السودان – خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (6 – 29):

أخبار السودانمنذ ساعتينآخر تحديث :
السودان – خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (6 – 29):

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-05 11:54:00

إعلان نيروبي 1993د. سلمان محمد أحمد سلمان1كانت المحطات الثلاثة السابقة لحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان والتي توقّفنا عندها هي: إعلان فرانكفورت، ومفاوضات أبوجا، ثم مبادئ الإيقاد.وكما أوضحنا في المقالات السابقة فقد كان إعلان فرانكفورت بين حكومة الإنقاذ وفصيل الناصر الذي تم التوقيع عليه في 25 يناير عام 1992 هو أول اتفاقٍ يعترف فيه حزبٌ شمالي وحكومةٌ في الخرطوم بخق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.2وكما ناقشنا في المقالين السابقين، فقد حاولت حكومة الإنقاذ التنصّل من إعلان فرانكفورت في مفاوضات أبوجا عام 1993. غير أن وساطة الإيقاد تبنّت المبدأ رسمياً وأصبح في 20 يوليو عام 1994 الركيزة الأساسية لما عُرِف بمبادئ الإيقاد.ورغم أن حكومة الإنقاذ هي التي سعت لوساطة الإيقاد، إلا أنها رفضت رسمياً وبصورةٍ قاطعة مبادئ الإيقاد في 6 سبتمبر عام 1994.3وقد أشرنا في خاتمة المقال السابق إلى أن الحركة الشعبية الأم سعدت كثيراً بمبادئ الإيقاد وقررت الاعتماد عليها اعتمادا تاماً في مفاوضاتها مع حكومة الإنقاذ، وكذلك مع الأحزاب الشمالية المعارضة للحكومة، بدلاً مكن إعلان فرانكفورت الذي انتزعه فصيل الناصر المنشق عنها من حكومة الإنقاذ.وقد نجحت الحركة الشعبية في انتزاع الاعتراف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بدءاً بأحزاب المعارضة الشمالية واحداً بعد الآخر، ثم مجتمعةً، وبعدها من حكومة الإنقاذ، في حنكةٍ وذكاءٍ كبيرين، ومن خلال نهجٍ تدريجيٍ امتاز بالسلاسة والبراعة، كما سنناقش بقدرٍ من التفصيل في هذا المقال، والمقال القادم.4بدأت قيادات الأحزاب والنقابات السودانية التي نجتْ من اعتقالات أجهزة حكومة الإنقاذ الأمنيّة في عقد اجتماعاتٍ سريّةٍ بعد أسابيع قليلة من وقوع انقلاب الجبهة القومية الإسلامية في 30 يونيو عام 1989. أدّى اجتماعٌ سرّيٌ موسّع عُقِد في الخرطوم في شهر أكتوبر عام 1989 إلى الاتفاق على إنشاء التجمّع الوطني الديمقراطي كمظلةٍ شاملةٍ لكل الأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات للعمل على إسقاط نظام الإنقاذ واستعادة الديمقراطية في السودان.بعد ازدياد القمع والاعتقالات بدأت بعض القيادات السياسية الشمالية في التسلّل من السودان واللجوء إلى مصر حيث بدأت في العمل على إعادة تنظيم أحزابها وبناء التجمّع الوطني الديمقراطي من هناك.وكانت مصر قد تراجعت عن موفقها المتعجّل المؤيّد للانقلاب الذي اتخذته في الأيام الأولى التي تلت الانقلاب، وفتحت أبوابها للمعارضة بعد أن اتضح لها أن من استلمت السلطة في الخرطوم هي، في حقيقة، الأمر الجبهة القومية الإسلامية، وليس بعض العسكريين الذين يسعون لوحدة وادي النيل. ولكن فتح مصر أبوابها للمعارضة السودانية شابه الكثير من الحذر والتقييد في الحركة والعمل والتنقّل لأفراد المعارضة.5قرّرت تلك القيادات المعارضة الاتصال بالحركة الشعبية بغرض إقناعها بالانضمام للتجمع الوطني الديمقراطي. فالحركة تملك الجيوش والعتاد الحربي والأراضي المحرّرة والمال والتنظيم والعلاقات الدولية الواسعة والخبرة العسكرية والدبلوماسية، وهذا ماتفتقده الأحزاب الشمالية وما تحتاج إليه. بل إن الأحزاب الشمالية لم تكن تملك في حقيقة الأمر أيَّ شيءٍ من هذا أو ذاك.رحّبت الحركة الشعبية بالدعوة، وقرّرت أنها توافق من حيث المبدأ على الانضمام للتجمع الوطني الديمقراطي، ولكنّ القرار يحتاج إلى موافقة أجهزة الحركة السياسية والتنفيذية والذي سيأخذ بعض الوقت.انبنت استراتيجية الحركة الشعبية على توطيد علاقاتها بمجموعات اليساريين والليبراليين والنقابات التي بدأت وتنامت في فترة الحكم المدني الثالثة في لقاء كوكا دام، ثم في ورشة عمل أمبو، وتوسيعها لتشمل الآخرين لأن ذلك يصب في برنامج السودان الجديد للحركة. غير أن تلك الحركات والمنظمات تفرقت وتشتّت بعد أقل من عامٍ من انتفاضة أبريل عام 1985.بعد أشهر قلائل من تلك الدعوة وافقت الحركة الشعبية على الانضمام إلى التجمع الوطني الديمقراطي، والمشاركة في لجانه واجتماعاته.6كما ذكرنا مراراً من قبل، ففي 25 يناير عام 1992 اتفق الدكتور علي الحاج والدكتور لام أكول على إعلان فرانكفورت الذي أعطى شعب جنوب السودان لأول مرةٍ في تاريخ السودان حق تقرير المصير، وأخرج الإعلان ذلك المارد العملاق من القمقم.في اليوم التالي مباشرةً لإعلان فرانكفورت، في 26 يناير 1992، عقد التجمّع الوطني الديمقراطي اجتماعاً في لندن استمر حتى يوم 3 فبراير عام 1992. وقد حضر الاجتماع ممثلون للأحزاب الشمالية (الأمة، والاتحادي الديمقراطي، والشيوعي) والقيادة الشرعية لقوات الشعب المسلحة، والنقابات، وشخصيات وطنية، بالإضافة إلى ممثلين من الحركة الشعبية لتحرير السودان، وحزب المؤتمر الأفريقي السوداني.7تمّ في ذلك الاجتماع إجازة ميثاق التجمّع بعد إضافة التعديلات التي كانت الحركة الشعبية قد طالبت بها. وقد أوضح الميثاق أن إعلان كوكا دام الذي صدر في 26 مارس عام 1986، ومبادرة السلام السودانية التي تمّ التوقيع عليها في 16 نوفمبر عام 1988، “يمثلان أعلى تعبيرٍ للوفاق السياسي السوداني.” واعتمد الميثاق النضال الشعبي والثورة المسلّحة منهجاً مشروعاً للإطاحة بالدكتاتورية العسكرية واستعادة الديمقراطية.ونصّ الميثاق على قيام حكمٍ انتقالي لأمدٍ لا يتجاوز الخمسة أعوام لمعالجة المشاكل الموروثة، وعلى انعقاد المؤتمر الدستوري في فترةٍ لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ إنشاء الحكومة الانتقالية، على أن ينجز المؤتمر أعماله في مدةٍ لا تتجاوز الستة أشهر من تاريخ انعقاده.ونصّ الميثاق أيضاً على أن مهام المؤتمر هي حسم قضايا الهوية والتنمية والتطور واقتسام السلطة والثروة، وتحديد العلاقة بين الدين والدولة، ثم صياغة الدستور الدائم على هدي قرارات المؤتمر الدستوري. وأكّد ميثاق التجمّع على أن الحركة الشعبية ستشارك في السلطة الانتقالية والمؤتمر الدستوري، مع تجميدٍ للعمل العسكري بعد اكتمال الاتفاق إلى حين انعقاد المؤتمر الدستوري.8كما أجاز اجتماع لندن الدستور الانتقالي الذي سوف تُحكم به البلاد في الفترة الانتقالية. وقد نص الدستور على إلغاء قوانين سبتمبر عام 1983، وكذلك القانون الجنائي الصادر في عام 1991، وكافة القوانين المخالفة للمواثيق الدولية، واعتماد قوانين عام 1974، عدا قانون العقوبات الذي سيستعاض عنه بالقانون الذي وضعته نقابة المحامين عام 1987.