اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-16 23:00:00
لم تعد قوائم منتخبات كأس العالم تشبه الفكرة القديمة للمنتخب الوطني. في الماضي، كان من السهل أن يُنظَر إلى المنتخب الوطني باعتباره نموذجاً مصغراً لكرة القدم في البلاد: اللاعبون الذين ولدوا هناك، وتقدموا عبر أنديتها، ويرتدون قميصها بشكل طبيعي. واليوم، أصبحت الصورة أكثر تعقيداً. في مونديال 2026، لا تلعب الدول بحدودها الجغرافية فحسب، بل أيضا مع مجتمعاتها، وأبنائها المنتشرين في أنحاء أوروبا، ومع لاعبين نشأوا في أكاديميات أجنبية، ومع أسماء لها أكثر من انتماء محتمل. وهنا يصبح السؤال مختلفا: من الذي يصنع اللاعب فعلا؟ جواز السفر أم مكان الميلاد أم بلد العائلة أم الأكاديمية التي شكلتها؟ الأرقام وحدها تكشف حجم التحول. وتضم البطولة الحالية 1248 لاعباً يمثلون 48 فريقاً، ينتمون إلى مئات الأندية المنتشرة في عشرات الدول. وهذا يعني أن كأس العالم لم يعد مجرد مواجهة بين الدول، بل بين شبكات كرة القدم العابرة للحدود. اللاعب المولود في دولة، ونشأ في دولة ثانية، يلعب لنادٍ في دولة ثالثة، ثم يحمل قميص المنتخب الوطني الذي يرتبط به عائليًا أو عاطفيًا أو قانونيًا. ويقدم المغرب أوضح مثال على هذا التحول. ولد أشرف حكيمي في مدريد ولعب لنادي ريال مدريد، لكنه أصبح أحد أبرز رموز المنتخب المغربي. كما أن إبراهيم دياز، لاعب ريال مدريد، ولد في إسبانيا، لكنه اختار الدفاع عن قميص المغربي. وهنا لم يعد السؤال رياضيا فحسب، بل أصبح سؤال هوية: هل يمثل اللاعب البلد الذي ولد فيه، أو البلد الذي تحمله عائلته في الذاكرة؟ ونفس الشيء يحدث في الجزائر. واختار لوكا زيدان، نجل زين الدين زيدان، قميص الجزائر بعد أن ارتبط اسمه طويلا بكرة القدم الفرنسية بحكم نشأته ومساره العائلي العام. ويحمل وجوده في تشكيلة الجزائر رمزية خاصة، إذ كان الأب من أكبر رموز المنتخب الفرنسي، كما يظهر الابن في مونديال 2026 بقميص الجزائر. وإلى جانبه هناك ريان آيت نوري وأمين غويري، وهما اسمان يعكسان بدورهما حضور الجالية الجزائرية في كرة القدم الأوروبية. ويدخل العراق أيضاً إلى هذه الخريطة من زاوية مختلفة. زيدان إقبال، الذي ولد في مانشستر ونشأ في بيئة كرة القدم الإنجليزية، يحمل قميص العراق. حتى الفرق الأوروبية الكبرى ليست خارج هذه المناقشة. وعاش جمال موسيالا، أحد أبرز وجوه ألمانيا، جزءًا مهمًا من مسيرته الكروية في إنجلترا قبل اختياره للمنتخب الألماني. مايكل أوليس، اللاعب الفرنسي، ولد في لندن ودرس كرة القدم الإنجليزية قبل أن يظهر بقميص “الديوك”. وكندا بدورها لها مثال إنساني بارز في ألفونسو ديفيز، الذي ولد في غانا ونشأ في كندا، قبل أن يصبح أحد أهم رموز منتخبها الوطني. ولا يحمل اللاعب قميص المنتخب الوطني فحسب، بل يحمل معه قصة انتقال من مكان إلى آخر، ومن واقع اجتماعي إلى حلم رياضي عالمي. أما إيرلينج هالاند النجم النرويجي فيقدم مثالا آخر على أن بلد الميلاد وحده لا يحدد انتماءه الرياضي. ولد في إنجلترا، لكنه يمثل النرويج. هذه الأمثلة لا تعني أن فكرة المنتخب الوطني ماتت، بل أن معناها تغير. لم يعد المنتخب الوطني بالضرورة مجموعة من اللاعبين الذين خرجوا جميعا من الدوري المحلي أو من أحياء الوطن نفسه. المنتخب أصبح مشروعاً أوسع، يتلخص في اتحاد كرة قدم يبحث في الداخل والخارج، ويراقب الجاليات، ويتابع الأكاديميات الأوروبية، ويفتح الباب أمام اللاعبين الذين لديهم أكثر من خيار. ومن ناحية أخرى، يثير هذا الواقع أسئلة حساسة. فهل يضعف ذلك العلاقة بين المنتخب وجماهيره المحلية؟ أم أنها تقويها بإعادة أبناء المهجر؟ هل يصبح الانتماء قراراً رياضياً بارداً أم يبقى خياراً عائلياً وعاطفياً؟ هل اللاعب الذي يتم تكوينه في أوروبا ثم يمثل البلد الأصلي له أقل ارتباطًا من اللاعب الذي ولد داخل ذلك البلد؟ الجواب ليس واحدا. في بعض الحالات، يبدو القرار مرتبطًا بفرصة المشاركة والظهور. وفي حالات أخرى، يكون الأمر أعمق بكثير، ويرتبط بالعائلة واللغة والذاكرة والبلد الذي يبقى حاضراً داخل المنزل حتى لو كان بعيداً جغرافياً. ولذلك فإن السؤال الأدق في مونديال 2026 قد لا يكون: هل مات المنتخب الوطني؟ بل: هل تم وضع تعريف جديد لها؟ في هذه النسخة من كأس العالم، الخريطة لا تكفي لفهم القوائم. قد يكون خلف كل اسم مدينة ميلاد مختلفة، وأكاديمية مختلفة، وجنسية مزدوجة، وقصة هجرة، وقرار شخصي. ولم تعد كرة القدم الوطنية محصورة داخل الحدود، بل تمتد حيث تمتد الأسر والمجتمعات والمواهب. وهكذا، فإن كأس العالم يبدو كمرآة لعالم قد تغير. عالم لم تعد فيه الهوية خطا مستقيما بين بلد ولاعب، بل شبكة معقدة من النشأة والتنشئة والتكوين والاختيار. في الملعب، هذه الأسئلة لا تحلها المناقشات النظرية، بل يحلها قميص يرتديه اللاعب، ونشيد يسمعه قبل المباراة، وجمهور يرى فيه أحدهم، حتى لو جاء من بعيد.


