اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-02 22:56:00
حاوره: طارق العمراوي: أعتقد أن الصمت أداة عظيمة لنقل لغة سينمائية إنسانية بحتة تعتمد على فنون التصوير والإخراج والأداء. لا تزال حركة النقد السينمائي في فلسطين غير قادرة على مواكبة وفرة الإنتاج، إلا أن النقد السينمائي العربي والعالمي للأفلام الفلسطينية بشكل خاص يثري التجربة الفلسطينية ويرفع المعايير المنتظرة منها. س1: كيف تعرفين على المخرج جمعان قنيس؟ جمان قنيس فلسطينية تعود أصولها إلى قرية عين كارم غربي القدس، التي نزح منها أجدادها عام 1948. عاشت في بيت لحم، المدينة التي ولد فيها السيد المسيح عليه السلام، والتي يختنقها الآن جدار الفصل العنصري من كل جانب. ويرى جمعان أن تحت كل حجر في فلسطين قصة تستحق أن تروى. وهذا هو سبب تحولها إلى الإخراج السينمائي بعد أن عملت لسنوات في الإذاعة والتلفزيون. وترى أن الأفلام السينمائية بمختلف أنواعها تساهم في الحفاظ على الرواية الفلسطينية التي تواجه خطر المحو والتشويه. س2: لماذا يعتبر الصمت علامة سينمائية وفنية رفيعة المستوى لفيلمك الأخير “مقيد بالأغلال يحرره الحب”؟ بدأت السينما بالأفلام الصامتة كما نعلم، ولم يمت الفيلم الصامت مع تطور الصوت وتقنياته. أرى أن الصمت أداة عظيمة لنقل لغة سينمائية إنسانية بحتة تعتمد على فنون التصوير والإخراج والأداء. ويشكل الفيلم الصامت تحدياً كبيراً للمخرج وكاتب السيناريو لأنه يعتمد على المعالجة البصرية للفكرة، والقدرة على تطويع الإضاءة واللقطات وحركة الكاميرا وأداء الممثل من أجل إيصال الفكرة. لقد قمت بإنتاج وإخراج هذا الفيلم خلال إقامتي في إنجلترا. كانت فكرتي هي إنتاج فيلم يفهمه كل من يشاهده، بغض النظر عن لغته أو جنسيته أو مكان إقامته. وأعتقد أنني نجحت في ذلك. س3 هل يجب على المخرج الفلسطيني أن يتحدث فقط عن واقع القضية؟ بالتأكيد لا. وليس على المخرج الفلسطيني أن يتناول واقع القضية بالمعنى السياسي المعروف. نحن في فلسطين، مثل أي شخص في أي مكان في العالم، نعيش حياتنا الخاصة التي لا يجوز أن تصطدم مباشرة بالاحتلال. لكن في النهاية، كل هذا يحكمه الاحتلال، حتى لو لم نختار بالضرورة أن نكون جزءًا من القصة السياسية الأكبر. لأن الاحتلال يتغلغل في كل تفاصيل حياتنا ويزعجها ويفسدها ويشوهها. على سبيل المثال، من الممكن أن يكون أحدنا في طريقه لشراء لعبة لابنته ويصبح، دون إرادته، قصة اليوم، إذا اختاره أحد جنود الاحتلال أو المستوطنين ليكون ضحيته، دون أي سبب. لذلك، يجد المخرجون الفلسطينيون أنفسهم منجذبين لا إراديًا إلى واقع الاحتلال الذي يطغى على كل تفاصيل الحياة. ولكنني أعتقد أنه عندما نتحرر من الاحتلال، سيقدم المخرجون الفلسطينيون أجمل الأفلام عن حياة الإنسان بدون الاحتلال. نحن حقًا نشتاق لذلك ونحلم بتلك اللحظة. س4: هناك من يعتبر السينما الفلسطينية محطة توثيقية للقضية الأساسية ولا ترقى إلى سينما ذات أبعاد ورسائل وتساؤلات جمالية. كيف تقيم المسيرة المشرفة للسينما الفلسطينية؟ يعتقد الكثيرون أن السينما الفلسطينية تلعب دور التوثيق بالدرجة الأولى، وهذا أمر طبيعي، خاصة بعد احتلال فلسطين عام 1948 ومن ثم في الستينيات عندما بدأت “مأسسة” السينما الفلسطينية. أعتقد أن الفن هو نتاج البيئة التي ينمو فيها. لو لم تكن فلسطين محتلة لأنتجنا أفلاماً ذات أبعاد جمالية ورسائل وأسئلة. لكننا أبدعنا فيها. وأذكر هنا المخرجين الأخوين لاما، اللذين استقرا في مصر عام 1926 وأسسا شركة إنتاج اسمها كونكورد، وقاما بإخراج أفلام تاريخية واجتماعية وكوميدية. كان ذلك قبل النكبة. لكن الواقع فرض نفسه على المخرجين الفلسطينيين بعد ذلك، فأخذوا على عاتقهم شراء الكاميرات وتوثيق ما يحدث للشعب الفلسطيني من تهجير وإبادة جماعية، حتى تم مأسسة العمل السينمائي في إطار منظمة التحرير من خلال إنشاء وحدة إنتاج سينمائي. وقد فُقد الكثير من هذه الأفلام، بينما يحتفظ المحتلون بأرشيف يضم بعض المواد السينمائية الباقية في مكتباتهم بعد الاستيلاء عليها. أعتقد أن السينما الفلسطينية خلقت لنفسها هوية معقدة على مدار قرن من الزمان. وإذا نظرنا إلى الظروف التي تطورت فيها والإمكانيات والتحديات التي تواجه العاملين في المجال السينمائي، نجد أنها بالفعل رحلة مشرفة. س5: هل يصعب على المخرج الفلسطيني أن يصور مشاهد الدمار برؤية فنية وسينمائية خاصة؟ أعتقد أن مسألة تصوير مشاهد الدمار برؤية فنية وسينمائية خاصة ليست صعبة على المخرج الفلسطيني إلا من حيث الإمكانيات المالية اللازمة لذلك. في الواقع، أعتقد أنه أفضل شخص لتصوير هذا. كما أعتقد أن كل مخرج فلسطيني لديه زاوية وبصمة ستظهر بشكل مختلف ومبدع لتصوير مشاهد الدمار التي تخرج من رؤيته وتأثره بما رآه وربما عايشه من هذه المشاهد. س6: هل يمكن أن نتحدث اليوم عن مدرسة سينمائية فلسطينية كاملة الميزات والأسس؟ يمكن أن نتحدث عن السينما الفلسطينية، لكن لا أعتقد أنه يمكن وصفها بـ«مدرسة السينما الفلسطينية». ولا يعود ذلك إلى النقص في قدرات المخرجين الفلسطينيين، بل إلى عدم وجود عناصر مشتركة تحدد ملامح ومنهج “المدرسة” بالمعنى التقليدي لمدارس السينما. نعرّف الفيلم الفلسطيني بأنه كل فيلم يتم إنتاجه عن فلسطين، أو عن فلسطيني. الجزء الأول يشمل أي مخرج من أي مكان في العالم قام بإنتاج أو إخراج فيلم عن فلسطين. ولذلك، ليس بالضرورة أن تكون هناك عناصر مشتركة بين منتجي الأفلام ومخرجيها وكتابها غير موضوع العمل السينمائي. ولهذا السبب يصعب الحديث عن «مدرسة» كاملة الخصائص والأسس. لكني أجد في هذا التنوع الواسع ميزة تثري التجربة السينمائية الفلسطينية. س7: من الذي تقاطعت معه السينما الفلسطينية تاريخيا وأثر فيه؟ أعتقد أن السينما الفلسطينية تأثرت بمحيطها وتجارب مخرجيها. على سبيل المثال، في البداية، ذهب المخرجون الفلسطينيون إلى مصر، رائدة السينما في العالم العربي، للعمل أو تعلم السينما. بالإضافة إلى الدور الأساسي الذي لعبته الأفلام المصرية في تشكيل الذوق السينمائي للفلسطينيين من خلال الأفلام التي عُرضت في دور السينما قبل عام 1948 وبعده. وقد تلقى عدد من المخرجين الفلسطينيين تعليمهم السينمائي في مصر، مثل أحمد الكيلاني ثم سلافة جاد الله. كما تأثر المخرجون الفلسطينيون بالبنية السردية التقليدية للمخرجين المصريين، وأيضا بالواقعية الاجتماعية التي ميزت بعضهم، مثل المخرج يوسف شاهين. لكن السينما الفلسطينية تأثرت أيضاً، خاصة في السبعينيات، بالسينما الليبرالية في العالم، مثل السينما الجزائرية، والسينما الثالثة في أمريكا اللاتينية، والسينما الثورية في جنوب أفريقيا. وهي المدارس التي دعت إلى استخدام السينما كأداة للمقاومة والتحرر من الاستعمار. لكن المخرجين الفلسطينيين مثل إيليا سليمان وميشال خليفي تأثروا بالمدارس الأوروبية مثل “مدرسة المؤلف الفرنسية” ومدرسة “الواقعية الإيطالية”. س8 ما هي مشاريعك المستقبلية؟ لدي فيلم وثائقي أنتجته في بريطانيا وهو “الصمت الصاخب” والذي يحظى أيضا باهتمام العديد من المهرجانات. تم عرضه في بريطانيا وسيعرض قريباً في غزة وربما في الدول العربية. سأبدأ هذا الصيف، إن شاء الله، بتصوير فيلم روائي قصير عن حياة طفل مصاب بالتوحد في رام الله. س9: كيف ينظر المخرجون اليوم إلى العملية السينمائية الفلسطينية وهل هناك حركة نقدية تواكب حجم الصناعة السينمائية؟ أعتقد أن هناك اهتمامًا متزايدًا من قبل المخرجين والنقاد بالأفلام الفلسطينية. ليس فقط بسبب ما تمر به فلسطين، بل بسبب زيادة وتيرة الإنتاج النوعي برأيي. ولا يكاد يخلو مهرجان أو حدث ثقافي من فيلم فلسطيني واحد على الأقل، يتم عرضه ومناقشته. أعتقد أن القدرات المالية هي التي تحكم المخرجين والمنتجين على مستوى العمل الفني، لكنهم بلا شك يتميزون بقوة العرض والسرد. وهذا ما يمنح الأفلام عمقاً وقوة وقدرة على البقاء لا تختفي مع اختفاء بريق عناصر الإبهار البصري. لا تزال الحركة النقدية السينمائية في فلسطين غير قادرة على مواكبة وفرة الإنتاج، إلا أن النقد السينمائي العربي والعالمي للأفلام الفلسطينية بشكل خاص يثري التجربة الفلسطينية ويرفع سقف المعايير المتوقعة منها. كلمة أخيرة: رغم كل التحديات التي واجهها ويواجهها المخرجون الفلسطينيون، إلا أن مستقبلاً واعداً ينتظر السينما الفلسطينية. لأنني أؤمن أن الإبداع يولد في خيام اللاجئين، وتحت الركام، وفي أقبية السجون، كما تنبت الزهور البرية بين الصخور. أعتقد أن السينما الفلسطينية، التي تقدم اليوم قصة شعب محتل، ستقدم يومًا ما أفلامًا ذات مزايا جمالية وتناقش أسئلة فلسفية وثقافية وإنسانية.