ونص الدستور أيضاً على أن تُحكم جمهورية السودان في الفترة الانتقالية بنظام اللامركزية، وأن تُحال مسألة مصادر التشريع إلى المؤتمر الدستوري.9بالإضافة إلى ميثاق التجمّع الوطني الديمقراطي، ودستور السودان الانتقالي، فقد أجاز الاجتماع مشروع قانون الأحزاب السياسية، ومشروع قانون الصحافة والمطبوعات، وكذلك البرنامج الاقتصادي في الفترة الانتقالية، وبرنامج السياسة الخارجية والتعاون الإقليمي والدولي.10ورغم أن الحركة الشعبية كانت قد تبنّت مبدأ حق تقرير المصير في مؤتمر توريت في سبتمبر عام 1991، ورغم اتفاق الدكتور لام أكول والدكتور علي الحاج على مبدأ حق تقرير المصير في إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992، إلا أن الحركة الشعبية لم تُثِر هذه المسألة في اجتماع لندن. بل إن ذلك الاجتماع كان محاولةً لإعاد الحياة إلى إعلان كوكا دام ومبادرة السلام السودانية.ولا بُدَّ من التذكير هنا أن الحزب الاتحادي الديمقراطي لم يحضر لقاء كوكا دام، وأن حزب الأمة الذي حضر اللقاء تنصّل من إعلان كوكا دام لاحقاً. كما أن حكومات فترة الحكم المدني الثالثة برئاسة السيد الصادق المهدي فشلت، حتى وقوع الانقلاب العسكري في 30 يونيو عام 1989، في الموافقة النهائية وتفعيل مبادرة السلام السودانية التي تمّ التوقيع عليها في 16 نوفمبر عام 1988.11ولكن كما سنناقش لاحقاً، فإن هذا التوافق على إعلان كوكا دام ومبادرة السلام السودانية في مؤتمر لندن في يناير عام 1992 قد جاء متأخراً عدّة سنوات. فقد اعتقد المشاركون في اجتماع لندن أنهم قد حسموا الخلاف الشمالي الجنوبي بالاتفاق على المؤتمر الدستوري الذي دعا إليه كلٌّ من إعلان كوكا دام ومبادرة السلام السودانية، والذي أحال إليه المشاركون كل القضايا الوطنية العالقة.غير أن التطورات السياسية والعسكرية في السودان بعد اجتماع لندن ستوضح، كما سنناقش لاحقاً، أن الإعلان والمبادرة قد تجاوزهما الزمان والأحداث، رغم أن الحركة الشعبية كانت قد شاركت في اجتماع لندن الذي بدا وكأنه قد أعاد لهما الحياة. كما أن روح الحماس والإحساس بأن اجتماع لندن قد أنجز أكثر مما كان مُتوقعاً سوف تبدأ في الانحسار والذوبان بعد أسابيع قليلة من ذلك الاجتماع.12ولا بُدّ من التذكير بسخرية القدر التي جعلت اجتماع لندن يتم بعد يومٍ واحدٍ فقط من اجتماع فرانكفورت، والتوقيع على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بين حكومة الإنقاذ وفصيل الناصر المنشقّ من الحركة الشعبية. من المؤكد أنه لم يكن هناك أحدٌ من الذين حضروا اجتماع لندن على درايةٍ إطلاقاً باجتماع فرانكفورت الذي كان، بلا شك، المسمار الأول في نعش السودان الموحّد الذي كان اجتماع لندن يحاول أن يبثّ فيه الروح والحياة.13بينما كانت التحضيرات تجري للجولة الثانية من مفاوضات أبوجا (والتي عُقِدت في شهر مايو عام 1993)، عقد التجمّع الوطني الديمقراطي اجتماعاً موسّعاً لقياداته في نيروبي يوم السبت 17 أبريل عام 1993، بعد حوالي أربعة عشر شهراً من اجتماع لندن. وقد حضر الاجتماع ممثلون للحركة الشعبية، وحزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي، والحزب الشيوعي السوداني، والاتحاد السوداني للأحزاب الأفريقية، والمؤتمر السوداني الأفريقي، والقيادة الشرعية للقوات المسلحة، وشخصيات وطنية سودانية شمالية وجنوبية.