اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2025-07-04 16:12:00
ذات صباح في القاهرة، في شارع جانبي بمدينة عابدين، لفت انتباهي تجمع سوداني صغير. دفعتني غريزة القطيع نحوهم، فعرفت منهم أنها محطة ترحيل للسودانيين العائدين إلى البلاد. مصطلح العودة الطوعية هذا لم يكن عالقاً في ذهني. الخطأ الشائع خير من الحقيقة المهجورة. طوعي، طوعي.. شيئا فشيئا، بدأت الأعداد تتزايد، وكانت سيارات شبه النقل تحمل الحقائب والأمتعة، فتذكرت المرحوم المقيم هاشم صديق في قطر مسلسل هموم: (عفش الناس الجايين ينادي كمان)، ثم ازدحم المكان بالمسافرين والمودعين وغيرهم لا يقل عددهم عن الأولين… إنها حالة التقسيم والتشرذم العائلي الذي أصاب هذا البلد المنكوب… ذكرى الوطن دفعني إلى العودة إلى الوطن الجميل (ولم يفارقني لحظة واحدة). أصابني حنين غامر.. استمتعت بالمكان ولم أغادره يومها؛ وبالفعل أصبحت من زائريها الدائمين، إذ وجدت فيها العزاء والخلاص من وطأة الغربة. ورغم جمال القاهرة وسحرها وحيويتها، إلا أن الشعور بأنني غريب في بيتي وغريب في عائلتي لم يفارقني. (في السودان هموم وأحزان). فتصادقت مع شباب العاملين في منظومة الصناعة الدفاعية، المسؤولة عن نقل العائدين من هذه المحطة من الألف إلى الياء، إذ لا يدفع المسافرون جنيها واحدا مقابل طعام أو شراب أو راحة؛ وحتى وصولهم إلى محطتهم الأخيرة، يقوم النظام بذلك بناءً على البند الذي خصصه للمسؤولية الاجتماعية، مما يدل على المرونة في التعامل مع التطورات، فالحرب الحالية أمر ملح وبالتالي كل نتائجها عاجلة. *أول سؤال تبادر إلى ذهني: يا الله هل الناس سعداء بهذه العودة أم أنهم مجبرون على ذلك؟ أم أنه خيار؟ أم أن الخير لا خير ولا الموت يدوم؟ لم أسأل أحداً منهم، بل كنت أتفحص وجوههم وأستمع إلى الأحاديث التي تجري بينهم… التصوف يميز بين السمع والاستماع… الأول هو الذي يفرض نفسه عليك، إذ لا تستطيع أن تغلق أذنيك عن السمع كما تستطيع أن تغمض عينيك عن النظر. والثاني هو ما تطلبه.. فقد حولت السمع إلى استماع (يعني أن المخالفة بسيطة)، ولعل طلب العلم شفاعتي. منهم من تبدو السعادة في وجوههم وفي الكلام الذي يقولونه، ومنهم من يشعر بالقلق، ومنهم من بدا لي كأنه خائف.. شابة تقول لأخرى تجلس بجانبها: «كل من أمي، هذا الكأس مصر على المشي إلى السودان». تلتفت إليها أمها وتقول لها: نعم إنها مصرة، لأن قدرك العودة، ولا تريدين الجلوس هنا في القبور. فأجابت الشابة: “ما قلنا أي شيء. نحن راجعون، لكن ماما، خلي البلد تتحسن شوية”. فأجابت الأم: من يستطيع أن يصلح الأمر ونحن عالقون هنا بلا عمل ولا وظيفة؟ سألت الابنة: “ماما، هل سنحصل على محطة الكهرباء؟ هل نبني مستشفى؟ هل نفتح مدرسة؟ هل نوفر الأمن؟ هل نحن حكومة؟” أوقف شخص ما شباك التذاكر وبدأ في إزالة الأثاث وإعادته. وفوق ذلك، كان لديه مجموعة من الكراسي. ثم جاء إليه شاب. ولا أعرف إن كان أحد المسؤولين أم ينتمي إلى الحافلة السياحية. فقال له: يا حاج، لا سبيل إلى هذه الكراسي. قال: ولكن أين أدفع لهم؟ اشتريتها ثم تم إخراجي من الشقة. فتدخل شخص ثالث وقال له يا حج خلي اللي أودعها عندك يرجعها للمكان الذي اشتراها منه المصريون ماهرون جدا في هذا المجال يرجعونها على زمان وإذا عصروك يعطونك خصم بسيط… واحد منهم كان يحمل كمان وكان الظاهر أنه مرتفع قليلا.. فسألته هل هو سعيد بالكمان أم الإرجاع؟ “الكمانات هنا تساوى رماد البنسات” (والله لو كان عندي قروش لشحنت مجموعة كمان كاملة)، فقلت والله أنت من تفهمها… إنه سحر الفن. أما اللحظات الأكثر تأثيرا، وأعتقد أنها سبب استمراري في الحضور، فهي لحظات الفراق عندما ينادي الشاب المسؤول… هيا يا جماعة، الحافلة رقم كذا وكذا… وهو يكرر رقم بصوت عال… هنا تشهد أحضان الأطفال الدافئة وتقبيلهم والدموع التي تبلل الخدود واللحى حتى البيضاء، وتسمع النحيب والأنين، وصوت إبراهيم عوض يخرج من داخلك: ساعة وداعنا، أنا مستعد لتجهيز ما تقوله، نسيت، يجب أن تتذكر، الناس يبكون والدموع تقطر أنا الدموع سيد الموقف إذ جمعت بين المسافرين والوداع والمتفرجين والفضوليين، حتى الشباب المسؤولين عن التجمع بدأت عيونهم تمتلئ بالدموع وهم يتذكرون (ألن باتون) في رواية ويبكون يا وطني الحبيب (والله ما هذا عليك يا وطني الطيب.. وجزاك الله خيراً.. آه..). يخرجون عملهم بجهد وصبر واجتهاد (مع صبر كبير)، مع مراعاة الحالة النفسية لهؤلاء المسافرين الاستثنائيين… سألت مسؤولة المسؤولية الاجتماعية في النظام، وهي في حالة تواجد دائم في الموقع، لدرجة أن أحدهم باركها برتبة فريق، عن حجم العملية ومستقبلها، وأخبرتني أن عدد رحلاتهم حتى الآن بلغ 130 (مائة وثلاثين) رحلة، بواقع خمسين شخصا في كل رحلة، وأن وجهات الرحلات متعددة، وبحسب أماكن إقامة العائدين فقد وصلوا إلى القطنية والمسعودية والسريعة والهلالية ومدني وعطبرة، بالإضافة إلى الخرطوم. وقالت إنهم يتوقعون زيادة كبيرة في الأعداد بعد انتهاء الامتحانات وأنهم يستعدون لذلك، فقلت لها اتبعوا الحكمة الشعبية “سافروا أكثر وسافروا أقل” أي زيادة عدد الحافلات على حساب الإضافية. خدمات.. وأعانكم الله… وأعان السودان ذلك الوطن الذي ليس لنا وطن غيره.. يا وطن نحبه رغم الشدائد.




