اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-10 00:33:00
كلما عاد كأس العالم، لا أتذكر الكؤوس التي رفعت، بل أتذكر ذلك الرجل الذي وقف وحيدا في ملعب روز بول، بينما كان العالم يبحث عن الجاني (روبرتو باجيو)؛ بعض الناس لا يعودون إلى الذاكرة لأنهم انتصروا، بل لأنهم حملوا أحزانهم بطريقة نبيلة. صيف عام 1994م، في الولايات المتحدة الأمريكية، كان نهائي كأس العالم بين البرازيل وإيطاليا، وحُسمت المباراة بركلات الترجيح، فتقدم باجيو لينفذ الركلة الأخيرة لإيطاليا. ولم يدرك أن الثانية التالية ستقسم حياته إلى نصفين. عاش نصف حياته كلاعب محبوب، ونصف حياته يسترجع صرخات الخيبة. لم يتحرك ولم ينهار، فقط ذلك. نظرة لا تشبه نظرة اللاعب الذي أضاع ركلة ما، بل هي نظرة الشخص الذي أدرك فجأة أن بعض اللحظات لا يمكن تصحيحها. ما يؤلم في قصة باجيو ليس خسارة الركلة، بل السؤال الذي تتركه وراءها: أين العدالة؟ مأساة باجيو لم تكن رياضية فقط، بل مأساة وجودية. إنها القصة الأبدية للإنسان في مواجهة حظه. وهذا ما ذكره الفيلسوف (كامو) الذي تكلم كثيراً عن العبثية، أن الإنسان يفعل كل ما يستطيع ثم تأتي لحظة واحدة ليكسر التوازن بأكمله دون تفسير. كان باجيو يعلم أن الكرة التي ضاعت لن تعود، لكن ما آلمه حقاً هو أنه بدأ يتحمل عبء حزن الملايين، وكأنه تبنى مقولة (نيتشه): الإنسان لا يعاني بسبب الفشل، بل بسبب المعنى الذي يعطيه الآخرون لذلك الفشل، ولعل الألم الحقيقي الذي عاشه باجيو لم يكن تفويت الركلة، بل رؤية نفسه يتحول. في ذاكرة الناس، من البطل إلى المتهم. لو وقف سارتر إلى جانب باجيو تلك الليلة، لربما همس له بأن المأساة ليست في الكرة التي تناثرت في السماء، بل فيما تمثله مأساة قوله: «الجحيم هو الآخرون». الألم الحقيقي لم يكن في الركلة الضائعة، بل في ملايين العيون التي أعادت تعريف باجيو مرة أخرى. ولعل هذا هو السبب في أن باجيو لم يعد مجرد اسم في تاريخ كرة القدم، بل أصبح سؤالا فلسفيا مفتوحا حول الإنسانية والخيانة والعدالة والمعنى، وتبقى الأسئلة التي تتردد في ذهني كلما عاد كأس العالم: هل نحن حقا أبناء تاريخنا الكامل… أم أننا سجناء اللحظة التي اختارها الآخرون لنا؟ هل يمكن للعدالة أن تكون عادلة إذا تجاهلت السياق؟ هل يحق للعالم أن يحكم على إنسان كامل في ثانية واحدة فقط؟