وقد حضر الاجتماع لأول مرة الدكتور جون قرنق دي مبيور الرئيس والقائد الأعلى للحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان.14افتتح الاجتماع الدكتور جون قرنق، الذي أكّد في كلمته المطولة على التزام الحركة الثابت بوحدة السودان، على أن تقوم أسس هذه الوحدة على الديمقراطية والتعدّد الديني والعرقي والثقافي، والالتزام الجاد بالعدالة الاجتماعية، واحترام حقوق الإنسان. وقال إن الخيار المفضّل للحركة هو الوحدة في نطاق السودان الجديد، مؤكداً مرة أخرى التزام الحركة بميثاق وبرنامج العمل ومقررات التجمّع الوطني الديمقراطي. وطمأن الدكتور قرنق الاجتماع على أن الحركة ستظل وفيةً لمبادئ هذا التجمّع وهي تخوض مفاوضات السلام القادمة في أبوجا بنيجيريا.كما ناشد الدكتور قرنق الحضور الاهتمام بمناقشة القضايا المطروحة على جدول العمل بأمانةٍ وتجرّدٍ، آخذين في الاعتبار الفترة التاريخية الحرجة التي تواجه البلاد والمآسي الإنسانية التي نجمت عن الحرب.15وناقش الاجتماع موضوع مباحثات السلام المقترحة في الجولة الثانية من مفاوضات أبوجا، ومشاركة الحركة الشعبية فيها، من منطلق أن الحركة الشعبية عضوٌ في التجمّع الوطني الديمقراطي.وعبّر الإجتماع عن إدراكه للأوضاع المحلية والإقليمية والدولية التي تُجرى فيها هذه المفاوضات، وأعلن عن اقتناعه بأن الحركة الشعبية تدخل في هذه المفاوضات للوصول إلى السلام والعدالة، وإنهاء الحرب التي سبّبت دماراً عظيماً في البلاد، وعرّضت ملايين المواطنين السودانيين لمعاناة إنسانية غير مسبوقة.16كما ناقش الاجتماعُ دورَ الدين في السياسة السودانية والأثر المباشر على الوحدة الوطنية والجهود المبذولة للوصول إلى سلامٍ عادلٍ ومستدام في البلاد. وقد تمّ التوصّل إلى الاتفاق التالي في هذا الشأن ليتم تضمينه في الدستور الانتقالي:ستكون آليات ومواثيق حقوق الإنسان الدولية والإقليمية جزءاً أصيلاً من قوانين السودان، وسيعتبر أيّ قانونٍ يتعارض مع هذه الآليات والمواثيق لاغياً وباطلاً.ستتضمّن القوانينُ المساواةَ الكاملة للمواطنين على أساس المواطنة واحترام الأديان والمعتقدات، دون تمييزٍ يقوم على الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة. وسيعتبر أيّ قانونٍ يخالف هذه الأسس لاغياً وباطلاً وغير دستوري.اتفقت الأطراف المجتمعة بأنه بالوصول لهذه الاتفاقية الفارقة فقد توصّل التجمّع الوطني الديمقراطي إلى توافقٍ كاملٍ على جميع مواد الدستور الانتقالي، وتمّ حسم جميع المواضيع المتعلقة بهذا الشأن.17كما أمّن الاجتماع على دعمه التام للحرب التي تشنّها الحركة الشعبية تحت قيادة الدكتور جون قرنق دي مبيور، ودعا الجماعات المنشقّة من الحركة الشعبية للعودة للحركة وتجاوز الأمور الجانبية والتي أصبحت من صميم النزاع. ودعا الاجتماع هذه الجماعات لتدير سلاحها صوب أعداء السودان – حزب الجبهة القومية الإسلامية الحاكم في الخرطوم.وعبّر الاجتماع عن تقديره وعرفانه للدول المجاورة للسودان والتي استضافت في أراضيها الملايين من المواطنين السودانيين الذين تمّ إجلاؤهم عن أراضيهم، وأرعبهم القهر البربري لنظام الجبهة القومية الإسلامية.18وأكّد الاجتماع على التزام التجمّع الوطني الديمقراطي بتطوير العلاقات مع هذه الدول. وسجّل الاجتماع شكره العميق للرئيس دانيال اراب موي، رئيس كينيا، والرئيس إبراهيم بابانجيدا، رئيس نيجيريا، والرئيس حسني مبارك رئيس مصر، والرئيس يوري موسيفيني رئيس يوغندا، لاهتمامهم المتواصل ومبادراتهم لإحلال السلام في السودان.