سوريا – «تشرين الرياضية».. ذاكرة اجتماعية ولدت في حديقة وسط دمشق

اخبار سوريامنذ ساعتينآخر تحديث :
سوريا – «تشرين الرياضية».. ذاكرة اجتماعية ولدت في حديقة وسط دمشق

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-21 20:12:00

عنب بلدي – أمير حقوق في كل مدينة أماكن لا تقاس قيمتها بما صممت من أجله، بل بالقصص التي يتركها الناس فيها. أماكن تبدأ بوظيفة محددة، ثم تتحول بمرور الوقت إلى جزء من ذاكرة السكان، محتفظة بأصواتهم واجتماعاتهم وأيامهم العادية التي لا تظهر في الصور الرسمية للمدينة. على بوابة حديقة «مدينة تشرين الرياضية» في دمشق، قد يبدو المشهد عادياً في البداية: أشجار ومقاعد وممرات بين النوادي والملاعب، والناس يقضون بعض الوقت، لكن التفاصيل الصغيرة تكشف قصة مختلفة. في تلك المساحة، يمكنك رؤية امرأة مسنة تبدأ صباحها بجلسة مع أصدقائها، وعائلة تبحث عن ساعة هادئة بعيدا عن ضجيج المدينة، وشباب يتحدثون عن أحلامهم، وطفل يركض بين الأشجار، ورجل عجوز يتابع المشهد وكأنه يستعيد سنوات من عمره. هنا لم تعد الحديقة مجرد مساحة خضراء متصلة بملعب رياضي، بل تحولت إلى مساحة اجتماعية مفتوحة، مكان يجتمع فيه الناس ليس لأن لديهم هدف واحد، ولكن لأن المكان نفسه أصبح جزءًا من حياتهم. أصبحت الحديقة كالمدينة المصغرة، فيها كل الأعمار، وكل القصص، وكل التفاصيل التي تشكل الحياة اليومية. من ملعب رياضي إلى قلب المدينة الاجتماعي، ارتبط اسم حديقة “مدينة تشرين الرياضية” منذ سنوات بالمكان الرياضي المحيط بها. لقد كان جزءاً من مساحة يزورها اللاعبون والرياضيون والمتابعين، لكن مع مرور الوقت تغيرت علاقتها بالناس، وتجاوز حضورها النشاط الرياضي. لم يعد يأتي الزائر فقط لمشاهدة مباراة أو ممارسة نشاط رياضي معين، بل أصبحت الحديقة وجهة بحد ذاتها، مكان للجلوس والالتقاء وإيجاد مساحة من الهدوء. وقال عبد الوهاب العطار، أحد رواد الحديقة، “في البداية كان الناس يربطون المكان بالملعب فقط، لكن مع الوقت أصبح للحديقة حضورها الخاص، هناك أشخاص يأتون فقط لأنهم اعتادوا الجلوس هنا، أو لأنهم يعلمون أنهم سيجدون من يتحدثون معه”. ويكشف هذا التحول أن المكان العام لا يبقى كما هو مخطط له فحسب، بل يعيد الناس تشكيله وفقا لاحتياجاتهم. فالمدينة لا تصنع بالمباني وحدها، بل بالعلاقات التي تنشأ داخل هذه المباني والفضاءات، على حد تعبير الرجل الخمسيني. الحديقة تشبه “الفيسبوك القديم”. قبل أن تصبح العلاقات الاجتماعية مرتبطة بالهواتف والمنصات الرقمية، كانت الحدائق والساحات العامة تلعب دورا شبيها بشبكات التواصل الاجتماعي، وهي اليوم تكرر الدور بشكل مختلف. في ساعات الصباح، تبدأ إحدى الصور التي لا تنسى في الحديقة، مجموعة من السيدات الأكبر سناً يتجمعن في مكان يعرفنه جيداً. تبدأ الجلسة بتلاوة القرآن والدعاء والاستغفار، ثم تنتقل إلى أحاديث الحياة اليومية وأخبار الأبناء والجيران والذكريات والغائب والحاضر. وقالت السيدة الستينية سميرة المعراني، لعنب بلدي، إن علاقتها بهؤلاء النساء كانت بسيطة وهادئة، قبل أن تصبح الحديقة مكانًا معروفًا للاجتماعات الصباحية. وتأتي كل واحدة منهن في الصباح الباكر حاملة مصحفها، وتختار مكانا قريبا من الأشجار، وتجلس بمفردها لتقرأ القرآن في أول يومها. كان المشهد يتكرر يوميا، نساء مختلفات، كل واحدة في عالمها الخاص، لكن المكان جمعهن حتى قبل أن تجمعهن الأحاديث. ومع مرور الأيام، بدأت الألفة بين الوجوه. تحولت تحية الصباح إلى محادثة قصيرة، وتحول الحديث القصير إلى تعارف. وفي أحد الأيام، اقترحت إحدى النساء فكرة تجمع هذا الحضور المتفرق، وأن تصبح التلاوة جماعة بدلاً من أن يبقى كل واحد بمفرده. ومنذ ذلك اليوم قبل عدة سنوات، تحولت الجلسة إلى عادة يومية لا تتوقف مع تغير الفصول. في أيام الشتاء الباردة، عندما يأتي الصباح بقساوته، وفي أيام الصيف الحارة، تلتزم المجموعة بموعدها. وهنا تظهر الحديقة بشكل مختلف. ولم يعد مجرد مكان للجلوس، بل هو مكان يحول العادات الفردية إلى علاقات اجتماعية. لحظة بسيطة بدأت بامرأة تحمل مصحفها بمفردها، وانتهت بمجموعة من النساء كان لهن موعد وذكرى مشتركة. وكما تجمع منصات التواصل الاجتماعي اليوم الناس خلف الشاشات، كانت هذه الحديقة تفعل ذلك بطريقة قديمة، فتجمعهم معًا من خلال الحضور والمحادثة والعادات اليومية. بدأنا كل واحدة على حدة بمصحفها، ثم اجتمعنا حول المكان، فأصبحت التلاوة موعدًا يجمعنا، ثم انتقلنا إلى أحاديث الحياة اليومية، وأخبار الأبناء والجيران والذكريات ومن غاب ومن كان حاضرًا. سميرة المعراني إحدى رائدات حديقة “مدينة تشرين الرياضية”. مقاعد الحديقة…أرشيف صامت للمدينة. قد تبدو المقاعد الموجودة داخل الحديقة وممراتها مجرد تفاصيل صغيرة في المكان، لكنها في الواقع تحمل ذاكرة غير مكتوبة. على أحد المقاعد قد يجلس شاب يتحدث عن مستقبله، وعلى نفس المقعد بعد سنوات قد تجلس عائلة تستذكر ذكرى قديمة. وشهدت بعض المقاعد صداقات بدأت، وأحاديث طويلة، وتوقعات، وقرارات. وهنا، يقول علي الكهيلي، شاب عشريني من رواد الحديقة، لعنب بلدي، “أحيانًا لا تتذكر تفاصيل اليوم، لكن تتذكر أين كنت جالسًا ومن كان معك، ويصبح المكان جزءًا من الذاكرة”. لا تحافظ الحديقة على أسماء زوارها، ولكنها تحفظ آثارهم. يحمل كل ركن فيها قصة غير محكية، وكل مكان جلوس يتحول إلى صفحة من ذاكرة المدينة. بين طفل يلعب، وشاب يحلم، وشخص بالغ يتذكر، من المشاهد التي تمنح الحديقة خصوصيتها أنها تجمع أزمنة مختلفة في لحظة واحدة. وأي زائر يرى طفلاً يركض خلف كرة صغيرة، وشاباً يجلس مع أصدقائه يتحدثون عن الدراسة والعمل والمستقبل، ورجلاً مسناً يراقب الجميع ويفكر بالزمن البعيد. وقال محمد الحمصي البالغ من العمر سبعين عاماً، إنه عندما يرى الأطفال يلعبون يتذكر أيامه، ويواصل الضحكة على وجهه: “نفس الحماس ونفس الضحكة، فقط الزمن تغير”. وأضاف محمد لعنب بلدي أن الأجيال في هذا المكان لا تعيش منفصلة. الماضي والحاضر والمستقبل يجلسون على نفس المقاعد. الطفل يصنع ذكرياته الأولى، والشاب يتخذ قراراته، والكبير يستذكر قصته. الحديقة لا تسأل: من أنت؟ في العديد من الأماكن، يحتاج الناس إلى سبب واضح للمجيء، لكن الحديقة العامة تمنح الناس فقط الحق في الوجود. وهنا لا يحتاج الإنسان إلى بطاقة أو مناسبة أو تعريف بانتمائه الجغرافي أو الديني، فيجلس الجميع في مكان واحد، عائلة، شاب، كبير في السن، طفل، وأصدقاء. “كل شخص يأتي بطريقته، لكن في النهاية الجميع يجلس في نفس المكان”، بحسب الشاب السبعيني محمد الحمصي. وبرأيه، هنا تظهر قيمة الحديقة كمساحة اجتماعية، فهي تجمع الناس قبل تصنيفهم، وتمنحهم فرصة الالتقاء بعيدًا عن الاختلافات. وهكذا، لا تبدو حديقة «مدينة تشرين الرياضية» مجرد مساحة خضراء بجوار الملعب، بل كنموذج لكيفية خلق المدن لذكرياتها من خلال تفاصيل بسيطة.

سوريا عاجل

«تشرين الرياضية».. ذاكرة اجتماعية ولدت في حديقة وسط دمشق

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#تشرين #الرياضية. #ذاكرة #اجتماعية #ولدت #في #حديقة #وسط #دمشق

المصدر – عنب بلدي