اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-12 19:13:00
عنب بلدي – شعبان شامية في عالم مليء بالمنافسة، لم تعد الطفولة مجرد سنوات لعب ومرح، بل تحولت في كثير من البيوت إلى “مشروع تجاري مؤجل” يُدار بعقلية استثمارية طويلة الأمد. ويترجم هذا الواقع الجديد الازدحام غير المسبوق للأسر لتسجيل أبنائها في دروس البرمجة واللغات والموسيقى. سباق محموم وحقائب محملة بالمهارات تخفي سؤالاً جوهرياً: هل نضمن مستقبلهم أم نسرق طفولتهم؟ فلسفة الأنشطة وحرية الطفولة. استشارية علم النفس الأسري، الدكتورة هبة كمال العرنوس، أكدت، في حديث إلى عنب بلدي، أن الأنشطة لها قيمة عالية كأدوات تعليمية، لكن الأزمة تكمن في الفلسفة التي تحركها. وقالت المستشارة إن الإفراط في إشغال الوالدين لجدول الطفل يحرمه من أهم احتياجاته النفسية وتحديدا “المساحة الحرة” اللازمة لتكوين الخيال ونضج الشخصية والاعتماد على الذات. وأكد العرنوس أن الطفل ليس آلة للتعبئة المعرفية، بل ينمو في لحظات الصمت والملل واللعب غير الموجه، معتبراً أن أوقات الفراغ هذه تشكل أساساً أساسياً للبناء النفسي والمعرفي وليست وقتاً ضائعاً. ذكاء الملل الإيجابي يرى المختصون في التربية الحديثة أن الملل ليس عدواً للطفل، بل هو أداة تنموية تُعرف بـ”الملل الإيجابي”. وقالت المستشارة إن توقف الدماغ عن تلقي الأنشطة الجاهزة يحفزه تلقائيا على البحث عن البدائل، مما ينشط الخيال ويطلق العنان لإمكانات الطفل الإبداعية. وأشار العرنوس إلى أن ترك الطفل لبعض الوقت دون برنامج مسبق يدعوه إلى اختراع ألعاب خاصة به أو كتابة قصص أو رسم أو طرح أسئلة عميقة. وتتطلب هذه العمليات العقلية المعقدة مساحات حرة يشعر فيها الطفل بالمسؤولية عن إدارة وقته، ولا يستطيع أن يتطور في بيئة مزدحمة ذات اتجاهات ثابتة. وعليه، فإن التعليم الحديث يعيد تعريف “الملل” على أنه فرصة لتدريب الطفل على المبادرة وتحمل الفراغ وإيجاد الحلول بنفسه. فالطفل الذي يتقن إدارة أوقات فراغه اليوم سيتحول في المستقبل إلى شخصية أكثر استقلالية وقادرة على التفكير الإبداعي. ومن فقدان الاستقلالية إلى القلق الحاد، حذرت المستشارة من أن المبالغة في هندسة تفاصيل حياة الطفل اليومية تخلق تداعيات نفسية خطيرة، أبرزها تجريده تدريجيا من إحساسه بالاستقلالية. عندما يخطط الكبار لكل تفاصيل يومه، يكبر الطفل مع ثقافة “تلقي التعليمات” بدلاً من “اتخاذ القرار”، مما يعيق تطوره الشخصي والقيادي. كما أن التراكم المفرط للأنشطة والالتزامات يحرم الطفل من فرصة الاستماع إلى ذاته الداخلية واستكشاف هويته، حيث ينتقل من برنامج إلى آخر دون أن يكون لديه الوقت لطرح أسئلة جوهرية حول رغباته وأهوائه ومصادر المتعة الحقيقية. والنتيجة الحتمية لذلك هي خلق طفل قد يكون “متفوقاً” في مجالات متعددة، لكنه منفصل تماماً عن ميوله الحقيقية. وفي السياق نفسه، حذر العرنوس من أن هؤلاء الأطفال قد يقعون تحت ضغط نفسي يرفع مستويات القلق والتوتر لديهم، نتيجة العيش المستمر تحت وطأة الإنجاز، حيث