كذلك عبّر الاحتماع – نيابةً عن جميع مواطني السودان – عن تقديره وعرفانه للمجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة والأمين العام الدكتور بطرس غالي لاهتمامهم بالأوضاع السياسية والإنسانية في السودان، وجهدهم الكبير في إيصال المساعدات الإنسانية للمواطنين المتأثرين بالحرب، وبخاصة دفاعهم عن حقوق الإنسان للمواطنين السودانيين، وإدانتهم لنظام الجبهة القومية الإسلامية لخرقه لهذه الحقوق.19وقّع على إعلان نيروبي السادة اليجا مالوك عن الحركة الشعبية، مبارك الفاضل المهدي عن حزب الأمة، أحمد السيد حمد عن الحزب الاتحادي الديمقراطي، التيجاني الطيب عن الحزب الشيوعي، أبدون أقو جوك عن الاتحاد السوداني للأحزاب الأفريقية، عبد الرحمن سعيد عن القيادة الشرعية، وفاروق أبو عيسى وبونا ملوال كشخصياتٍ وطنية.20كان هذا أولَ اجتماعٍ لقيادات التجمّع الوطني الديمقراطي يتناول قضيةً أساسيةً من قضايا السودان مثل الدين والدولة، وأولَ اجتماعٍ للتجمع يحضره الدكتور جون قرنق. وقد احتلَّ خطاب الدكتور قرنق الذي بدأ به الاجتماع حيّزاً كبيراً في اجتماع وإعلان نيروبي. كما وضح من الاجتماع والإعلان الزخمُ والهالةُ الكبيرة التي حظي بها دكتور قرنق وسط قادة التجمّع.غير أن الملاحظة الأساسية في خطاب دكتور قرنق في اجتماع نيروبي هي تركيزه على وحدة السودان، وعدم تطرّقه إطلاقاً لمسألة تقرير المصير أو مقررات مؤتمر توريت التي تضمّنت هذا المبدأ، والتي كانت قد صدرت في سبتمبر عام 1991، قبل عامٍ ونصف من اجتماع نيروبي.يبدو أن قادة الأحزاب الشمالية لم يكونوا على علمٍ بها، أو أنهم كانوا على علمٍ بها ولكن قرروا عدم إثارتها حتى لا تفتح باب الخلافات في أول اجتماعٍ للتجمع يحضره دكتور قرنق، خصوصاً مع الهالة والزخم الكبيرين اللذين صاحبا حضوره.وفي الحالتين فإن ذاك الإغفال لم يكن بدايةً أو دلالةً طيبة على علاقة الأحزاب الشمالية بالحركة الشعبية. فقد أشار ذلك الإغفال بوضوح إلى غياب الشفافية والندّية بين الحركة الشعبية من جهة، وبقية أحزاب وتنظيمات التجمّع الوطني الديمقراطي من جهةٍ أخرى.21ورغم أن الاعلان لم يتضمّن تبنّي قرار فصل الدين عن الدولة، إلا أن الاتفاق بأن (1) مواثيق حقوق الإنسان الدولية والإقليمية تُعتبر جزءاً أصيلاً من قوانين السودان، واعتبار أيّ قانونٍ يتعارض مع هذه الآليات والمواثيق لاغياً وباطلاً، (2) القوانين ستتضمن المساواة الكاملة للمواطنين على أساس المواطنة واحترام الأديان والمعتقدات، دون تمييزٍ يقوم على الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة، واعتبار أيّ قانونٍ يخالف هذه الأسس لاغياً وباطلاً وغير دستوري، يجب أن يعتبر من الناحية العملية إلغاءً تاماً لقوانين سبتمبر.