السودان – بيوت جبرا بلا أبواب – تعليق – ورحلة خروج مع الكاتب الرشيد جعفر

أخبار السودانمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
السودان – بيوت جبرا بلا أبواب – تعليق – ورحلة خروج مع الكاتب الرشيد جعفر

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-18 11:33:00

د. عبد المنعم عبد المحمود العربي: تحية للكاتب الرشيد جعفر من سكان منطقة جبرة، كما تحية لكل سكان جبرة وعائلتي وأصدقائي الذين كانوا مواطنين عاشوا هناك منذ عقود طويلة. وهنا التعازي للشهداء والمفقودين، وعوض الله كل خسارة في الممتلكات الثمينة والقيمة. وترحم أيضاً على روح الكاتب الراحل الفاتح جبرا رحمه الله الذي أكرمه الله ولم يحضر ويعيش بؤس هذا المشهد المقزز الذي يسيء حتى للحيوانات ناهيك عن قتل إنسان حي ومحوه من الوجود وتجريده من حقه في كل ما يملك في حصاد خدمة القسم وعرق جبينه عبر سنوات من النضال المرير داخل الوطن وخارجه. ولسوء الحظ، أصبحت النهاية الحزينة مكتوبة باللون الأحمر، «لون الدم»، على كل باب مفتوح مكسور، وبقيت آثارها على كل جدار. واشتكوا من تأثير الطلقات النارية، فهو “قدر” لم يكن في الحسبان. إن كلمة “النهاية” نفسها، إذا تم نطقها، سيكون من المستحيل اختزال معناها أو استيعابه. المقال عن حالة بيوت جبرة نتيجة الحرب مؤثر للغاية لأنه ينطبق على كل منزل تضرر، ليس في العاصمة القومية فقط، بل في كل السودان، خاصة في الفاشر ومدن كردفان الأخرى. قرأت هذا المساء السطور كلمة كلمة، وكأن الكاتب يحدثني عن بيت ابنة أخي، وزوجها، وأبنائها، وابنتها، وأطفال المدارس الصغار الأبرياء. كيف كانوا جميعا يكافحون بجهد يشبه خلية النحل ونشاط كل فرد في ترتيب بناء منازلهم. لقد بذلوا جهداً لا نهاية له، صامدين رغم حرارة النزوح وغلاء المعيشة، لتحقيق المستحيل لأبنائهم، المستقبل الذي ينشدونه. كانوا يعيشونه حلما في مخيلتهم، لكنه أصبح شبحا ضعيفا ابتلعه ظلام ليل حالك السواد. وفجأة، حل عليهم تسونامي هذه الحرب اللعينة، وتفرقوا في رحلة إلى بلدان لن يزوروها أبدًا، حتى في المنام. طفت في ذهني صور كل تلك البيوت التي كانت عامرة، تنبض بالحياة العذبة، وتبني مستقبلاً مشرقاً منتظراً. وأصبحوا خاليين حتى من أبوابهم ونوافذهم في الخرطوم وبحري وأم درمان. من قبل، كانوا يجمعوننا، صغاراً وكباراً، في دائرة واحدة، بسعة الحب والترحيب العاطفي الحقيقي، تسقط أمامها بنية كل الحرج والتفكير في ماديات عالمنا الزائفة، ويجعلنا نشعر في نهاية كل عام نزور فيه السودان. كل بيت هو وطن لنا، لنا ولغيرنا الذين يمرون من الشتات، «من دون بيت أو حتى خيمة يملكونها». حبنا لأهلنا وبيوتنا والسهول والنيل والنخيل في وطننا كان أساس تواجدنا المستمر هناك في نهاية عام جديد. شوقنا له ولجميع عائلته لا ينتهي. وتنظم كلمات رسائلها في أجمل أغنية “أيها الوطن البعيد في بيوتكم أحبابنا”. نرددها فهي فرحتنا ورزقنا وعلاج كآبتنا في رحلة هذه الغربة المقررة لنا. لذلك عندما سافرنا من هذه البلاد البعيدة إلى موطن أجدادنا وفي المطار، لم نكن في حيرة عند بوابة الوصول من إجابة السؤال أمام موظف الجوازات «عنوان السكن؟» كل بيت كان وطننا، وكل حي كان وطننا، ومن ينتظرنا كل عام في صالة القادمين هو في الحقيقة الوطن نفسه. وعندما نرى نور الفرح والسرور على وجوههم، نرفع أيدينا بكل فخر واعتزاز، ونشعر بتجدد هويتنا الوطنية. وهنا تجدر الإشارة إلى أننا لا نكتفي أبدًا بغربتنا عن صحبة المرحوم حسن خليفة “العطبروي” وأغنية الشاعر الراحل محمد عثمان عبد الرحيم. ونبتهج ونردد معه بكل فخر وفرح “أنا سوداني”. أليس من العار والعار وقلة الشهامة أن يتقاتل السودانيون فيما بينهم ليكسبوا إحدى احتياجات العالم الزائلة ويدمروا وطنا بأكمله حدادي مدادي (اسمه السودان أرض المليون ميل)، فيكسرونه قطعة قطعة، قطعة قطعة، كما ينكسر البسكويت في أفواه الجياع؟ السودان الحبيب بلد عظيم نحبه رغم تصحره وقسوة مناخه، وحتى رغم فشل من حكمه لسنوات طويلة. وكنا نتعامل مع العناد والمحسوبية بالصبر ونقول إن بعد العسر يسرا. لقد كان السودان عظيماً ومتميزاً في أذهان من كان يقدر حقوق الوطن عليهم وفضله لهم بثرواته المخزنة فوق الأرض وتحت الأرض، لكنه للأسف خرب وغدر من قبل، والناس اليوم لا يعرفون أبجديات أسس الحياة الكريمة، ولا جوهر الدين الحنيف، والتقاليد والأعراف التي تتحكم في أفعالهم وتحاسبهم، ولا الحساب والعقاب يوم الموقف المهيب أمام الرب العادل الذي لا يظلم أحداً. يخون وجنوده المؤتمنون وهم يقدمون له رسالة كل ظالم ودعوة كل ظالم. الشاكي ينتظر استرداد حقوقه. انفصل جنوب البلاد، وفي الانتظار الخفي والمعلن ترفرف أعلام انفصاله الغربي، وحينها ستدور دائرة الخراب حول ما يبقى عندما يستمر غياب العقل الرشيد. الذكاء لا يُكتسب عبثاً، ولا يُشترى بالمال أو بامتلاك جبال من الذهب. الحكمة لا تعطى ولا تورث ولا تتحقق بقوة البندقية. على العكس من ذلك، تتحقق مهزلة «البصيرة أو حمد» مع الأخير. إن ولادة وطن جديد صحي يتطلب الآن العلاج والولادة القيصرية. هل هناك جراح “حكيم” “معتمد” ينقذ هذه الضحية من الموت؟ شكراً لك الكاتب الرشيد جعفر، وإذا جاء كلامك متأخراً في تقديم عرض فعال لحال البلاد وأثر هذه الحرب الضار على بيوت المواطنين فهو خير من عدمه. أتمنى أن يكتب الآخرون مثلك عن الأذى الذي لحق بهم. التعبير في هذا الزمن هو أفضل علاج نفسي للإحباط الشديد القاتل الذي يعيشه أربعون مليون مواطن. لقد عبرت وعبّرت عن غضبك وحزنك، وكلنا شاركنا نفس الشعور ودعونا لكل من تسبب في هذه الحرب اللعينة وشارك فيها، وكل من سرق شيئا ولو كان قلم رصاص. اللهمّ لا تتاجر بهم في الدنيا ولا في الآخرة. عنوان معبر لا يفهمه إلا من عايش تبعات هذه الحرب القبيحة. إنه شعور حزين ومؤلم للغاية. هكذا شرحت ابنة أخي ما حدث في المنزل، الذي كان عبارة عن حديقتهم المليئة بأشجار الفاكهة والزهور والزينة. وقالت: “بالفعل تم سرقة جميع أبواب المنزل وجميع الأجهزة الكهربائية من المصابيح والمراوح ومفاتيح الإنارة وأغطية البالوعات، بالإضافة إلى سرقة جميع الأثاث، حتى خزانات المياه تم تفكيكها وإخراجها من الأسطح… والواضح أنهم كانوا يزورون المنزل بين الحين والآخر وينقلون المسروقات في سيارات النقل الكبيرة”. لا، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إنا لله وإنا إليه راجعون. وأخشى أن تختفي الأخلاق التي اتسم بها السودانيون تماما من الوجود. بل أخشى أن تضيع نفس الهوية الوطنية التي نعتز بها بين الشعوب، سواء كانت بيضاء أو سوداء، “أنا سوداني”، وتصبح مجرد تاريخ يذكر على مر القرون. هذه الحرب يجب أن تتوقف. كفى عبثاً بالوطن والمواطنين، وإلا فإن المصير خطير وعلى الشعب أن يحكم نفسه لا بحكم البندقية. فالسلاح يستخدم للحفاظ على المؤسسات الوطنية والحدود وممتلكات المواطنين وحمايتها من خلال بسط الأمن في كل مكان. وهكذا، منعت هذه الحرب ملايين السودانيين المغتربين من الاستمتاع بزيارتهم السنوية للوطن و”الفضاء” الذي يحبونه في مدنه وقراه. وكانت فرحة اللقاء وأيام التواصل والمحبة بين الأهل والأصدقاء والأقارب لا تقدر بثمن. لا للحرمان لا للحرب العربي AA © مايو 2026aa76@me.com الكاتب

اخبار السودان الان

بيوت جبرا بلا أبواب – تعليق – ورحلة خروج مع الكاتب الرشيد جعفر

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#بيوت #جبرا #بلا #أبواب #تعليق #ورحلة #خروج #مع #الكاتب #الرشيد #جعفر

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل