اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-06 22:36:00
محمد عبد المنعم صالح كثيرا ما نسمع مصطلح الظرف في مجالس الذكر وفي طيات الكتب الصوفية القديمة، وكأنه عنوان لفئة غامضة لا تنتمي إلى زمان ولا تحكمها أحوال الجغرافيا. من هم هؤلاء الذين تحدث عنهم الجنيد والسهروردي وابن عربي، والذين تم وصفهم في المخطوطات النادرة بكلمات تهز القلب قبل أن تستيقظ العقل؟ إنهم ليسوا رجالًا محددين، ولا أشخاصًا نعرف أسمائهم. بل هم طبقة روحية غلبها الهوى والشوق. وانكشفت لهم حقائق الإيمان، واستقرت معرفة الله في قلوبهم بلا حجاب. وأصبحوا محرومين من إرادتهم، مدفوعين بيد القدر، كما وصفهم ابن عربي في الفتوحات المكية، حيث قال: ليس لهم خيار في هذه اللحظة، بل هم بين قبضة الجلال ولطف الجمال. وهي تتقلب كما تتقلب أمواج البحر. فلا استقرار لهم في دولة، ولا استقرار في نوعية. وقد قسمهم أبو طالب المكى في القلوب إلى ثلاثة أقسام: طبقة الصالحين، تأتيهم الأحوال كالومضات ثم تختفي، وطبقة الأبدال الذين تجري أحوالهم كالأنهار الجارية، وطبقة الأوتاد الذين استقرت أحوالهم وتحولت إلى محطات ثابتة وبقيت روح الحال في حركتها المستمرة. وأكد الجنيد البغدادي في رسائله أنهم قوم غابوا عن أنفسهم بأنفسهم، فشهدوا الحق في كل شيء، ثم ردوا إلى الخلق، فعاملوهم بالرحمة لا بالرغبة، فيعيشون مع الناس حسب مظاهرهم الخارجية. ومع الله في الداخل. وفي مخطوطة مجموع الأنس المنسوبة لأبي الحسن الخرقاني ورد قول نادر يصفهم بأنهم إذا تكلموا ففي الخفاء، وإذا سكتوا ففي الخفاء، وإذا مشوا ففي الخوف، لأنهم بين قبضة الجلال ولطف الجمال. فلا يأمنون من خداع الله، ولا ييأسون من روح الله. وهذه المفارقة تضعهم في دوامة من الخوف والحب، يغرقون فيها كلما اقتربوا من الله. وحذر الشبلي من الحديث عن هذه الأحوال، فقال أرباب الأحوال: «إنهم سكارى وإن كانوا سكارى». استيقظوا وندموا لأنهم رأوا ما لا طاقة للبشر به، فكان حالهم كحال موسى عليه السلام عندما طلب الرؤيا، فذهل وبدت له الجبال نتيجة لذلك. ووصفهم الشيخ عبد القادر الجيلاني في الغانية بأنهم لا يعرفون بزي ولا علامة. وقد ترى أحدهم في السوق بين الباعة، وكلامهم مؤلم لمن يسمعهم لأنهم يهدمون الحجب ويكشفون المستور. ولهذا اختفوا في حياتهم، واختفوا بعد موتهم، فلا تعرف قبورهم، ولا تذكر آثارهم. وقال أحد المشايخ المجهولين في مخطوط طبقات الأولياء لابن المناوي إن حاله عند الله كحال الجنين في بطن أمه. إنها لا ترى إلا الظلام، ولكنها تعلم أنها في رعاية من لا تراها عيونهم. فهو مطمئن في خوفه، خائف في طمأنينته، وهذه المفارقة هي جوهر التعامل مع الله بين أهل الظروف. ولا يستقرون في حال ولا يرضون إلا بشق طريقهم، لأن الطريق كما قال الجنيد لا يتحقق إلا بقطع الروابط وتحطيم الأوهام والمشي على حافة الهاوية واثقاً بالله الواحد القهار.. mmoniem855@gmail.com الكاتب