ولا بُدّ لهذه النصوص أن تثير التساؤل إن كان حزبا الأمة والاتحادي الديمقراطي سيقفان مع هذا القرار لو كان الاجتماع قد تمّ في الخرطوم. كما تثير أيضاً السؤال إن كان الحزبان فعلاً مقتنعين بهذا الإعلان، وأنهما سيلتزمان به وينفذانه.22يلاحظ أن مسألة مشاركة التجمّع الوطني الديمقراطي في مفاوضات أبوجا لم تتم إثارتها أو مناقشتها. بل لقد عبّر الاجتماع عما أسماه “إدراكه للأوضاع المحلية والإقليمية والدولية التي تُجرى فيها هذه المفاوضات” وأعلن عن اقتناعه بأن الحركة الشعبية تدخل في هذه المفاوضات للوصول إلى السلام والعدالة وإنهاء الحرب. وبهذه القناعة فقد أصبح التفاوض مع حكومة الإنقاذ حقاً حصرياً للحركة الشعبية، ولم يعد بإمكان التجمّع مطالبة الحركة بإشراكه في المفاوضات في المستقبل.23من الواضح أن اجتماع نيروبي قد أكد هيمنة الحركة الشعبية على التجمّع الوطني الديمقراطي منذ البداية. فالحركة هي التي تقاتل حكومة الإنقاذ في ضراوة لأنها هي التي تملك الجيش المدرّب والسلاح والعتاد والمال والأراضي المحرّرة والعلاقات الدولية. وهذا هو ما يفتقده التجمّع الوطني الديمقراطي – لا جيوش ولا عتاد ولا مال ولا علاقات دولية.عليه فيمكن للحركة أن تتفاوض مع حكومة الإنقاذ لوحدها وحسب أجندتها، ودون أيّة مشاركةٍ من بقية تنظيمات التجمّع. ولا يملك التجمّع غير التفهّم والإدراك “للأوضاع المحلية والإقليمية والدولية التي تُجرى فيها هذه المفاوضات”، وغير اقتناعه “بأن الحركة الشعبية تدخل في هذه المفاوضات للوصول إلى السلام والعدالة وإنهاء الحرب.”24وهكذا أكّد لقاء نيروبي وأرسى رجحان كفة الحركة الشعبية داخل التجمّع الوطني الديمقراطي وهيمنتها على التجمّع منذ البداية. كما أكّد ذلك أيضاً الزخمُ الذي قابل به أعضاء التجمّع الدكتور قرنق ومكانته وإنجازاته وقيادته.لقد كان الدكتور قرنق يحضر إلى اجتماعات التجمّع بإحدى الطائرات الخاصة لأحد رؤساء دول شرق أفريقيا، ومعه طاقمه الأمني، ويقابله كبار المسئولين في ذلك البلد، ويقيم كضيفٍ رسميٍ هناك. من الجانب الآخر كان قادة التجمع يواجهون غاية الصعاب المالية لتغطية قيمة تذاكر السفر على الدرجة السياحية، وتكاليف الفنادق والإقامة. من المؤكّد أن هذا الفارق الكبير في الإمكانيات قد أضاف بعداً وعمقاً إلى هيمنة الحركة على التجمّع، وكذلك إلى الزخم والهالة الكبيرتين اللتين كانتا تصاحبان حضور الدكتور قرنق لهذه الاجتماعات.لا بد ان السادة بولين ألير، وداك داي، وسانتينو دينق، الذين عيّنهم السيد إسماعيل الأزهري كوزراء دولة بلا أعباء في أول حكومةٍ وطنيةٍ في السودان عام 1954 (وكان ذلك أعلا وأكبر وأهم منصب سياسي يصل إليه أيٌ من ساسة الجنوب في ذلك الوقت) قد ابتسموا في زهوٍ وهم يشاهدون، بعد أربعين عاماً، سياسياً جنوبياً يحظى بتلك الهالة وذلك الزخم والاحترام والتبجيل من كل قادة العمل السياسي الشماليين في عام 1993.25كما تاقشنا أعلاه، لم تقم الحركة الشعبية لتحرير السودان بإثارة حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في أيٍ من اجتماعي لندن في يناير 1992، أو نيروبي في أبريل 1993. لكن كما وضح لاحقاً، فقد مهد هذان الاجتماعان، وعبدا الطريق جيداً، لإثارة الحركة الشعبية لهذا المبدأ، والبدء في انتزاعه من احزاب التجمع الوطني الديمقراطي واحداً بعد الآخر، ثم من هذه الأحزاب مجتمعةً، بعد صدور مبادئ الإيقاد في 20 يوليو عام 1994، كما سنناقش بالتفصيل في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.Salmanmasalman@gmail.com
الكاتب

اخبار السودان الان

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (6 – 29):

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#خفايا #وخبايا #مفاوضات #واتفاقيات #تقرير #المصير #لجنوب #السودان

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل