اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-03 09:00:00
مرة أخرى، نجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كبح جماح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومنعه من استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، في إطار مشروع حل متكامل لا يزال غير واضح المعالم، لا سيما وأن إسرائيل تواصل قصف الجنوب، ما يشير إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه لا يزال حبرا على ورق، خاصة أن تدخل الرئيس الأميركي جاء على خلفية القلق من عدم تفتيت مفاوضاته مع إيران بصواريخ الضاحية. وبناء على هذه المعطيات، فإن ما تسرب من أجواء اللقاءات التي عقدت في البنتاغون بين الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي، وبرعاية أميركية، يشير إلى أن الفجوة بين الموقفين اللبناني والإسرائيلي لا تزال واسعة، على الرغم من المساعي الأميركية الحثيثة لمنع انهيار المسار التفاوضي في بداياته. خروج الوفد العسكري اللبناني من العاصمة الأميركية بعد لقاءات وُصفت بـ«العاصفة» والمتوترة، يعكس مدى الاختلاف في مقاربة كل طرف للأولويات المطروحة على الطاولة، فبينما تمسك لبنان بوقف الهجمات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي المحتلة كمدخل طبيعي لأي نقاش لاحق، حاول الجانب الإسرائيلي نقل النقاش إلى قضايا أمنية وعسكرية تتعلق بمستقبل «حزب الله» وبنية انتشاره وقدراته العملياتية، وتكشف المعطيات المتوفرة أن الجانب الأميركي حاول خلال الجلسات إيجاد حل. مساحة مشتركة بين كلا الاقتراحين، لكنها تصطدم بالحقيقة الأساسية المتمثلة في أن إسرائيل تنظر إلى نتائج الحرب الأخيرة على أنها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الواقع الأمني في جنوب لبنان، في حين ينظر لبنان إلى هذه المحاولة على أنها محاولة لفرض شروط سياسية تحت وطأة التفوق العسكري على الأرض، وما يزيد المشهد تعقيدا هو أن التصعيد الإسرائيلي المستمر في الجنوب لا ينسجم مع الأجواء التي من المفترض أن تصاحب أي عملية تفاوضية جدية، مثل الغارات والتوغلات ومحاولات توسيع نطاق السيطرة الميدانية. إعطاء الانطباع بأن تل أبيب تريد التفاوض من موقع المنتصر، وليس من موقع الشريك في البحث عن تسوية مستدامة. وهذا بالضبط ما يقلق المسؤولين اللبنانيين، الذين يخشون أن تتحول المفاوضات إلى مجرد إطار لتثبيت الحقائق التي تفرضها القوة العسكرية على الأرض، ومن ناحية أخرى، لا تبدو واشنطن مستعدة للسماح بانهيار المفاوضات تماما، لأن فشلها سيعني عمليا انهيار أحد المسارات القليلة المتبقية للسيطرة على الوضع على الجبهة اللبنانية يمكن تفسيره في إسرائيل على أنه ضوء أخضر لمزيد من التصعيد، كما سيتم تفسيره داخل لبنان على أن الخيار العسكري عاد ليتقدم على الخيار: لذلك من المرجح أن تشهد الأيام التي تلي الجولة الرابعة من المفاوضات السياسية في الخارجية الأميركية اتصالات مكثفة لإصلاح ما انكسر في اجتماعات البنتاغون، خاصة أن الولايات المتحدة لا تريد أن تتزامن أي انتكاسة في الملف اللبناني مع التعقيدات المتزايدة في ملفات إقليمية أخرى، من العلاقة مع إيران إلى أمن البحر. لكن المؤشر الأهم يبقى في الميدان نفسه، أنه إذا استمرت إسرائيل في سياسة توسيع نطاق عملياتها العسكرية ومحاولة فرض وقائع جديدة جنوب وشمال الليطاني، فإن قدرة واشنطن على إبقاء المفاوضات حية ستصبح أكثر صعوبة، لكن إذا نجحت الإدارة الأميركية في فرض بعض الهدوء، حتى لو كان محدودا، فقد يكون ذلك كافيا لإعطاء العملية التفاوضية فرصة جديدة، رغم أنه لا أحد لديه أي ضمانات حقيقية حتى الآن بأن الطريق إلى التسوية سيكون قصيرا أو محدودا. ومن ناحية أخرى، يبدو أن لبنان يقف اليوم على مفترق طرق بالغ الحساسية. فإما أن تنجح واشنطن في تحويل المفاوضات إلى بوابة لتحقيق استقرار طويل الأمد على الحدود الجنوبية، أو ستبقى هذه اللقاءات مجرد محطات مؤقتة في طريق صراع لم تنضج شروط إنهائه بعد، لا إقليمياً ولا دولياً، خاصة أن ما يجري بحثه في واشنطن يمتد إلى ما هو أبعد من جنوب لبنان ليؤثر على شكل التوازنات الجديدة في المنطقة برمتها هل يبقى ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل الإقليمية والدولية، وبطاقة ضغط تستخدمها القوى الكبرى كلما تعثرت مفاوضاتها أو تصاعدت صراعاتها، أم أن التكاليف الباهظة التي تكبدتها في السنوات الأخيرة ستجعل منه مدخلاً إلزامياً لإعادة رسم التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط في لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية وتعقيداته الداخلية؟ لم يكن يوماً خارج معادلات المنطقة، لكنه يقف اليوم عند لحظة مفصلية قد تحدد مصيره لعقود مقبلة. وإذا نجحت الجهود الدولية والإقليمية في تحويل الجنوب من ساحة مواجهة إلى منطقة استقرار، فقد يجد لبنان نفسه، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، جزءاً من التسوية وليس مجرد ضحية. أما إذا استمرت سياسة إدارة الصراعات بدلاً من حلها، فسيبقى البلد الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للهزّة كلما تغيرت موازين القوى أو تعثرت التفاهمات الكبرى عقوداً من الزمن، من الخليج إلى المشرق، ومن الملف النووي الإيراني إلى مستقبل غزة والعلاقات العربية الإسرائيلية، تتشكل ملامح نظام إقليمي جديد لم تتبلور أسسه بعد. وفي قلب هذا المشهد يقف لبنان، ليس لاعباً رئيسياً في تشكيل هذه التحولات، بل ساحة تتقاطع فيها المصالح والنفوذ والحسابات المتناقضة. لذلك، قد لا يكون الرهان الحقيقي اليوم على وقف جولة قتال هنا أو هناك، بل على قدرة اللبنانيين لاستغلال اللحظة الإقليمية الدقيقة لإعادة الكرامة للدولة ومؤسساتها، لأن الدول وحدها هي القادرة على حماية بلدانها عندما تتغير الخرائط وتتغير التحالفات، وحينها فقط يستطيع لبنان أن ينتقل من موقع الساحة إلى موقع الشريك، ومن دور الضحية الدائمة إلى دور الدولة التي تملك قرارها وتشارك في صنع مستقبلها، بدلاً من أن يُصنع مستقبلها على طاولة الآخرين.




