اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-31 13:39:00
khirawi@hotmail.com علاء خيراوي في اللحظات التي تفقد فيها السلطة الثقة في شرعيتها، لا تجد ما تعتمد عليه سوى لغة فظة وغير منضبطة. وهكذا، يمكن قراءة تصريح الفريق عبد الفتاح البرهان الأخير، ليس كحدث عابر، بل كعرض سياسي مكثف لحالة نظام لم يعد لديه سوى التهديدات كوسيلة للخطاب. وحين يقول الرجل إن عبد الله حمدوك وجماعته «لن تطأ أقدامهم أرض السودان»، فهو لا يخاطب معارضين سياسيين، بل يكشف عن تصور خطير للدولة نفسها. دولة تدار وكأنها ملكية خاصة، والوطن فيها يتحول إلى بوابة، يقف عليها جنرال يقرر من يدخل ومن يمنع. المشكلة هنا ليست في حمدوك ورفاقه، ولا في تقييم تجربته، ولا في الموقف من حركته السياسية. فالسياسة بطبيعتها هي ساحة للصراع والنقد والمساءلة وربما الإسقاط الانتخابي. المشكلة أن رئيس السلطة العسكرية يعيد تعريف المواطنة نفسها على أنها امتياز تمنحه السلطة، وليس حقا أصيلاً يولد مع الإنسان. هذه هي اللحظة التي تنتقل فيها الدولة من كونها إطاراً شاملاً للجميع إلى أداة غربلة سياسية وأمنية، توزع أدوات الوطنية على أساس الولاء. ما قاله البرهان في الكلاكلة ليس خطاب طمأنة كما يحاول أن يبدو، بل هو خطاب تعبئة مبني على الخلط المتعمد بين الدولة والسلطة، بين الشعب والمؤسسة العسكرية، بين الوطن والولاء الشخصي. وحين يعلن أن الشعب هو الجيش فهو لا يمجد القوات المسلحة بقدر ما يصادر حق الشعب في أن يكون شيئاً مستقلاً عنه، ناقداً له، مسؤولاً أمامه. وهذه هي أخطر صيغة سياسية يمكن أن تقال في لحظة حرب. تحويل المؤسسة الوطنية إلى مرادف كامل للأمة نفسها، بحيث يصبح أي اعتراض خيانة، وأي انتقاد عمالة، وأي خلاف مؤامرة خارجية. بهذه اللغة لا يُبنى التلاحم الوطني، بل حالة من الخوف. أما الحديث عن «العودة الطوعية» في ظل خطاب التهديد الذي يمنع المعارضين السياسيين من دخول البلاد، فهو تناقض صارخ. ولا يمكن أن تدعو الناس للعودة وأنت تعلن أن للوطن باباً سياسياً يفتح لطرف ويغلق لطرف آخر. وهذا ليس استقرارا، بل تعريف جديد للانقسام. ثم إن الادعاء بأن الموجودين في الخارج “منبوذون” لأنهم يتجولون في العواصم يتجاهل حقيقة أن ملايين السودانيين، بما في ذلك مجموعات الكيزان المختلفة التي تشكل الدعم الحقيقي وحتى أصحاب المشروع الذي يتولى تنفيذه نفس الجنرال الموصوم، ما زالوا يقيمون في دول مثل تركيا وقطر. ولا أحد يتسول قضايا الناس أكثر من سلطة تتحدث باسم تضحياتهم وهي عاجزة عن حمايتهم من التهجير والجوع والدمار. أما إنكار الاتهامات بالسلاح الكيماوي بلغة التهديد والانتقام، فهذا ليس دفاعاً قانونياً ولا سياسياً، بل هو استبدال الحجة بالقوة. والدول الواثقة في مؤسساتها تستجيب بالتحقيق والشفافية، وليس بالخيانة المسبقة. ومشكلة كل هذا الخطاب أنه لا يرى السودان فضاء متعدد الأصوات، بل جبهة واحدة يقف فيها الجميع خلف زعيم واحد، وهذه ليست وحدة وطنية… هذه صيغة لاحتكار الأمة. السودان، بتاريخه وبنيته وتعقيداته، أكبر من أن يمكن اختزاله في معادلة: معنا أو ضدنا. فأي سلطة هذه التي تتهم الآخرين بـ”استجداء قضايا الشعب” بينما الشعب نفسه يعيش أكبر مأساة إنسانية في تاريخه الحديث؟ ملايين النازحين واللاجئين، واقتصاد منهار، ومدن مدمرة، ونسيج اجتماعي يتمزق أمام العالم. اللغة المناسبة لهذا المشهد ليست لغة الشفاء، بل لغة الاعتراف بالفشل. لكن الأنظمة التي تعتمد على القوة لا تعترف بها، لأنها لو فعلتها ستنهار الصورة التي تعيش بها. والمفارقة القاسية أن من يحتكر تعريف الوطنية هو نفسه من يختزل الدولة في المؤسسة العسكرية. إن الدولة الحديثة لا تبنى على الإقصاء، بل على العقد. وهو لا يقوم على الحظر، بل على الاعتراف بتعدد الزوجات. وعندما يصبح منع الدخول إلى البلاد أداة سياسية، نكون قد دخلنا رسمياً مرحلة الدولة الأمنية البحتة. دولة تخاف على مواطنيها أكثر مما تخاف منهم. ولا يحق لأي حاكم، مدنياً كان أو عسكرياً، أن يقرر من يملك السودان ومن المنفي منه. السودان أقدم من جنرال، وأقدم من مجلس سيادي، وأعمق من أي سلطة عابرة. التاريخ السوداني مليء بحكام ظنوا أنهم الدولة نفسها، ثم اكتشفوا متأخرين أن الدولة هي ما بقي من بعدهم، وليس ما لخصوه في خطاباتهم. تصريحات من هذا النوع ليست علامة قوة. إنها علامة على الخوف. فالسلطة الواثقة لا تحتاج إلى تهديد خصومها بالحظر، لأنها تعلم أن شرعيتها تتقرر في المجال العام، وليس على أبواب المطارات. ولكن عندما تصبح اللغة العسكرية بديلاً عن اللغة السياسية، فهذا إعلان غير مباشر لإفلاس الخيال السياسي لجنرال لم تزد أيامه إلا طيشاً وحماقة. السودان اليوم لا يحتاج إلى حراس، بل إلى بناة الدولة. ولا يتطلب الأمر خطاب استبعاد، بل مشروع اندماج. لأن الوطن الذي يُدار بمنطق «من معنا ومن علينا» يتحول تدريجياً إلى أرض ضيقة مهما اتسعت جغرافيتها. والتاريخ هذه المرة أيضاً لن يتذكر من مُنع من الدخول، بل من منع الوطن نفسه من أن يكون وطناً للجميع. وفي النهاية، القضية ليست تصريحاً عابراً، ولا زلة لسان يمكن التغاضي عنها، بل هي لحظة تكشف عقلية كاملة ترى الوطن غنيمة، والشعب خاضعاً، وترى السياسة ساحة طرد وليس ساحة اختلاف. هذه هي أخطر لحظة يمكن أن يمر بها أي بلد. عندما تتحول السلطة من إدارة مؤقتة للشؤون العامة إلى مالك متخيل للأرض والشعب. السودان لم يولد في ثكنة، ولن يُدار إلى الأبد بعقل الثكنة. لقد تأسس هذا البلد، عبر تاريخه الطويل، على فكرة أعمق من فكرة كل الجنرالات؛ وأن الشعب أعظم من حكامه، وأن الأرض لا تحمل اسماً واحداً مهما ارتفع صاحبها ثم سقط. لقد انتهى من ظن أنه يستطيع أن يلخص السودان بصوته، وبقي السودان. هذا ليس شعراً.. هذه قاعدة التاريخ. إن السلطة التي تهدد بالنفي السياسي تبدأ دائما بنفي معارضيها، وتنتهي بنفي نفسها من ضمير الشعب. لأن الوطن في النهاية ليس حدوداً على الخريطة، بل هو علاقة ثقة بين الدولة ومواطنيها. وعندما تنقطع هذه العلاقة، لن ينفع أي خطاب وطني، أو عرض عسكري، أو تصريحات غاضبة. الدولة التي تخشى عودة خصومها هي دولة تعرف في أعماقها أنها مؤقتة. لن يتذكر السودانيون من صاح بأعلى صوته، بل من حافظ على فكرة الوطن عندما أهان. التاريخ لن يسأل؛ من الذي تم رفض دخوله؟ بل سيسأل؛ ومن منع البلاد من الانهيار؟ ومن الذي وسعه ليشمل الجميع؟ من ضاقها حتى اختنقت؟ وكل خطاب يقوم على الإقصاء يحمل في طياته بذور سقوطه. لأن البلد الذي يحكمه الحظر يتحول إلى سجن كبير، والسجون لا تصنع دولاً… بل تخلق انفجارات مؤجلة. السودان لن يُبنى على الخوف. ولن يتم الحكم عليه بالتهديدات. ولن يرضى بمنطق الحارس الذي يقف على الباب. إن الدول العظمى لا تحتاج إلى حراس، بل تحتاج إلى ثقة الشعوب. وكل سلطة تنسى هذه الحقيقة تكتب نهايتها ولو بعد حين. الاستنتاج الذي يجب أن تفهمه القوى المدنية جيداً هو أن المعركة الحقيقية لم تعد مجرد معركة سلطة، بل معركة إيقاع. من يفرض إيقاع العمل يفرض شكل المستقبل. الجنرال لا يخاف من الإهانات، ولا من المقالات الغاضبة، ولا من تصريحات الإدانة. ما يخيفه حقًا هو أن يرتفع الصوت المدني، منظمًا ومثابرًا واستباقيًا، لا يعيش على رد الفعل بل يخلق الفعل نفسه. فالسلطة العسكرية، بطبيعتها، تتغذى على خصوم مشوشين، متخلفين بخطوة، يركضون خلف الحدث. ولكن عندما تجد أمامها قوى مدنية، تبادر، وتطرح مشروعاً، وتفتح أفقاً، وتتحرك بثقة من يعلم أن الزمن يعمل لصالحها، فإنها تفقد توازنها. وفي كل مرة يتقدم فيها المدنيون خطوة إلى الأمام، يتراجع الخطاب العسكري خطوة إلى الوراء، مرتبكاً، غاضباً، وفضفاضاً في اللغة. هذه ليست مصادفة. الأنظمة التي تعيش على الخوف لا تعرف كيف تواجه مشروعاً مدنياً واضحاً. أنت فقط تعرف كيف تواجه الفراغ. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن تفعله القوى المدنية بمفردها هو التراجع إلى عالم ردود الفعل. محكمة قوة رد الفعل. العمل هو الملعب للتغيير. كن دائماً في موقع المبادرة؛ في الفكرة، في التنظيم، في الخطاب، في الشارع، في النقاش العام، في بناء البدائل. لا تنتظر البيان للرد عليه؛ اصنع واقعًا يجبر العبارات على اللحاق بك. لأن ما يخشاه الجنرال أكثر من أي شيء آخر هو أن يرى المجتمع يتحرك من دونه، وأن يسمع صوتاً مدنياً أعلى من صوته، وأن يكتشف أن الزمن لم يعد ملكاً للثكنات. عندها فقط يتحدث الخطاب العسكري وكأنه خرج من فوضى داخلية، قاذفاً بقايا مشروع رفضه الشعب منذ ثورة ديسمبر. ليس لأن المدنيين صرخوا أكثر، بل لأنهم تحركوا أكثر. التاريخ لا يتغير بالضجيج، بل بواسطة أولئك الذين يصنعون الحقائق. إذا أرادت القوى المدنية أن تنتصر، فعليها أن تفهم هذه القاعدة البسيطة والعميقة؛ لا تكن ظل السلطة.. كن ضياء المشهد. لا تعتمد على ردة الفعل.. قم بالتحرك حتى يصبح الآخر أسيراً لردود أفعاله. عندها فقط ستتغير موازين القوى، ليس في القصر ولا في الثكنات، بل في وعي الشعب. هناك يتم حل المعارك الكبرى دائمًا




