اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-10 12:23:00
«أنا تايه من زمان يا أماني.. صوتي راح ونبح». أحمد إبراهيم أبو شوك، مقدمة تمهيدية. الشاعر محمد علي الحبيب من أبناء قرية أوسلي الفضلاء. جمعتنا سنوات الدراسة في مدرسة الكرتي الثانوية للبنين (1979-1982)، ولم تزدهر حينها مواهبه الشعرية بكثافة السنوات اللاحقة، مما وضع الحبيب في مصاف الشعراء المتميزين. وذلك لمساهمته الأدبية الفريدة في إثراء النص الغنائي بلغة عاطفية تجمع بين بساطة التعبير وعمق المعنى، مرتكزة على بيئة ثقافية ملهمة، تتجلى في استخدامه لمفردات اللهجة المحلية، وصور الطبيعة، وجماليات التراث الشعبي. وتتميز تجربة الحبيب الشعرية بنزعة عاطفية مكثفة، يحتل فيها الحب والحنين مكانة مركزية، إضافة إلى قدرة نصوصه على التأليف والغناء بفضل بنيتها الإيقاعية المرنة واعتمادها على التكرار والتجويد. كما أن شعره مغطى بالقيم الروحية التي تضفي على نصوصه الغنائية بعدا صوفيا جذابا. وهكذا يمثل الحبيب نموذجاً للشاعر المبدع الذي يجمع بين الأصالة والابتكار، ويساهم في تطوير بنية الأغنية الطمبورية الحديثة مع الحفاظ على ارتباطها بالضمير الجماعي والتراث الشفهي لشعبنا الطيب المناطق السفلى. والدليل على ذلك جماعة «العابرات» الذين بلغ عددهم خمسين؛ وأصبح يعتبر من النصوص الغنائية المميزة في تجربة الشاعر الحبيب. لأنه يقدم نموذجاً للغزل العاطفي الذي يمر عبر المراحل العمرية المختلفة للشاعر. كل مقطع يرتكز على فكرة عاطفية محورية، وهي أن المشاعر العميقة لا تنطفئ مع مرور الوقت، بل تصبح أقوى وأكثر إشعاعاً، لأن شاعرها شاعر عنيد في حبه (قلبي عنيد يا زائل.. أصبر على السنين ولا أستسلم). وهنا تظهر ثنائية الثبات والزوال، التي يمثل الجانب الأول منها قلب الشاعر العنيد والصبور، الذي اختار الثبات على حب «أماني الرمزي»، حتى لو ابتعدت المسافات وتغيرت مشاعر الجانب الآخر. امتد هذا الشعور العاطفي على مدى ثلاثة عقود وأكثر دون أن يتلاشى الشعور العاطفي لدى الشاعر، مما أعطى زوال المحبوب بعدا زمنيا عميقا، مؤكدا أن تجربة الحب يمكن أن تمتد إلى الأبد، ولا يجب أن تكون مجرد لحظة عاطفة عابرة. طال الزمن يا أماني… لأن صوتي راح وعويل. استوقفني الاجتياز رقم (30) عدة مرات. إنها قصيدة غزلية ذات رمزية وجمال عظيمين. إنها تنتمي إلى فضاء عاطفي عميق، حيث يتشابك الحنين والإحساس والتصوف العاطفي في نسيج شعري يتجاوز التعبير عن الحب كعلاقة إنسانية، ليصبح حالة وجودية شاملة ومسيطرة. إذ يفتتح الشاعر الحبيب هذا المقطع بنبرة شكوى: «من زمن طويل ضاعت يا أماني.. ذهب صوتي ونبح»، مؤكداً أن الحنين ليس مجرد شوق عابر، بل هو إرهاق داخلي يصل إلى فقدان الصوت واستهلاك أدوات التعبير نفسها. ثم يعمق هذا الشعور بقوله: «في النهاية خاف مني.. مرض لا يتحمل الجرح»، لأن مستويات حبه وصلت إلى مرحلة لا تحتمل الجرح ولا الشفاء، بل ستبقى أسير الألم والمعاناة. وهنا يستدعي الحبيب الزمن شاهداً على ثبات محبته التي لا تتغير: “ثلاثة أيام عابرة… وليل الشعر لم يشح قط”. ويؤكد أن طول الزمن لم يطفئ نار حبه المشتعلة، بل زاد من وهجها، كاشفا عن حب متجذر في ذاته، يتحدى الفناء والزمن، فيتحول بالتالي إلى وسيلة مقاومة، تنتج من المعاناة الإبداع والجمال من الألم. وهكذا يؤكد الحبيب أن الحب غريزة أصيلة لا تقاوم، ولها القدرة على تجاوز القيود الاجتماعية والعقلية، عندما شبه ذلك بـ«شوق البعير إلى الباطل، وتركني زمام القش في القش». لعمري تشبيه بليغ لا يفهم معناه إلا المتجذرون في بيئة الإبل أنفسهم وشوقهم لفصل الخريف والخريف، عندما يتحررون من قيود المكان والزمان والأشخاص التي فرضتها عليهم ظروف المكان والجفاف. وهكذا يصبح شوق المحب إلى المحبوب خارج أطر القواميس الحضرية المجردة، بل هو مستمد من جماليات الطبيعة والرعي والحركة الموسمية. البيئة في هذا المقال ليست مجرد زينة لغوية، بل هي ترسيخ لقيم محلية محمولة داخل النص، تعكس تمسك الشاعر بتقاليد الواقع المحلي، الذي يجسده النيل تارة وأصوات التريبل تارة أخرى. لقد تخدرت دنياي وديني… ببركة أبي وسبحته ظل الحبيب في لحظات أعظم ابتلاءاته يستعين بمراجعه الصوفية، يستمد منها طمأنينة النفس وطمأنينة القلب، إذ يقول: “تخدرت دنياي وديني… ببركة أبي والمسبحة” “وما دامت الأمور عند سيدنا… فما لنا وللخلق يا صاحب السعادة؟!” في هذه المقاطع التي تسبح بين أمواج الصوفية العاطفية، يرتقي شاعر “العبيرات” بالحب من حدوده العاطفية الضيقة إلى أفق روحي واسع، ليعطي توسلاته العاطفية بعداً يتجاوز الغزل الحسي إلى فضاء الغزل الروحاني، المستمدة من قيم الخضوع والبركة والتوجيه. ومن هذا المنطلق يصبح الحب الأبدي له ليس مجرد انجذاب إنساني عابر، بل هو تجلٍ للتدفق الإلهي، الذي يتدفق من خلاله الشعر إلهاماً إلهياً وليس نزوة دنيوية، وهذا ما يؤكده قوله: “عابر بها أرشدني الله.. روحي على الطريق، منفتحة على الشعر من الفتح الإلهي.. لا يسكنني شيطان”. وهكذا تتداخل حدود العاطفة والروح عند الشاعر العابر، فيصبح الحب طريقاً إلى الصفاء، وطريقاً إلى الهداية، وتجربة تتجاوز الفناء البشري إلى أفق البقاء الروحي. ما يهمكم هو كلام أهلنا المعزولين… ما دامت النفوس متفتحة، فإن المعزولين لا يتركون للشاعر مساحته العاطفية وحده، بل يسعون إلى تقييم سلوكه وفق معايير القيم المقبولة في إطار واقعهم المحلي. وهنا يواجه الحبيب هذا التدخل بنبرة هادئة فيها قدر من التمرد اللطيف، مخاطباً محبوبته: «لا يهمك كلام شعبنا الأعزل.. ما دامت نفوسنا مرحة». وبهذا التمرد اللطيف يجعل من الانفتاح الداخلي معيارا كافيا للشرعية، متجاوزا سيطرة المجتمع إلى يقين القلب. في هذه المرحلة، تتصاعد مقاومته الصامتة، التي ترفض الامتثال القسري لتقاليد البيئة المحلية، وتدافع عن حرية الضمير. ثم يمضي في تبرير هذا الانحياز لعالمه الخاص، معتمداً على جمال «أماني» الذي يتخطى كل وصف أو حد في غزل الجمال، فيقول: «روحي تصبر على الدفوع.. كل إنسان يأتيني بصفحة.. الكريم يحميك يا عابر السبيل.. يرعاك في غدك والروح دون الجمال يا أماني.. لا باللهجة ولا بالفصحى ما دامت محاسنك أغاني.. و طالما أن جمالك لا يقتصر على اللوحة. وبهذه الطريقة يصبح الجمال في العالم. الشاعر العاطفي العابر هو واقع يتجاوز اللغة والصورة، لا تحيط به الكلمات ولا تستوعبه الألحان، ليبقى الحب مساحة حرة، عند حدوده تختفي أصوات المعاناة، وترتفع فيه نغمة الصفاء العاطفي. النصري هو الجسر بين الخاص والعام. ساهم الفنان المبدع محمد النصري في نقل قصيدة (طال غيابي يا أماني) من دفئها الحميم، حيث ولدت في أحضان التجربة الخاصة للشاعر محمد علي الحبيب، إلى فضاء جماعي واسع، عبر لحن شجي وصوت شجي يفيض بالعاطفة، وترافق مع ألحان دف آسرة تلامس وجدان المستمعين وتدفئ آذانهم. وهكذا استطاع النصري أن يمنح “مرور الحبيب” حياة أخرى، ليس كنص مقروء فحسب، بل كتجربة معيشية تدور في الذاكرة السمعية والوجدانية. ومن خلال أدائه المتدفق تحولت آهات الحبيب المكتومة إلى نداء مشترك، يجد فيه كل مستمع صدى لتجربته العاطفية، فتتقاطع الذوات في فضاء عاطفي واحد، وتتشابك القصص الفردية من خلال مشتركات الشوق والحنين التي تنبض في أبيات “ما طال بي الزمن يا أماني”، لتصبح الأغنية جسرا بين الخاص والعام، وبين التجربة الفردية والتجربة الفردية. الضمير الجماعي. الخلاصة: هذه القصيدة تقود إلى حقيقة عميقة، وهي أن “العابرون” ليسوا ومضات غزل عابرة، بل سيرة عاطفية لعاشق صبور طويلا، تضم في نسيجها ثنائيات الألم واللذة، الثبات والعبور، العاطفة والتدين، كما تنكشف فيها مفردات اللغة العامية بأحمالها التقليدية واللغة الكلاسيكية بجرسها المعياري، وتلامس عجزها الجميل في الوجه. من طوفان المشاعر المتدفق وهي «عابرة» تشير إلى أن الحب، عندما يصل إلى أقصى مداه، لا يبقى علاقة بين شخصين، بل يتحول إلى قدر يعيشه، وإيمان تهدأ به النفس، حتى لو كان الجسد ثقيلاً ومثقلاً. ولك يا زميلي في سنوات كورتي الثانوية الحبيب محمد علي، تحية تليق بهذا الضمير المضيء، وتحية طيبة لأصحاب تلك المرحلة وكل من عاشها، حيث البدايات الأولى التي بشرت بكل هذا الامتلاء الشعري وهذا التألق الجميل. ahmedabushouk62@hotmail.com