يتحول كل نشاط في أعينهم إلى اختبار جديد يتطلب الأداء المثالي، ما ينمي فيهم شخصية تخشى التوقف، وتعتمد قيمتهم الإنسانية على حجم ما يحققونه، وليس على ما هم عليه. كما لفتت إلى أثر سلبي خطير قد يغفل عنه الكثير من الآباء، وهو ضعف المرونة النفسية. فالطفل الذي اعتاد على الجداول المجهزة مسبقاً والمبرمجة لكل دقيقة، يصبح في غاية الحيرة والعجز في مواجهة أي وقت مفتوح أو سيناريو غير مخطط له، نظراً لأنه لم يتعلم مهارة إدارة أوقات الفراغ أو اتخاذ القرارات بنفسه. دوافع التكثيف التربوي وأرجعت النصيحة اندفاع أولياء الأمور لملء جداول أبنائهم دون توقف إلى ثقافة العصر التي تربط النجاح بالانشغال الدائم، فضلا عن الخوف من تخلف الأبناء عن أقرانهم. وأشارت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تعزيز هذا القلق من خلال عرض إنجازات الأطفال الآخرين، ما يشكل ضغطا على الأهل لتقليدهم. وبحسب العرنوس فإن التربية الصحيحة تعتمد على فهم احتياجات الطفل وملاءمتها لعمره وشخصيته، وعدم المقارنة بين الجداول، مع ضرورة ترك الوقت الكافي للراحة واللعب الحر والحياة الأسرية. وعندما يتحول الإنجاز إلى عبئ ثقيل، حددت الاستشارية مجموعة من العلامات التحذيرية التي تؤكد معاناة الطفل من الأنشطة المفرطة، أبرزها فقدان الشغف للهوايات المفضلة، والشكاوى المستمرة من التعب والتهيج واضطرابات النوم. وأشارت إلى أن مقاومة الذهاب للتدريب وتراجع الدافع العام من العلامات الواضحة للضغط النفسي والجسدي. وحذر العرنوس من خطورة أن يصبح الطفل في بعض الأحيان مجرد «منفذ آلي» للتعليمات، ويفقد القدرة على المبادرة والفضول المعرفي، وينتظر التوجيه الدائم نتيجة حرمانه من اختيار أنشطته بحرية. كما حذرت الأسر من غياب الفرحة بالإنجاز لدى الأطفال، والتعامل مع النجاح كواجب متواصل وثقيل، داعية أولياء الأمور إلى وقفة جادة وتقييم ما إذا كانت هذه الأنشطة تدعم نمو الطفل أم أنها مجرد سباق مرهق لا ينتهي. استراتيجية التوازن النفسي يرى الاستشاري أن تحقيق التوازن بين تنمية مهارات الطفل والحفاظ على طبيعته يبدأ بالأساس بتغيير الفلسفة التربوية السائدة لدى الوالدين، فالهدف ليس إجبار الطفل على إتقان كل شيء، بل ضمان نموه السليم والمتوازن. ونصح العرنوس باختيار عدد محدود من الأنشطة التي تتناسب بشكل وثيق مع ميول الطفل وقدراته الحقيقية، بدلاً من إشغال أسبوعه ببرامج متتالية تستهلك طاقته. كما أكدت على ضرورة إدراج وقت يومي مجاني غير مخطط له في جدول الطفل، خالياً تماماً من الواجبات أو التعليمات، مشيرة إلى أن هذا الوقت ليس فراغاً، بل مساحة حيوية يختبر فيها الطفل قدرته على الاختيار وتنظيم نفسه وخلق أفكاره الخاصة. وأشارت إلى أهمية تخصيص وقت عائلي مشترك يخلو من لغة الإنجاز والتقييم المستمر، ليكون مساحة مفتوحة للحوار والضحك والنزهات العفوية دون أي هدف تربوي مسبق، معتبرة أن هذه اللحظات البسيطة هي التي تبني الأمان النفسي للطفل بشكل أعمق مما تفعله عشرات الدورات التدريبية. متعلق ب



