اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-14 00:20:00
نزار عثمان السمندال السودان يختنق تحت وطأة الحرب وتحت وطأة المخاطر التي تجعل الحرب نفسها خياراً مفضلاً بين القوى الحاملة للسلاح. وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع القتال بين الجيش وميليشيا الدعم السريع، تبدو البلاد عالقة في معركة فقدت حدودها العسكرية التقليدية، وتحولت إلى صراع على شكل الدولة ومركز سلطتها، وإلى اختبار طويل لقدرة المجتمع على البقاء في مواجهة آلة استنزاف لا تتوقف. وفي وسط هذه المعادلة الشرسة يقف قائد الجيش عبد الفتاح البرهان. فالرجل لا يتصرف وكأنه يقود مؤسسة تبحث عن مخرج سياسي من الأزمة، بل يتصرف كقائد لمعركة وجودية يرى أن نهايتها قد تفرض ترتيبات تهدد النفوذ التاريخي للمؤسسة العسكرية وشبكات القوى المرتبطة بها. ولذلك فإن تحركاته الخارجية خلال الفترة الأخيرة لا تبدو جزءا من الدبلوماسية الساعية للسلام، بقدر ما تبدو امتدادا للجهود الرامية إلى تأمين الأسلحة والغطاء السياسي والموارد اللازمة لمواصلة القتال. منذ اندلاع الحرب، تتابعت المبادرات الإقليمية والدولية، وتعددت منصات التفاوض، وتكررت الدعوات لوقف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية شاملة. لكن هذه الجهود اصطدمت في كل مرة بحائط الشروط المتبادلة والحسابات العسكرية التي لم تعطي أي وزن للمواطن أو الوطن في النتيجة النهائية. وبينما أعلن طرفا النزاع استعدادهما للحوار، ظل الواقع على الأرض يقول شيئاً مختلفاً: لم يكن أحد يريد تقديم تنازل يفتح الباب أمام تسوية حقيقية. لكن السلام المتعثر لا يتعلق فقط بحسابات الحرب المباشرة. داخل المؤسسة العسكرية، هناك شبكة عميقة من العلاقات والتحالفات الأيديولوجية التي تعود جذورها إلى العقود التي قضاها الإسلاميون داخل أجهزة الدولة. تلك الشبكات التي نجت من سقوط نظام البشير، عبرت مرحلة ما بعد الثورة، ثم وجدت في انقلاب أكتوبر 2021 والحرب الفوضوية التي أعقبتها، فرصة جديدة لإعادة التموضع واستعادة النفوذ. وهنا تكتسب الحرب بعدًا يتجاوز الصراع بين جنرالين. وتشير الوقائع إلى أن الجيش لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية تقليدية، إذ يحمل في داخله تأثيرات سياسية وأيديولوجية متزايدة نتيجة مشاركة جماعات وحركات مرتبطة بالحركة الإسلامية في المعركة الحالية. ومع اتساع هذا الحضور، أصبحت الحدود بين الحساب العسكري والحساب السياسي أكثر ضبابية، كما أصبحت المعركة مرتبطة بمستقبل النفوذ الذي تسعى هذه القوى إلى الحفاظ عليه داخل الدولة. ولهذا السبب، فإن التزام القيادة العسكرية بالشروط القصوى، مثل القضاء التام على الدعم السريع قبل أي عملية سياسية، يبدو أقرب إلى استراتيجية إدارة الحرب منه إلى خطة واقعية لإنهائها. وبعد سنوات من القتال، لم يتمكن أي طرف من التوصل إلى حل عسكري نهائي، ولم يعد من الممكن تجاهل حقيقة تحول السودان إلى ساحة استنزاف مفتوحة تنهك الجميع دون استثناء. وفي هذا السياق، يراهن البرهان على الوقت. إن استمرار تدفق الأسلحة والدعم السياسي يمنح الجيش القدرة على الصمود وتأجيل الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل السلطة وإعادة بناء الدولة. ويساعد الانخراط في جولات تفاوضية متكررة دون التوصل إلى اتفاق نهائي في تقليل الضغوط الدولية وإبقاء قنوات الدعم الخارجي مفتوحة، بينما تستمر العمليات العسكرية على الأرض. لكن الزمن الذي يراهن عليه البرهان مستمر في الوقت نفسه في تقويض الأرضية التي يقف عليها السودان. الحرب التي تهدف إلى حماية الدولة، لا تزال تنهكها يوماً بعد يوم. فالاقتصاد يتراجع، والبنية التحتية تتآكل، وملايين السودانيين يدفعون ثمن النزوح واللجوء والجوع وانهيار الخدمات الأساسية. ومع كل شهر إضافي من القتال، تتعمق الانقسامات الاجتماعية والعرقية والسياسية، وتصبح مهمة إعادة بناء السودان أكثر صعوبة وتعقيدا. وتزداد خطورة المشهد لأن تداعياته لم تعد محصورة داخل حدود البلاد. ويحتل السودان موقعا حساسا على حدود القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في منطقة مرتبطة بأمن الملاحة الدولية وسلاسل التجارة العالمية. إن أي انهيار طويل الأمد للدولة، أو أي توسع إضافي في المشاريع المسلحة والأيديولوجية، يضيف عتبة جديدة من عدم الاستقرار إلى منطقة تعاني بالفعل من أزمات متتالية. ولذلك لم يعد السؤال: من سينتصر؟ والسؤال الذي يزحف الآن فوق الخرائط والركام هو: ماذا سيبقى من السودان إذا استمرت الحرب في أكل سنواته وأطفاله ومدنه؟ وتؤكد كافة المؤشرات أن أياً من الطرفين غير قادر على تحقيق نصر حاسم، وأن دبلوماسية السلاح، مهما قدمت من موارد ودعم، غير قادرة على تغيير هذه الحقيقة. قد تكون قادرة على إطالة أمد الصراع، لكنها غير قادرة على إنتاج السلام، أو بناء دولة، أو تضميد الجراح العميقة التي تتوسع مع كل يوم جديد من القتال. وعلى الجانب الآخر من الخسارة، لا يقدم محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلا النسخة المعاكسة لنفس المأزق. فالحرب التي يزعم أنه يسعى لإنهائها اتسعت في ظل قواته بالقتل والانتهاكات والنهب وتمزيق النسيج الاجتماعي. وبدأت دعوات السلام تخرج من فوهة البندقية نفسها التي تسببت في الكثير من المأساة. وهكذا يجد السودانيون أنفسهم محاصرين بين مشروعين يتصارعان على السلطة، فيما يتراجع الوطن إلى الهوامش والمقابر وتتقدم مخيمات النزوح إلى الواجهة. وعلى هذا الأساس البائس يجد السودان نفسه أسيراً لمعادلة قاتلة: قيادة عسكرية ترى في استمرار الحرب ضمانة لبقاء نفوذها وتحالفاتها، وشبكات أيديولوجية ترى في المعركة فرصة لإعادة ترسيخ وجودها داخل الدولة، وقوة مسلحة موازية لا تملك أيضاً مشروعاً وطنياً يتجاوز منطق القوة والهيمنة، وواقع ميداني يثبت كل يوم أن النصر العسكري أبعد كلما طال أمد الحرب. ومن بين كل هذه القوى يبقى السودان الخاسر الأكبر. دولة يتآكل زمنها بينما تتقاتل الأطراف المتحاربة على زمنها. ومع كل يوم، تتراجع فرص السلام خطوة أخرى، كلما زادت أسبقية دبلوماسية البندقية على دبلوماسية الاستيطان.onizar@hotmail.com الكاتب




