشبوهة أو متهمة بشكل دائم قد انتهت، وأن التوازنات الجديدة في المنطقة بدأت في استعادة الوضع السياسي لهذه البيئة بعد سنوات من التهميش والاستهداف. وهذا ما يفسر ارتفاع الأصوات المطالبة بإغلاق هذا الملف بشكل نهائي وإنهاء آثار المرحلة السابقة. ولا يقتصر الأمر على ملف الموقوفين أو المطلوبين داخل لبنان، بل يمتد أيضاً إلى ملف المرحلين إلى إسرائيل، خاصة أولئك الذين كانوا مرتبطين بجيش لبنان الجنوبي المعروف بجيش لحد. وهذا الموضوع الذي ظل محرماً سياسياً على مدى عقود، يعود اليوم تدريجياً إلى واجهة السجال اللبناني، ليس فقط من الزاوية الإنسانية، بل أيضاً من زاوية التحولات السياسية الكبرى التي تشهدها المنطقة. ومن الخطأ حصر هؤلاء في المسيحيين فقط، فمن بين المرحلين إلى إسرائيل لبنانيون من طوائف متعددة، وجدوا أنفسهم في مرحلة ما جزءاً من الصراع الذي عاشه جنوب لبنان خلال سنوات الاحتلال والحرب الأهلية. لكن على مدى العقود الماضية، تم التعامل مع هذه القضية بمنطق الخيانة الجماعية والانغلاق السياسي الكامل، نظراً لطبيعة المرحلة التي رفضت أي نقاش يتعلق بإسرائيل خارج منطق الحرب المفتوحة. واليوم، يتغير المشهد الإقليمي بسرعة كبيرة. إن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، بشكل مباشر أو غير مباشر، لم تعد مجرد اتصالات أمنية محدودة، بل أصبحت جزءاً من مسار سياسي أوسع قد ينتهي، عاجلاً أم آجلاً، إلى اتفاقات رسمية على الأقل، أو إلى سلام شامل على الأكثر. ولذلك فإن إبقاء ملفات كاملة معلقة تحت عنوان «التعامل مع العدو» يصبح متناقضاً مع الواقع السياسي الجديد الذي يتشكل في المنطقة. ومن هنا يصبح من الطبيعي أن يعاد طرح ملف المبعدين إلى إسرائيل ضمن أي نقاش جدي حول عفو عام أو مصالحة وطنية. لأن الدولة التي تفاوض مع إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر، وتدخل معها في ترتيبات سياسية وأمنية، لا يمكنها في الوقت نفسه أن تبقي آلاف اللبنانيين سجناء مرحلة سياسية سقطت أسبابها وتغيرت ظروفها بالكامل. وفي هذا السياق، يبرز الجدل أيضًا حول قانون مقاطعة إسرائيل، الذي تم تطويره في سياق تاريخي وسياسي مختلف تمامًا عن المرحلة الحالية. وعندما تبدأ الدول مسارات تفاوضية مفتوحة وتتخلى تدريجياً عن حالة الحرب التقليدية، يصبح من الطبيعي وجود جزء كبير من المبررات السياسية والقانونية التي استند إليها قانون المقاطعة. وهذا لا يعني بالضرورة تبني خيار التطبيع الكامل، لكنه يعني أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة جديدة تتطلب مقاربة مختلفة عن الشعارات والخطابات القديمة. لكن الخطر الأهم يبقى أن يتحول العفو العام إلى مجرد تسوية سياسية مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة. فالدولة التي تفشل في تأمين محاكمات عادلة وسريعة، ثم تعود بعد سنوات لتصدر عفواً، هي دولة تؤجل الانفجار ولا تبني عدالة حقيقية. إن العفو الحقيقي يجب أن يكون جزءاً من مشروع إصلاحي شامل يبدأ بإصلاح القضاء، وتسريع المحاكمات، وتحسين ظروف السجون، ووضع حد لاستخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة مسبقة. كما يجب أن تكون مصحوبة بمراجعة سياسية صريحة للمرحلة السابقة، وكيفية استخدام ملفات الإرهاب والأمن والخيانة في الصراعات الداخلية والإقليمية. لبنان اليوم لا يحتاج إلى قانون عفو فحسب، بل يحتاج إلى إعادة تعريف معنى العدالة والدولة معاً. فالعدالة لا تتحقق بالانتقام، ولكنها أيضاً لا تبنى على صفقات عابرة. وما لم يفهم الشعب اللبناني أن بناء الدولة الحقيقية يبدأ بقضاء مستقل وعدالة متوازنة بعيداً عن الحسابات الطائفية والسياسية، فإن كل عفو جديد سيبقى مجرد هدنة مؤقتة في أزمة مفتوحة منذ عقود.



