السودان – أماني الطويل وأوهام الفناء الخلفي

أخبار السودان18 يونيو 2026آخر تحديث :
السودان – أماني الطويل وأوهام الفناء الخلفي

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-17 18:34:00

إن الدكتور الوليد آدم مادبوليس أشد إيلاما من رؤية خبير قضى سنوات طويلة يتحدث للناس عن العقلانية والتوازن واحترام تعقيدات السياسة الدولية، ثم يكتشف المرء، في لحظة أزمة حقيقية، أن كل تلك اللغة الأنيقة كانت تخفي تصورا بدائيا للغاية للعالم. وكتبت الدكتورة أماني الطويل: “واشنطن مطالبة بالتدخل لوقف تطور سقوط الأبيض في يد الدعم السريع”. للوهلة الأولى، قد يبدو هذا مجرد توصية سياسية عابرة، لكنه في الواقع ليس كذلك. إنه اعتراف كامل، وربما غير مقصود، بطريقة معينة للنظر إلى السودان. طريقة لا تراها وطناً لشعب له إرادة وتاريخ وأحلام، بل مجرد مساحة عازلة وفناء خلفي للأمن القومي المصري، الذي ينبغي أن يظل مرتّباً وفق احتياجات القاهرة، حتى لو تعارض ذلك مع ما يريده السودانيون أنفسهم. ولا تكمن المشكلة في أن باحثاً مصرياً طالب بالتدخل الأميركي، فالعالم مليء بالباحثين الذين يقترحون تدخلاً هنا وتسوية هناك، بل إن هذا الطلب يكشف عن افتراض أعمق: أن إرادة شعب بأكمله يمكن تأجيلها أو تجاوزها أو التحايل عليها إذا أربكت حسابات الجار الاستراتيجية. أكبر وأكثر تأثيرا. وهذا بالضبط هو الداء القديم الذي أصاب الكثير من «الخبراء» في منطقتنا. حين يتحول الخبير من داعية للتفكير العقلاني إلى مفسر لمخاوف السلطة، أو متحدث باسم أجهزة يراها الشعب مجرد متغير مزعج في المعادلة الأمنية. ولعل مشكلة بعض المتخصصين أنهم يخلطون بين خدمة الدولة وخدمة السلطة، بين العقلانية والطاعة، وبين الواقعية السياسية والاستسلام للأمر الواقع. يتحدثون كثيراً عن الاستقرار، لكن الاستقرار الذي يقصدونه هو الذي لا يزعج الجنرالات، ويتحدثون كثيراً عن المصالح، لكن مصالح الشعب لا تظهر في كتبهم إلا كعبء معنوي ثقيل على الحسابات الأمنية. ومع الاعتياد المفرط على هذا المنطق، يصبح الجنرال أكثر فهماً من المواطن، وتصبح الدبابة أكثر جدارة بالثقة من صندوق الاقتراع. ومن المثير للسخرية أن كاتبي هذا الخطاب يسمون واشنطن وكأنها مؤسسة خيرية دولية، في حين تقول لنا المدرسة الواقعية للعلاقات الدولية، بحسب جون ميرشايمر وستيفن والت، إن الولايات المتحدة لا تتصرف من منطلق الولاء لأحد، ولا من منطلق الامتنان التاريخي، ولا من منطلق حب الجيوش النظامية، ولا من منطلق الكراهية للمتمردين. الدول الكبرى ليس لديها أصدقاء دائمون، بل لها مصالح دائمة، وعندما تتغير المصالح يصبح العميل عبئا ويتحول الحليف إلى ورقة قابلة للاستبدال. أما السودان، فهو بالنسبة لواشنطن ما هو إلا جزء من معادلات البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، والمنافسة الدولية، والممرات التجارية، ومكافحة الإرهاب. لا أكثر ولا أقل. ولذلك يبدو غريباً أن يستمر بعض مثقفينا في استدعاء الولايات المتحدة وكأنها قوة إطفاء يمكن استدعاؤها كلما اندلع حريق في منزل أحد الجيران. لكن الإنصاف يقتضي قول ما هو أصعب. مصر لم تخلق المأساة السودانية وحدها، بل وجدت العون من السودانيين أنفسهم. لكن إنكار الدور الذي لعبته السياسات المصرية في إرساء نموذج «الضامن العام للاستقرار» سيكون نوعا من تزييف التاريخ. لعقود من الزمن، تم التعامل مع النخب العسكرية السودانية باعتبارها الشريك الأكثر موثوقية في تحقيق المصالح المصرية، حتى لو جاء ذلك على حساب التنمية المدنية والديمقراطية في السودان. ولعل المأساة الكبرى هي أن الشعبين السوداني والمصري دفعا معًا ثمن استمرار النهب العسكري في البلدين. تلك الأنظمة التي احتكرت الدولة باسم الوطنية، وصادرت السياسة باسم الاستقرار، وابتلعت المجال العام باسم الضرورات الأمنية. وكانت النتيجة أمام أعين الجميع: انقلابات لا نهاية لها، وعنف واغتيالات متكررة، وتحولات معطلة، وانقسامات سياسية واجتماعية، وحروب أهلية، ثم هذا الدمار الكبير الذي يلتهم ما تبقى من الدولة السودانية. أوضح باحثون مثل أليكس دي وال وكريستوفر كلافام أن أزمات القرن الأفريقي لا تُفهم من خلال ثنائية أخلاقية ساذجة: جيش صالح يواجه تمرداً شريراً، أو العكس، بل من خلال شبكات كثيفة من المصالح والتحالفات والمخاوف. وطموحات متناقضة. لكن ما لا ينبغي أن يضيع في هذا التعقيد هو حقيقة بسيطة للغاية: الشعوب ليست تفصيلاً جزئياً في تقرير الاستخبارات، والدول لا تُبنى إلى الأبد ضد إرادة مواطنيها. وكما أظهرت كتابات شادي حامد وستيفن هايدمان، كيف تنظر بعض الأنظمة العربية إلى أي انتقال مدني ناجح باعتباره تهديداً وجودياً، ليس لأنه سوف يغزو حدودها، بل لأنه يثير سؤالاً مزعجاً للغاية: إذا كان الآخرون قادرين على حكم أنفسهم من دون أوصياء، فلماذا لا نستطيع نحن؟ ولذلك فإن إجهاض التحولات الديمقراطية يصبح نوعاً من الدفاع الوقائي عن النظام الإقليمي القائم. لكن ما يثير الدهشة في الخطاب المصري تجاه السودان هو ضيق الخيال الاستراتيجي. وكان من الممكن أن تختار مصر طريقاً آخر؛ أن نكون الحليف الطبيعي لسودان ديمقراطي مستقر ومزدهر، وأن نراهن على الشعب لا على العملاء، وعلى المؤسسات لا على الأفراد، وعلى المستقبل لا على الخوف. ولذلك فإن دعوتي اليوم كسوداني ليست دعوة للعداء مع مصر، بل هي دعوة صادقة لاحترام إرادة الشعب السوداني، حتى لا تدفع السودانيين يوما ما إلى النظر إليها على أنها “العدو الاستراتيجي الأول”! ولا تزال أمامها الفرصة لتكون “الخل الأمثل” لدولة ترتبط بها جغرافيا وتاريخا ومصالح حيوية، لكن الإصرار على رؤية السودان كمجال نفوذ وليس شريكا مساويا قد يهدر تلك الفرصة التاريخية، وهذه خسارة لمصر أكثر من خسارة السودان. ومع ذلك، فإن التاريخ لا يسير دائمًا وفقًا لرغبات المخططين. وكثيراً ما كان الخبراء يضللون رؤسائهم، وكثيراً ما أفسد الناس الحسابات الدقيقة لأجهزة الأمن. أتوقع أن ينهض السودان رغم الحاسدين والمتربصين، ليس لأنه يملك طبقة سياسية عبقرية، بل لأن الأمم لا تبقى إلى الأبد أسيرة العملاء المتملقين والعملاء الفاسدين. سيفتقد الكثيرون موسم تقاسم الغنائم، وستضطر مصر عاجلا أو آجلا إلى الاختيار بين أن تكون جارة تخشى حرية السودانيين، أو شريكا يحترمها ويحترم جلالتها في عيون محبيها.auwaab@gmail.com الكاتب

اخبار السودان الان

أماني الطويل وأوهام الفناء الخلفي

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#أماني #الطويل #وأوهام #الفناء #الخلفي

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل