اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-01 18:28:00
زهير عثمان لم تكن الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 مجرد مواجهة عسكرية على الأرض. بل كانت بمثابة لحظة فاصلة أعادت تشكيل الخطابات السياسية لجميع الأطراف الفاعلة في المشهد السوداني. الحرب بما فرضته من حقائق جديدة وانهيارات مؤسسية واسعة النطاق، دفعت القوى السياسية إلى إعادة النظر في أولوياتها، وأجبرت الكثير منها على الانتقال من الحديث عن المشاريع الكبرى إلى الانشغال بمسائل البقاء وإدارة الأزمات. وفي هذا السياق، تبدو تجربة الحركة الإسلامية السودانية جديرة بالتأمل، فالحركة التي ارتبط اسمها على مدى عقود بمفاهيم مثل “المشروع الحضاري”، و”أسلمة الدولة”، و”إعادة صياغة المجتمع”، وجدت نفسها بعد سقوط نظام 2019 ثم اندلاع الحرب، أمام واقع سياسي مختلف تماما، مما اضطرها إلى إعادة تحديد موقفها وأولوياتها داخل المجال العام. ثلاث مراحل في تطور الخطاب الإسلامي. ولفهم هذا التحول يمكن النظر إلى مسار الحركة الإسلامية السودانية من خلال ثلاث مراحل رئيسية. أولا – مرحلة حركة المعارضة . خلال السبعينيات والثمانينيات، تحرك الخطاب الإسلامي في إطار المعارضة السياسية. وكانت اللغة السائدة في ذلك الوقت لغة تعبئة وأخلاقية تقوم على شعارات الإصلاح. والتغيير والهوية الإسلامية، وهي تستمد قوتها من موقع الحركة خارج السلطة ومن قدرتها على مخاطبة الشارع والجامعات والنقابات. وفي تلك المرحلة كان السؤال المركزي: كيف يمكن الوصول إلى السلطة من أجل تنفيذ المشروع الإسلامي؟ ثانياً – مرحلة الدولة والسلطة مع وصول الإسلاميين إلى السلطة عام 1989، انتقلت الحركة من موقف المعارضة إلى موقف الدولة، وأدى ذلك تدريجياً إلى تغير طبيعة الخطاب السياسي. وأصبحت مفردات الإدارة والسيادة والأمن والاستقرار أكثر حضورا من مفردات التعبئة الفكرية والدعوية، ومع مرور السنين ازداد ارتباط الحركة. مؤسسات الدولة، لدرجة أن التمييز بين التنظيم والسلطة أصبح صعباً للغاية. وفي هذه المرحلة انتقل السؤال من “كيف نصل إلى السلطة؟” إلى “كيف ندير الدولة ونحافظ عليها؟”. ثالثاً – فترة ما بعد الثورة والحرب. ويمثل سقوط النظام عام 2019 نقطة تحول تاريخية للحركة الإسلامية السودانية. وللمرة الأولى منذ عقود، وجد نفسه خارج السلطة وخارج المؤسسات التي شكلت مصدر نفوذه الرئيسي. لكن الحرب التي اندلعت عام 2023 دفعت هذا التحول إلى أقصى مداه. وفي ظل انهيار أجزاء واسعة من الدولة وتراجع النشاط السياسي التقليدي، فإن السؤال المطروح داخل الحركة الإسلامية لم يعد يتعلق بإدارة مشروع فكري أو حضاري واسع، بل أصبح مرتبطا بمسألة الوجود السياسي نفسه، انتقل الخطاب من سؤال “كيف نحكم؟” إلى سؤال أكثر إلحاحا – “كيف نبقى في المشهد السياسي؟” الحرب ومنطق البقاء أنتجت الحرب خطابا جديدا لم يقتصر على الإسلاميين وحدهم، بل شمل معظم القوى السودانية. لقد أفسحت المشاريع الفكرية الكبرى المجال لضرورات الأمن والبقاء وإدارة الصراع. لكن هذا التحول كان أكثر وضوحا داخل الحركة الإسلامية نظرا لخبرتها الطويلة في السلطة. وفي السنوات الأخيرة، تراجعت مفردات مثل حماية الدولة، والحفاظ على المؤسسات، ومواجهة الانهيار، وكما يقولون، الدفاع عن الوحدة الوطنية. وفي المقابل، تراجع حضور الشعارات التي سيطرت على الخطاب الإسلامي في العقود السابقة، أو عاد من جديد. ويتم تقديمها ضمن إطار وطني وأمني وليس كجزء من مشروع أيديولوجي شامل. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى التحول الحالي باعتباره استجابة سياسية لظروف استثنائية وليس مراجعة فكرية كاملة. هل تغير الخطاب أم تغيرت الأفكار؟ ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام تحول فكري حقيقي أم مجرد تكيف سياسي فرضته ظروف الحرب؟ الجواب ليس سهلا. ومن الواضح أن لغة الخطاب الإسلامي تغيرت بشكل كبير، ولكن من السابق لأوانه الجزم بأن البنية الفكرية العميقة للحركة شهدت تحولا مماثلا. إن التحولات الكبرى في الأفكار لا تقاس بالشعارات أو المواقف الظرفية، بل تظهر في المراجعات الفكرية الصريحة، وفي إعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة، وبين السلطة والمجتمع، وبين التنظيم السياسي والتعددية الديمقراطية. ولذلك فإن مستقبل الحركة الإسلامية لن يتحدد فقط بقدرتها على العودة إلى المجال العام، بل بقدرتها على الإجابة على الأسئلة التي تطرحها تجربة الحكم والحرب معا. أزمة مشروع أم أزمة سياسة؟ ومن الخطأ النظر إلى هذه التحولات على أنها أزمة تخص الإسلاميين وحدهم، إذ كشفت الحرب حدود كل المشاريع السياسية السودانية، وأظهرت هشاشة الكثير من التصورات التي حكمت المجال السياسي خلال العقود الماضية. وقد وجدت معظم القوى نفسها أمام تحديات تتعلق بالدولة والشرعية والمؤسسات أكثر من ارتباطها بالشعارات والبرامج التقليدية. ومن ثم، فإن النقاش حول الإسلاميين يجب أن يكون جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل السياسة السودانية نفسها، وحول قدرة مختلف الأطراف الفاعلة على إنتاج مشروع وطني يتجاوز الاستقطابات القديمة في مرحلة ما بعد الحرب. وهنا أقول إن مهمة الباحث أو الصحفي ليست إصدار أحكام نهائية، بل محاولة فهم التحولات الجارية ورصد اتجاهاتها، وما إذا كانت الحرب قد أبعدت الإسلاميين عن خطاب المشروع. والسؤال الذي سيواجههم بعد توقف الحرب سيكون مختلفاً تماماً. فهل سيتحولون إلى فاعل سياسي يقبل قواعد التنافس الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة، أم سيعودون إلى أنماط التفكير التي حكمت تجربتهم السابقة؟ ومن ناحية أخرى، فإن خصومهم سيواجهون السؤال نفسه بشكل آخر: هل لديهم مشروع سياسي قادر على بناء الدولة واستعادة ثقة المجتمع؟ الإجابات على هذين السؤالين، أكثر من نتائج الحرب نفسها، ستحدد ملامح السودان على مر السنين. coming.zuhair.osman@aol.com الكاتب




