اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-23 23:35:00
بقلم الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد مأساة أهل الصحافة في عصر المنصات الرقمية قبل أن يفرض الإنترنت وجوده كعنصر حاسم في عملية التعبير والعمل الصحفي، كانت الصحافة تقوم على تقاليد راسخة… تؤمن الحدود بين حرية التعبير والمسؤولية، باعتبار أنها صاحبة الجلالة ذات الهيبة كسلطة رابعة… وقفت هيئة التحرير ذات الخبرة والمعرفة بين الصحفي والكلمة الخطيرة، وكان المحرر المسؤول هو خط الدفاع الأول الذي يراجع ويزن ويزن. يتم تقييمها قبل أن تصل الكلمة إلى القارئ. وفي نهاية المطاف، كانت المؤسسة مسؤولة عن تبعات ما نشرته، مما جعلها تحرص على نشر ما يمكن الدفاع عنه أمام القضاء فقط. وهذا النظام المتكامل هو الذي أعطى للصحافة هذه الشخصية المهيبة. لكن عصر وسائل التواصل الاجتماعي أحدث تحولا عميقا لم يدرك كثير من الصحفيين خطورته وعمقه إلا عندما وجدوا أنفسهم في مواجهة القانون. تم تصميم هذه المنصات في الأصل لغرض إنساني بسيط وهو التواصل بين الأشخاص، ولهذا تجدها مليئة بالرموز التعبيرية، بما في ذلك الحزينة والسعيدة والمتحمسة، وكذلك الصور العائلية والتعليقات العابرة والمشاعر اليومية. إنها مساحة للتعبير الشخصي والعاطفي والاجتماعي وهذا ما تم تصميمها من أجله. إلا أن الصحافيين وجدوا هناك جمهوراً واسعاً ومتفاعلاً، فانتقلوا إليها بأدواتهم المهنية، ظناً منهم أنهم يمارسون الصحافة الحقيقية. والحقيقة التي يتجاهلها الكثير من الناس هي أن الحساب الشخصي على أي منصة رقمية هو في جوهره حساب خالي من المؤهلات المهنية والقانونية، بغض النظر عن عدد المتابعين، وبغض النظر عن شهرة صاحبه. فلا يوجد محرر مسؤول، ولا خط تحريري واضح، ولا مؤسسة تتحمل تبعات ما ينشر، ولا دائرة قانونية تراجع المحتوى قبل وصوله إلى الجمهور. وعلى الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت للصحفي نطاقًا أوسع وحرية تعبير أكبر، إلا أن هذه الحرية الموسعة جاءت مصحوبة بمخاطر مضاعفة وحماية أقل بكثير مما قدمته المؤسسة. عندما يكتب الصحفي على منصته الشخصية، فهو يكتب كمواطن عادي يخضع لقانون الإعلام بكل ضوابطه وخطوطه الحمراء. والقانون هنا لا ينظر إلى الجودة المهنية بقدر ما ينظر إلى طبيعة المحتوى وعواقبه والطريقة المستخدمة. فالصحفي الذي يختار المنصة الشخصية كوسيلة للنشر الصحفي، عن وعي وقصد، يتحمل في الواقع مسؤوليتين في الوقت نفسه: مسؤولية المواطن أمام قانون تكنولوجيا المعلومات ومسؤولية الصحفي أمام معايير مهنته. وهو في الحالتين رقيب على نفسه وحده، من دون محرر يراجعه أو مؤسسة تدعمه. على أية حال، ومهما كان الأمر، فإن المنصة الشخصية تخدع صاحبها بطريقة ناعمة وهادئة، إذ لا أحد يقول للصحفي فيها انتظر وتحقق، وهل لديك دليل؟ الجمهور المتحمس يشجعه على الاستمرار، ويضغط المتابعون على الإعجابات قبل السؤال عن الدليل، والانتشار السريع يعطي إحساسا زائفا بالدعم. ونشوة تحقيق جمهور مستبد، وعندما تأتي ساعة المحاسبة يجد الصحفي أنه كان يبني على رمال منصة متحركة لم تحقق هدفها من أجل ذلك إلا من خلال التكليف الوظيفي والاستغناء تماما عن المؤسسة والمعايير التي كانت تضعها لحماية الصحفي نفسه من زلة قلمه. والأسوأ من ذلك أن التضامن الذي يحيط به الصحفيون زميلهم عندما يرتكب خطأ، غالبا ما يخلط بين حرية الصحافة كمبدأ راسخ وعواقب النشر على منصات التواصل غير الموثقة كعمل فردي. وهذا الخلط يضر بقضية حرية الصحافة أكثر مما يخدمها لأنه يجعل الصحفيين يبدون وكأنهم يطالبون بالحصانة وليس الحرية، وبين الأمرين مسافة شاسعة. (الحرية مسؤولية.. والحصانة إعفاء من المساءلة.) في هذا السياق، تبدو الدعوة إلى منع الحبس في قضايا النشر دعوة فارغة ولا تكاد تقف على قدمين… واستغربت أن يصدرها شخص كان يوما ما على رأس وزارة الإعلام بشكل أشبه بأنشودة عصر يستجمع قواه ليفسح المجال لعصر تختفي فيه الفوارق بين الصحفي والمواطن العادي… فالصحفي والمواطن أصبحا يملكان نفس أدوات النشر… وكلاهما يخضع لنفس القانون.. لكن الفرق أن جمهور الصحفيين ما زال يطالب بالحصانة كامتياز قديم.. إذ لم تعد موجودة لأن مؤسساتهم التي عاشوها وتقاليدهم الراسخة في النشر لم تعد موجودة.. وهنا تكمن مأساة أهل الصحافة الذين لم يدركوا أنهم مروا بدورة حادة مع تقلبات وسائل النشر. وفي نهاية التحليل تبقى وسائل التواصل الاجتماعي أداة إعلامية قوية غيرت شكل الصحافة وسرعتها ووصولها إلى الجمهور، والصحفي الذي يدرك طبيعتها يستخدمها بوعي ويعرف حدوده فيها. المنصة الرقمية مرآة تعكس ما تضعه أمامها. إذا وضعت أمامها الصحافة الحقيقية بالأدلة والتحقيق والمسؤولية فإنها ستعطيك صدى واسعا، وإذا وضعت أمامها اتهامات خالية من الأدلة ستعطيك انتشارا سريعا ومحاسبة أسرع. وفي النهاية، تظل الصحافة الحقيقية مهنة متاعب لمن يمارسها بضوابطها ومعاييرها، بينما من يمارسها دون ضوابط يحمل اللقب دون المؤهلات التي تحميه. د محمد عبد الحميد prof.mohamed.ahameed@gmail.com الكاتب




