اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-30 22:20:00
ارتفاع غير مسبوق لمنسوب نهر الفرات يجبر أكثر من 14 ألف شخص على مغادرة مناطقهم، ويغرق آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية على ضفتي النهر، وسط استمرار عمليات الإنقاذ والإغاثة وتزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية طويلة المدى. عندما بدأت المياه تتسرب إلى منزلها في حويج بوماسة بريف دير الزور الغربي، لم تتخيل أم صالح أن ساعات قليلة ستكفي لتقلب حياتها رأساً على عقب. وكانت تراقب نهر الفرات الذي ارتبط في ذاكرة أهالي المنطقة بالزراعة والمعيشة والاستقرار، قبل أن تجد نفسها تحمل أطفالها الثلاثة وتغادر المنزل على عجل، تاركة وراءها أثاثها وممتلكاتها وكل ما لم تستطع إنقاذه. وقالت لموقع سوريا 24 إن المياه ارتفعت بسرعة لم يشهدها السكان منذ سنوات طويلة. وخلال فترة قصيرة، غمرت المياه الغرف والأجهزة المنزلية، قبل أن تنتشر إلى الأراضي الزراعية المحيطة وتبتلع محصول القمح الذي كانت الأسرة تنتظر حصاده بعد أشهر من العمل. وأضافت: “لم نفكر في أي شيء سوى الأطفال. وعندما بدأت المياه تدخل المنزل، لم يكن هناك وقت لإنقاذ الممتلكات أو التفكير في المحصول. كان علينا الخروج على الفور”. وعلى ضفاف نهر الفرات في محافظة دير الزور، تتكرر القصة نفسها بأشكال مختلفة. ووجد الآلاف من سكان القرى والنواحي النهرية أنفسهم خلال الأيام القليلة الماضية أمام واقع فرضته المياه التي تجاوزت ضفاف النهر وغمرت مساحات واسعة من الأراضي السكنية والزراعية. وبحسب مهند الهنيدي مدير الشؤون الاجتماعية والعمل في دير الزور، فإن الارتفاع غير المسبوق لمنسوب النهر أدى إلى نزوح 2439 عائلة بينهم أكثر من 14 ألف شخص، بعد أن تجاوزت المياه منسوبها الطبيعي بأكثر من 3.6 متر في بعض المناطق. وقال الهنيدي في تصريح خاص لموقع سوريا 24 إن السيول اجتاحت ستة حواجز رئيسية على طول نهر الفرات، مما أدى إلى عزل عدد من التجمعات السكانية وإلحاق أضرار كبيرة بالمنازل والمرافق الخدمية والأراضي الزراعية، إضافة إلى قطع بعض الطرق الحيوية التي تربط القرى والبلدات الواقعة على ضفتي النهر. سباق مع الزمن لإنقاذ العالقين. وفي الساعات الأولى من الأزمة، تحولت ضفاف نهر الفرات إلى مسرح لعمليات الإنقاذ المتواصلة. وكانت فرق الدفاع المدني من أوائل الواصلين إلى المناطق المتضررة، فيما أرسلت وزارة الدفاع الزوارق للمشاركة في عمليات الإخلاء ونقل السكان العالقين. وفي معبر الحوايج الذي يربط البلدة بمدينة الميادين، استمرت عمليات نقل العائلات من المناطق التي أصبح من الصعب للغاية الوصول إليها برا. وفي بعض المواقع، أصبحت القوارب هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السكان المحاصرين في المياه أو إخراجهم من المناطق المنخفضة. وقال أبو علي، أحد سكان المنطقة، إن العديد من العائلات غادرت منازلها خلال ساعات قليلة فقط، مضيفاً أن الخوف الأكبر كان على الأطفال وكبار السن، خاصة مع استمرار ارتفاع المياه وصعوبة التنبؤ بمناسيبها في الأيام المقبلة. موسم زراعي تحت الماء وإلى جانب مشاهد النزوح، تتكشف خسائر أخرى لا تقل خطورة. وفي المناطق الزراعية الممتدة على ضفاف الفرات، غمرت المياه آلاف الدونمات المزروعة بالقمح والشعير وغيرهما من المحاصيل الموسمية التي دخلت مراحل الحصاد أو كانت على وشك ذلك. وتأتي هذه الخسائر في سياق التحولات التي شهدها النهر خلال السنوات الماضية. ومع استمرار موجات الجفاف وانخفاض منسوب المياه لفترات طويلة، توسعت الأنشطة الزراعية تدريجياً نحو المناطق القريبة من مجرى النهر والتي غمرتها المياه في المواسم السابقة. ومع الارتفاع المفاجئ والكبير في مناسيبها هذا العام، عادت المياه لتغطي أجزاء واسعة من هذه الأراضي، مما أدى إلى توسيع نطاق الأضرار الزراعية على طول ضفتي الفرات. وقال المزارع نواف الشبوط لموقع سوريا 24 إن الارتفاع الكبير في منسوب المياه فاق توقعات الأهالي والمزارعين، وبات يهدد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومحصول القمح في المنطقة. ويوضح أن المزارعين أنهوا عملية الحصاد خلال الأيام القليلة الماضية، إلا أن الارتفاع المفاجئ للمياه حال دون تمكن الكثير منهم من نقل محاصيلهم أو اتخاذ الإجراءات الوقائية لحمايتها. وأضاف: “فوجئنا بارتفاع المنسوب، وأصبحت محاصيلنا وأراضينا ومعيشة أهالينا مهددة بالغرق. كنا في الأصل نعاني من انخفاض أسعار الحبوب، لكننا اليوم أمام كارثة جديدة قد تؤدي إلى خسارة الموسم بأكمله”. ويشير إلى أن الأهالي حشدوا كافة أفراد أسرهم للمشاركة في نقل المحاصيل ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل وصول المياه إليهم، رغم الظروف المعيشية الصعبة وتزامن ذلك مع متطلبات ونفقات الدراسة. ويتذكر الشبوط، وهو من مواليد ستينيات القرن الماضي، مشاهد من السيول التي شهدتها المنطقة في العقود السابقة، موضحا أنه في بعض السنوات وصلت مياه الفرات إلى المنازل، فيما تجاوزت مساحة الفيضان ثلاثة كيلومترات عرضا في بعض المناطق. ويضيف أن ما يحدث اليوم يعكس عودة النهر إلى مستويات لم يشهدها السكان منذ سنوات طويلة، لكنه يأتي في وقت أصبحت مساحات زراعية وسكنية كبيرة أقرب إلى مجرى المياه مقارنة بما كان عليه الحال خلال سنوات الجفاف. وفي منطقة الزاوية، يقف أبو إبراهيم أمام أرضه التي تحولت إلى ما يشبه بحيرة صغيرة. ويقول لموقع سوريا 24 إن المياه أتلفت المحصول بالكامل، إضافة إلى الاستثمارات التي أنفقها خلال الموسم على البذور والأسمدة والري. وأضاف: “لقد خسرنا عاماً كاملاً في أيام قليلة. الأمر لا يتعلق بالمحصول فقط، بل بالدخل الذي كانت الأسرة تعتمد عليه طوال العام”. ولهذه الخسائر أهمية خاصة في محافظة يعتمد فيها جزء كبير من سكان الريف على الزراعة كمصدر رئيسي لكسب العيش. وبعد سنوات من الحرب والنزوح وتراجع النشاط الاقتصادي، أصبحت الأراضي الزراعية بالنسبة للعديد من الأسر واحدة من آخر الموارد الاقتصادية المتبقية. أزمة تتجاوز المنازل التي غمرتها المياه، وتداعيات الفيضانات لم تقتصر على القطاع الزراعي. وبحسب الهنيدي فإن البنية التحتية المرتبطة بخدمات المياه تعرضت لأضرار بالغة، إذ انخفضت الطاقة الإنتاجية للمحطة الرئيسية المغذية لمدينة دير الزور بنحو النصف، فيما خرج ما يقارب خمسين محطة مياه في الريف عن الخدمة. كما تأثرت شبكات الطرق وممرات الخدمات القريبة من النهر، مما زاد من صعوبة وصول المساعدات إلى بعض المناطق المتضررة، وشكل تحديات إضافية أمام فرق الإنقاذ والإغاثة. وفي مواجهة الأزمة، شكلت المحافظة ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل غرفتي طوارئ لتنسيق الاستجابة الإنسانية، بالتعاون مع المنظمات المحلية والدولية والفرق التطوعية العاملة في المنطقة. وتضمنت الإجراءات فتح مراكز الإيواء لاستقبال العائلات النازحة، وتوزيع المواد الغذائية ومياه الشرب والمواد الإغاثية والخدمات الطبية العاجلة، في وقت تؤكد الجهات المعنية أن حجم الاحتياجات لا يزال أكبر من الموارد المتاحة. وبعد انحسار المياه، إلا أن التحدي الأكبر قد يبدأ بعد انتهاء الفيضان نفسه. يمكن تنظيف المنازل وإصلاح جزء منها، أما الأراضي الزراعية التي فقدت مواسمها والأسر التي فقدت مصادر دخلها ستحتاج إلى أشهر وربما سنوات للتعافي من آثار ما حدث. ولا تمثل الفيضانات بالنسبة لآلاف من سكان ضفاف الفرات مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل هي مرحلة جديدة في سلسلة أزمات شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، من الجفاف وتراجع الموارد المائية إلى الحرب والنزوح والضغوط الاقتصادية المتراكمة. أما أم صالح، فهي لا تزال تنتظر، مثل كثيرين غيرها، انحسار المياه، ليس فقط لتفقد منزلها، بل لمعرفة ما إذا كانت الحياة التي تركتها وراءها لا تزال موجودة، أم أن نهر الفرات حمل معه هذه المرة سنوات من التعب والعمل والانتظار.


