اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-14 15:57:00
تمثل مساهمة موريتانيا الثالثة المحددة وطنيا (CDN3.0 2025-2035) وثيقة استراتيجية محورية في السياسة البيئية والمناخية للبلاد، مما يعكس التزاما متزايدا بالاتفاقيات الدولية، ولا سيما اتفاق باريس للمناخ (المادة: 4)، الذي يلزم الدول الأطراف بتحديث مساهماتها الوطنية بشكل دوري ورفع مستوى الطموح تدريجيا ومستمرا مع كل تحديث للمساهمات الوطنية، فضلا عن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (المادة: 4)، التي تنص على التزامات الدول في مجالات التخفيف والتكيف والمساهمة. وجاءت هذه الوثيقة، التي أعدتها وزارة البيئة والتنمية المستدامة بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وشركاء دوليين، لترسيخ رؤية تنموية جديدة تقوم على التوازن بين النمو الاقتصادي ومتطلبات التكيف مع تأثيرات تغير المناخ في بلد يعتبر من أكثر دول الساحل تعرضا للجفاف والتصحر وارتفاع درجات الحرارة. ويؤكد CDN3.0 الطموح المزدوج المتمثل في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة تصل إلى 75.8% بحلول عام 2035 مقارنة بسيناريو العمل المعتاد، بالإضافة إلى تعزيز قدرة القطاعات الحيوية والسكان والمناطق على التكيف مع المخاطر المناخية. وفي هذا السياق، يُبرز أن قطاع الطاقة، إلى جانب الزراعة والتنمية الحيوانية واستخدام الأراضي، يشكل محاور رئيسية لجهود التخفيف، من خلال التوجه نحو الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتحسين النظم الزراعية، ومشاريع التشجير، وإعادة تأهيل الغطاء النباتي. كما أولت الوثيقة اهتماما خاصا بقطاعات التكيف من خلال 85 إجراء تغطي مجالات متعددة، بما في ذلك التعليم والصحة والمياه والأمن الغذائي والهجرة المناخية، بالإضافة إلى الإسكان والتحضر وإعداد الأراضي. وانطلاقا من هذا الإطار الاستراتيجي، تحظى قطاعات السكن والعمران والعقارات بأهمية خاصة، باعتبارها أهم المجالات لترجمة الطموح المناخي على المستوى الإقليمي. ولم يعد العمران مجرد توسع حضري أو إنتاج المباني، بل أصبح أداة للحد من المخاطر البيئية وتحسين نوعية الحياة، خاصة في المدن التي تعاني من الهشاشة الهيكلية والتوسع الحضري السريع، مثل نواكشوط. لقد أصبح التحضر اليوم في قلب المعادلة المناخية. ويتقاطع مع تحديات ارتفاع درجات الحرارة والفيضانات والضغط على الموارد وضعف البنية التحتية في بعض الأحياء. ومن هنا، لم يعد التخطيط الحضري مجرد وظيفة فنية، بل تحول إلى أداة للحماية والتكيف وضمان استدامة التنمية. وقد خصصت CDN3.0 ثمانية تدابير رئيسية في مجال الإسكان والعمران وإعداد الأراضي، مع التركيز على تطوير الإسكان الصديق للمناخ، وتعزيز التخطيط الحضري المستدام، وتشجيع استخدام مواد البناء المحلية، وتوسيع المساحات الخضراء، ودمج المعايير البيئية في مشاريع البناء. ويهدف ذلك إلى بناء نموذج حضري أكثر مرونة وقادر على تحمل المخاطر المناخية المتزايدة. ويظل التحدي الأكبر يتعلق بإدارة القطاع العقاري باعتباره أداة استراتيجية في توجيه التوسع العمراني. ويحد التنظيم الجيد لاستخدام الأراضي من انتشار السكن العشوائي في المناطق الهشة، ويوجه النمو الحضري نحو مناطق أكثر أمانًا واستدامة، مما يجعل العقارات عنصرًا أساسيًا في سياسات التكيف مع المناخ وليس مجرد أصل اقتصادي. وتسلط خصوصية المدن الموريتانية، خاصة نواكشوط، الضوء على ضرورة الانتقال من نموذج التوسع الأفقي السريع إلى نموذج التخطيط الذكي والمتوازن، القائم على تحسين استغلال الفضاء، وتطوير البنية التحتية، وضمان الوصول العادل إلى الخدمات الأساسية. وفي هذا السياق، يمكن أن تشكل الحلول المحلية في البناء جزءاً من الاستجابة، من خلال اعتماد الهندسة المعمارية المناسبة للبيئة الصحراوية، وتقنيات العزل الحراري، واستخدام مواد بناء أقل تكلفة وأكثر توافقاً مع المناخ، مما يساهم في رفع كفاءة الطاقة وتحسين الظروف المعيشية. إن الاستثمار في التحضر المستدام والعقارات المنظمة لا يشكل عبئا تنمويا إضافيا، بل هو رافعة اقتصادية واجتماعية وبيئية في نفس الوقت. وكلما كان الفضاء الحضري أكثر تنظيما، كلما كانت البنية التحتية أكثر مرونة، وكلما كانت إدارة العقارات أكثر حكمة، كلما قلت الخسائر المستقبلية وزادت قدرة المدن على التكيف. وفي النهاية، يصبح من الواضح أن قطاعي العقارات والبناء لم يعدا مجرد قطاعين تقنيين، بل أصبحا جزءا من مشروع وطني شامل لإعادة تشكيل المجال وحماية الإنسان في مواجهة التغير المناخي. وفي وقت تتسارع فيه التحديات البيئية، لا تقاس قوة المدن بما تبنيه فحسب، بل أيضا بقدرتها على الصمود والاستمرار.




