اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-05 16:17:00
الجبهة المدنية لبناء السودان (ابتينا): من إدارة التناقضات الثانوية إلى بناء الدولة البروفيسور مكي مدني الشبلي المدير التنفيذي لمركز الدرعية للدراسات الاستراتيجية مع دخول الحرب في السودان عامها الثالث، لم يعد السؤال: من سينتصر عسكرياً؟ بل إن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يستطيع المدنيون استعادة زمام المبادرة، أم أن مصير البلاد سيترك من جديد لمنطق السلاح واقتصاد الحرب؟ لقد أثبتت التجربة، منذ ثورة ديسمبر وحتى اليوم، أن الانقسام المدني ليس مجرد خلل تنظيمي، بل هو عامل حاسم في إطالة أمد الحرب، وفي إضعاف قدرة المجتمع السوداني على فرض البديل الوطني المقنع داخليا وخارجيا. وهذا ما عبرنا عنه بوضوح سابقاً عندما طالبنا بتوحيد قوى الحرية والتغيير (وقح) قبل فوات الأوان. لكن تطورات الحرب وانسداد الأفق اليوم تفرض قفزة سياسية أوسع: الانتقال من التحالف الموحد إلى ضرورة تشكيل جبهة مدنية لبناء السودان. لماذا لم تعد «الفصائل الوقحة» كافية؟ الدعوة السابقة لتوحيد قوى الحرية والتغيير كانت، ولا تزال، صحيحة في جوهرها، لأنها تنبع من إدراك عميق لعواقب فشل التدرج في معالجة التناقضات الأساسية والثانوية داخل المعسكر المدني. لكن الواقع اليوم أكثر تعقيدا، مع اقتراب حرب أبريل من عامها الرابع: فالحرب لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل تحولت إلى نظام متكامل: سلاح واقتصاد وتحالفات أيديولوجية. وانكمش النشاط المدني (رغم الدور الكبير الذي لعبه الصمود) بسبب انشغال مكونات الثورة بتناقضاتها الثانوية وإهمال التناقضات الأساسية مع النظام القديم. وبالتالي، فقدت القوى المدنية كياناتها المؤثرة، بما في ذلك لجان المقاومة والمهنيين والنساء والشباب والمجتمع المدني والفاعلين الإنسانيين والمغتربين. ولم يعد المجتمع الدولي يبحث عن «تحالف سياسي»، بل عن شريك مدني قادر على التفكير في بناء الدولة السودانية، وليس مجرد التسوية. ومن هنا فإن الاستنساخ المخزي، حتى في أفضل نسخه، لن يكون كافياً لمواجهة نظام الحرب. والمطلوب الآن هو إطار أوسع وأكثر انضباطاً وأقل عرضة للاختطاف: الجبهة المدنية لبناء السودان (إبنا). ماذا تعني “الجبهة المدنية لبناء السودان”؟ هذه الجبهة ليست حزباً، ولا تحالفاً انتخابياً، ولا منصة لتقاسم السلطة. وهو إطار مدني شامل كحد أدنى، يقوم على خمس قناعات مركزية: التناقض الرئيسي في هذه المرحلة هو بين المجتمع السوداني ونظام الحرب (الإسلاميين وأمراء الحرب واقتصاد العنف). الخلافات بين المدنيين، مهما كانت حقيقية، هي تناقضات ثانوية يجب تجميدها مؤقتا. فالمشروع المدني لا يسعى إلى تفكيك الجيش، بل إلى إعادة بنائه من خلال حوار مدني عسكري منظم، يؤدي إلى عقيدة موحدة، ورقابة مدنية، واستعادة الشرعية الوطنية للجيش. إن المرحلة الانتقالية ليست «فترة انتظار»، بل هي مرحلة بناء الدولة. وتدعم الجبهة المدنية الضمانات المشروطة التي تمكن الجهات المسلحة من الانسحاب من الحياة السياسية، إلى جانب العدالة الانتقالية المتتابعة التي تضمن المساءلة دون انتقام، وتمنع الإفلات من العقاب وتكرار الحرب. ولذلك فإن الجبهة المدنية لا تبنى حول الناس، بل حول مشروع: بناء السودان، أي إعادة بناء الدولة على أسس مدنية وتاريخية وتعاقدية، وليس على منطق الهيمنة أو «التأسيس» بالقوة. «البناء» وليس «التأسيس»: أهمية ضبط المصطلح. إن استخدام مفهوم بناء السودان ليس ترفاً لغوياً. فالسودان ليس فراغاً تاريخياً يحتاج إلى “مؤسسة” جديدة بالسلاح، بل هو كيان ثقافي سياسي تم تشويهه واختطافه عبر عقود من العسكرة. إعادة الإعمار تعني: إعادة بناء السلطة على أساس مدني، وإعادة دمج الاقتصاد في الدولة بعد أن اختطفه اقتصاد الحرب، وإعادة بناء المؤسسات قبل القفز إلى الانتخابات، وتجديد العقد الاجتماعي على أساس الحماية والشرعية. وبهذا المعنى فإن وقف الحرب ليس النهاية، بل هو شرط البداية. ما الذي يميز هذه الجبهة عن التجارب السابقة؟ 1. وضوح الخطوط الحمراء: لا يوجد دور سياسي للسلاح، ولا جيوش موازية، ولا شرعية لاقتصاد الحرب، ولا مقايضة لجرائم الحرب. 2. الانضباط المدني: تتطلب الجبهة مدونة سلوك واضحة: رفض خطاب الكراهية، وعدم العمل كجبهات لأي حزب مسلح، وشفافية التمويل، والمساءلة الداخلية. 3. الاقتصاد كخيار سياسي مدني: على عكس تجربة 2019-2021، التي أصيبت بالشلل بسبب انقسام زائف بين “الإصلاح” و”الحماية”، تضع الجبهة الاقتصاد في قلب مشروع البناء: حماية سبل العيش، واستعادة السيادة الاقتصادية، وبناء المؤسسات قبل التحرير الكامل، وإصلاح النظام اللامركزي والتحويلات الحكومية (التحويلات الدولية). 4. الانفتاح دون تمييع: الجبهة مفتوحة لكل المدنيين المعارضين للحرب، بمن فيهم الذين سبق أن أخطأوا في اصطفافهم، بشرط الالتزام الواضح بالمبادئ والميثاق. العلاقة مع المجتمع الدولي: الدعم وليس الوصاية، تدرك الجهات الفاعلة الدولية الرئيسية، بما في ذلك اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر)، على نحو متزايد أن وقف إطلاق النار دون إطار مدني جدير بالثقة للخلافة لن يؤدي إلا إلى إعادة تدوير الحكم العسكري. توفر EPTNA على وجه التحديد هذه الركيزة المفقودة: مركز ثقل مدني منضبط قادر على إنشاء الضمانات، وإدارة معايير المرحلة الانتقالية، وضمان عدم سيطرة النخب المسلحة على السلطة أو عودة الأنظمة الاستبدادية إلى نظام ما بعد الحرب مرة أخرى. لقد أعطى الانقسام المدني الحالي للغرباء ذريعة للتحايل على المدنيين والتعامل مباشرة مع الجيش. وتسعى الجبهة المدنية السودانية إلى عكس هذه المعادلة: توفير شريك مدني منضبط، بحد أدنى من البرامج ورؤية انتقالية واضحة، يفهم أن السلام بدون بناء الدولة سوف يعيد إنتاج الحرب، ويندمج في المجتمع الدولي لتحقيق المنفعة المتبادلة (مربح للجانبين). الخلاصة: نداء مسؤول: إن تشكيل الجبهة المدنية لبناء السودان (ابتنا) لم يعد خياراً فكرياً، بل ضرورة وطنية ملحة. فإما أن يفرض المدنيون منطقهم على المسرح، عبر جبهة شاملة ومشروع بناء واضح، وإما أن يستمر السلاح في فرض منطقه، وتدار البلاد من أزمة إلى أزمة. وإذا كانت وحدة قوى الحرية والتغيير خطوة ضرورية فإن الجبهة المدنية لبناء السودان خطوة كافية. إنها تنتقل من سياسة رد الفعل إلى سياسة الحزم، ومن إدارة التناقضات الثانوية إلى بناء الدولة، ومن انتظار الاستيطان إلى صناعة المستقبل. melshible@hotmail.com




