السودان – العلمانية في السودان – من فكرة داعش إلى أداة للشيطنة السياسية

أخبار السودان30 مارس 2026آخر تحديث :
السودان – العلمانية في السودان – من فكرة داعش إلى أداة للشيطنة السياسية

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-29 11:27:00

بقلم: زهير عثمان حمد العلمانية في السودان لم تعد مفهوماً سياسياً يُناقش بهدوء. بل تحولت إلى كلمة مشحونة تستخدم للحكم على الناس، وليس لتحليل الأفكار. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. لم نعد نختلف حول مضمون العلمانية، بل حول صورة مشوهة لها تم إنتاجها وتداولها حتى أصبحت بديلا للمفهوم نفسه. وبهذا المعنى، فإن الأزمة ليست في العلمانية كفكرة، بل في طريقة إدخالها إلى المجال العام السوداني، حيث خرجت من إطارها السياسي إلى ساحة الصراع الأخلاقي والهويتي. السياسة إلى الأخلاق كيف كانت الشريحة؟ العلمانية في أصلها هي نقاش حول تنظيم العلاقة بين الدين والدولة. كيف تتم إدارة السلطة في مجتمع تعددي؟ كيف تضمن الدولة حقوق مواطنيها دون تمييز؟ لكن في السودان، لم يتم تقديم الأمر بهذه البساطة. بل تم دفعه عمدا أو بحكم التراكم إلى ساحة أخرى، حيث أصبح مرادفا للعداء للدين أو تهديدا للقيم. ولم يكن هذا التحول بريئا. عندما ينتقل النقاش من السؤال “كيف نحكم؟” إلى «من هو المؤمن ومن هو خارج الدين؟»، نترك السياسة وندخل في منطق الإقصاء، وهنا تغلق كل أبواب الحوار، لأن النقاش لم يعد حول فكرة، بل حول الهوية. ويمكن تتبع هذه الشريحة عبر محطات سياسية مختلفة في السودان، فترة ما بعد الاستقلال (1956-1969)، حيث لم يحسم الجدل حول هوية الدولة، وظل التوتر قائما بين تيارات تطالب بالدولة المدنية وأخرى تندفع نحو المرجعية الدينية، دون وضع إطار نظري واضح لعلاقة الدين بالسياسة في فترة حكم جعفر. النميري (1969-1985)، خاصة بعد إعلان قوانين سبتمبر 1983، حيث تم إدخال الدين بشكل مباشر في صلب التشريع، مما حول أي نقاش حول البدائل القانونية إلى ما يشبه التمرد الأخلاقي أو الديني. وتعتبر فترة الإنقاذ (1989-2019) هي المرحلة الأكثر تأثيرا، حيث تم تأطير العلمانية رسميا على أنها تهديد للدين والمجتمع، واستخدمت كأداة للتعبئة السياسية، مما عمق صورتها السلبية في الوعي العام. الفترة الانتقالية بعد 2019، حيث عاد الجدل حول العلمانية بقوة، خاصة في سياق مفاوضات السلام ومسألة فصل الدين عن الدولة، لكن الخطاب ظل حادا ومشحونا، سواء من القوى الإسلامية أو حتى بعض القوى المدنية التي لم تنجح في تقديم خطاب مقنع ومبسط. ولم تنتج هذه المراحل خلافاً سياسياً فحسب، بل راكمت صورة ذهنية جعلت من العلمانية «اتهاماً» وليس «مفهوماً». ومن المسؤول عن التشويه؟ من السهل إلقاء اللوم على طرف واحد، لكن الواقع أكثر تعقيدا. وقد ساهمت الاتجاهات الإسلامية في تقديم العلمانية كتهديد وجودي، وذلك باستخدام خطاب الترهيب والتعبئة، وربطها بالانحطاط أو العداء للدين. في المقابل، لم تنجح بعض الحركات المدنية في تقديم مقترح واضح ومتماسك. بل إنهم في بعض الأحيان قدموا العلمانية بلغة تصادمية أو نخبوية، مما أدى إلى زيادة فجوة التفاهم بينهم وبين المجتمع. وهكذا اجتمعت النوايا السيئة مع سوء العرض، وكانت النتيجة تشويهاً مزدوجاً: مفهوم محمّل بما ليس فيه، ونقاش غير قادر على تصحيحه. ماذا خسر السودان؟ الخسارة الكبرى لم تكن في قبول العلمانية أو رفضها، بل في غياب نقاش حقيقي حول القضايا الجوهرية: ما هي طبيعة الدولة التي نريدها؟ كيف ندير التنوع الديني؟ وثقافية؟ ما حدود تدخل السلطة في المجال الديني؟ وبدلا من ذلك، حل محل هذا الجدل تبادل الاتهامات، حيث يتهم طرف بالعداء للدين، ويتهم الطرف الآخر باستغلاله. في هذا المناخ لا يمكن بناء دولة، بل تتعمق الانقسامات. العلمانية كما يجب أن تفهم، بعيداً عن الضجيج. يمكن تبسيط الفكرة دون التقليل منها. العلمانية ليست مشروعًا ضد الدين، بل هي إطار لتنظيم السلطة حتى لا تحتكر الدولة تفسير الدين، ولا توظفه لصالح فئة على أخرى. وهي ليست دعوة لإقصاء الدين عن المجتمع، بل هي محاولة لحمايته من التسييس، وحماية الدولة من الاحتكار باسم المقدس. وبهذا المعنى، فهو ليس عكس الإيمان، بل هو ضمان لحرية المعتقد. فهل يمكن التغلب على هذه الأزمة؟ نعم، ولكن ذلك يتطلب شجاعة فكرية قبل أي شيء آخر. أولا، يجب أن نفصل المفهوم عن صورته المشوهة، ونعيد تعريف المصطلحات بعيدا عن الشحنة العاطفية. ثانياً، يجب أن نعيد النقاش إلى مجاله الطبيعي وهو السياسة، وليس الأخلاق. ثالثا، لا بد من خطاب جديد يتحدث بلغة يفهمها الناس، وليس بلغة تستفزهم أو تستبعدهم. إن تجاوز الأزمة لا يعني فرض تصور معين، بل فتح المجال أمام نقاش حقيقي، مبني على التفاهم، وليس على الترهيب. ماذا يجب أن نواجه؟ والسؤال هو: ماذا يجب أن نواجه؟ السودان لم يعد. هل نحن مع العلمانية أم ضدها؟ لكن هل لدينا الشجاعة لمناقشته كفكرة وليس كإتهام؟ إن أخطر ما حدث للعلمانية في السودان ليس رفضها، بل سوء فهمها. وما لم نصحح هذا الفهم، فإننا سنظل ندور في حلقة مفرغة، نختلف على الألفاظ، ونغفل عن القضايا الحقيقية. إن بناء الدولة المستقرة لا يبدأ بحل الخلافات، بل بإدارتها، وهذا لن يتحقق إلا عندما ننتقل من منطق الشعارات إلى منطق التفكير. zuhair.osman@aol.com

اخبار السودان الان

العلمانية في السودان – من فكرة داعش إلى أداة للشيطنة السياسية

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#العلمانية #في #السودان #من #فكرة #داعش #إلى #أداة #للشيطنة #السياسية

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل