اخبار البحرين – وطن نيوز
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-29 22:32:00
أمل محمد أمين في الماضي، كانت الإجازة تعني انقطاعاً كاملاً عن العمل، أما اليوم فقد أصبح الهاتف المحمول والبريد الإلكتروني يتابعاننا حتى على الشاطئ أو في التجمعات العائلية. ومن بين أولئك الذين يرفضون أي تواصل مهني أثناء الإجازة، وأولئك الذين يبقون على اتصال طوال الوقت وكأنهم لم يغادروا مكتبهم، تظهر الحاجة إلى مفهوم أكثر توازناً: “المرونة في العمل أثناء الإجازة”. والمرونة هنا لا تعني التضحية بالراحة أو تحويل الإجازة إلى ساعات إضافية للعمل. الإجازة ليست رفاهية، بل هي ضرورة نفسية وجسدية تساعد الفرد على العودة إلى العمل بطاقة أفضل وقدرة أعلى على الإنتاج. المشكلة التي يواجهها الكثير من الموظفين اليوم هي أن بعض بيئات العمل لا تزال تنظر إلى الإجازة وكأنها تراجع في الالتزام المهني، فيشعر الموظف بالذنب إذا أغلق هاتفه، أو الخوف من تراكم المهام إذا ابتعد عن البريد الإلكتروني لفترة. وفي المقابل هناك من يبالغ في الانفصال التام رغم وجود مسؤوليات تتطلب متابعة بسيطة وعاجلة. وبين النقيضين تضيع فكرة التوازن. وهنا تبدأ أهمية المرونة الحقيقية بالتخطيط المسبق والحفاظ على رصيدك حتى لا تتوقف تماماً إذا كانت مسؤولياتك تتطلب المتابعة، ولا تجعل الإجازة تتحول إلى دوام كامل. ويمكن تطبيق ذلك عملياً من خلال تحديد أوقات واضحة للعمل وأوقات للراحة. أو الاتفاق مسبقاً مع الفريق أو المدير على ما هو ضروري فقط أثناء الإجازة. وكذلك الاستجابة للأمور العاجلة دون الدخول في كافة التفاصيل اليومية. واستخدام الأدوات التي تسهل المتابعة السريعة بدلاً من البقاء على اتصال طوال الوقت. من الضروري أن تتقبل أن الإنتاجية قد تكون أقل قليلاً خلال العطلات، وهذا أمر طبيعي. إذا طُلب منك العمل لساعات إضافية، فحاول التفاوض بلطف على الوقت أو الأولويات بدلاً من الرفض الحاد أو القبول المجهد. كذلك، حافظ على هدوئك عندما تتغير الخطط أو ضغوط العمل الموسمية. المرونة لا تعني التنازل عن راحتك بشكل كامل، بل القدرة على التكيف دون إرهاق. ويجب أن ندرك أن الإنسان ليس آلة تعمل بنفس الكفاءة في جميع الظروف، بل يحتاج إلى فترات من الراحة حتى يحافظ على استقراره النفسي وقدرته على العطاء. إن المرونة ليست ضعفاً، ولا هي تنازل دائم، بل هي وعي بأن الحياة المهنية والصحية والعائلية يجب أن تسير جنباً إلى جنب دون أن يتغلب أحد الطرفين على الآخر. ويجب أن يعي المدير أن العمل أثناء الإجازات له آثار متعددة، بعضها قد يكون إيجابياً إذا تم بشكل متوازن، بينما قد يتحول إلى عبئ نفسي وجسدي إذا تجاوز الحد الطبيعي. ومن الآثار الإيجابية للعمل أثناء الإجازة، المحافظة على المهام الضرورية وعدم تراكم العمل بعد العودة. كما أنه يساعد في بعض الأحيان على تقليل القلق لدى بعض الموظفين الذين يفضلون متابعة الأمور العاجلة بسرعة. كما أن العمل المرن قد يعطي شعوراً بالمسؤولية والانضباط، خاصة في الوظائف التي تتطلب متابعة مستمرة. لكن في المقابل، فإن الإفراط في العمل خلال الإجازات له آثار سلبية واضحة، أبرزها الإرهاق الذهني، وفقدان الراحة الحقيقية. خلقت الإجازة كأساس لاستعادة النشاط وتجديد الطاقة، وعندما تتحول إلى تمديد لساعات العمل يفقد الإنسان فرصة الاسترخاء والتوازن النفسي. كما يؤدي الانشغال الدائم بالهاتف والبريد الإلكتروني إلى زيادة التوتر وصعوبة الفصل بين الحياة المهنية والشخصية. ومن الآثار السلبية الأخرى انخفاض نوعية الوقت العائلي والاجتماعي، إذ يشعر من حول الشخص بأنه حاضر جسديا فقط بينما عقله منشغل بالعمل. وقد يؤثر ذلك على العلاقات الأسرية ويقلل من الاستمتاع بالمناسبات الموسمية والإجازات. كما أن الاستمرار في العمل دون راحة كافية قد يؤدي مع مرور الوقت إلى الاحتراق الوظيفي، وهو حالة من التوتر المستمر وفقدان الحماس والإنتاجية. والمفارقة هي أن الشخص الذي لا يمنح نفسه ما يكفي من الراحة يصبح أقل قدرة على الإنجاز على المدى الطويل. ولذلك تبقى المرونة والتوازن الحل الأمثل. قد تكون المتابعة المحدودة للأمور الضرورية مقبولة، ولكن دون تحويل الإجازة إلى دوام كامل، فإنها تفقد معناها الحقيقي. وهذا يطرح سؤالاً مهماً: هل نعمل لنعيش، أم نعيش لنعمل فقط؟ ولعل الإجابة الحقيقية تكمن في قدرتنا على تحقيق هذا التوازن الذكي؛ أن نقوم بمسؤولياتنا بإخلاص، ولكن دون أن نفقد حقنا في الراحة والحياة.

