السودان – مصانع الجهل والجدل والتطرف

أخبار السودان30 مارس 2026آخر تحديث :
السودان – مصانع الجهل والجدل والتطرف

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-29 11:30:00

نزار عثمان السمندل عنوان كتاب أمارتيا سين (الهندي مولع الجدل) قد يجد صدى له في أرض النيل، ولكن بطريقة مأساوية. وكان الجدل محركاً للتفكير النقدي وصناعة الفلسفة في الهند وغيرها، بينما كان الجدل السوداني لعنة وطنية. هرج ومرج بلا أفكار، وشجار بلا آفاق، وحوار مسدود ينتهي دائمًا بالانقسام أو انقلاب الدبابة. وغرق السودانيون زعماء وأحزابا وزعماء طوائف وحركات مسلحة في نزعة جدلية انفصالية جعلت من السياسة مسرحا مغلقا. إما أن تكون معي، أو أن تكون عدوًا يجب سحقه أو نفيه. فتاريخ الأحزاب في أوروبا على سبيل المثال، والذي تعلمت منه الهند التجربة، يعلمنا أن هذه الهيئات أشبه بالمختبرات العلمية، تقرأ كوادرها مستقبل الطاقة، وترسم خرائط التغير المناخي، وتتبنى سياسات مواجهة المصائر الصعبة قبل حدوثها. أما نحن، فيجلس القائد على كرسي ورث، ويوزع البسمات على الأتباع، وينتظر استلام أبنائه الراية، ويردد الشعارات المجمدة منذ الأربعينيات. فالحزب هنا ليس عقلاً مفكراً، بل ذاكرة طائفية، وامتداداً لعشيرة. الطائفية عقيدة حديدية أغلقت الأبواب أمام أي تجديد. إن الأيديولوجيا هي قيد تقيد الأيدي وتعمى الأبصار. وحتى الأحزاب التي خرجت من رحم النقابات والطلائع الشبابية سرعان ما أعادت إنتاج علل الماضي. لا ديمقراطية داخلية، ولا برامج علمية، ولا شفافية مالية. القرارات تتخذ في دوائر مغلقة، والأموال تأتي من قنوات مظلمة، والشعارات تتبخر مع أول نفس. الحسابات المالية مفتوحة في الديمقراطيات الحقيقية، والقوانين صارمة، والأموال الأجنبية محظورة، وكل شيء يخضع للرقابة. في السودان، المال السياسي نهر غامض يتدفق في الظلام وفي وضح النهار، ويغذي الولاءات ويخلق التبعية. ثم تأتي الانقلابات مثل حجر الرحى. وكلما حاولت التجربة الديمقراطية أن تتنفس، أطبق الجنرالات عليها. لكن الحقيقة هي أن الأطراف نفسها كانت تخلق الفراغ الذي دخل منه الجنود. ولو أنها بنت مؤسسات قوية وبرامج مقنعة، لما وجدت الدبابة منفذاً. المعادلة واضحة جداً: جيش يحمي ولا يحكم. والأحزاب تبني ولا تتقاتل. وعندما يقوم كل حزب بدوره، تسقط الانقلابات من القاموس السياسي. أما في السودان، فيظل المشهد يدور في حلقة مفرغة: أحزاب بلا رؤية، وجيش يغلق أنفه كلما اشتم الضعف. وهنا، في قلب هذه المأساة، تكمن أعجوبة القدر: رب الضر هو النافع. إن الحرب الآثمة التي تحرق اليوم المدن وتفرق العائلات، قد تصبح غدا شعلة المراجعة الحتمية. ولا أقول هذا من باب تعطيل التعزية أو تجميل سفك الدماء، بل أقول ذلك للإشارة إلى حقيقة عملية: وهي أن الكوارث تكشف الهياكل وتكشف عيوبها. إن ما اعتبره البعض عمقاً من الاستقرار يتبدد؛ وما كان يعتبر مخفياً عن الجماهير، يصبح ظاهراً في ظل الكارثة. هنا تنفتح نافذة النقد… صغيرة، لكنها تقتل الباطل. اللحظة مهيأة لثورة داخل الأحزاب: المساءلة (أليست المحاسبة مدرسة التحرر؟)، مراجعات تفرق بين الولاء للفكرة والولاء للشخص، ضوابط مالية تطهر الجيوب من أوساخ المجهول، وديمقراطية داخلية تعلم الأعضاء كيف يصبحون أصحاب رأي وليس مجرد تابع ومردد. والتدابير هنا ليست شعارات بقدر ما هي تدابير ملموسة: لجان تحقيق داخلية تفتح الملفات، وآليات انتخابية داخلية شفافة، ومراكز بحث حزبية تنتج البرامج وليس الخطب، ونظام مالي يخضع للمساءلة العامة. وهذه المراجعات ليست استخفافاً بالعزة الحزبية، بل هي صمام حياة للدولة والأجيال القادمة. وعندما تجرؤ الأحزاب على محاسبة نفسها، فإنها تكتسب الشرعية، وتكسب الشعب، وتحرر الساحة من ذرائع التدخل العسكري. يجب أن تنتهي هذه الحرب البائسة يومًا ما، لكننا رأينا جميعًا كيف أخرجت أسوأ ما في الشعب السوداني. وإذا “عادت حليمة إلى عاداتها السيئة” بعد أن يتوقف نهر الموت عن الجريان، فإن الكارثة ستكون أكبر: لن يبقى هناك وطن، بل غابة. وعلى السودانيين أن يقفوا شامخين في وجه هذا المصير الغامض الذي يعيشونه، ويتأملون القبح العاري: قادة بلا فكر، ودعاة بلا مشروع، وأحزاب بلا وطن. لكن في هذا القبح نفسه تكمن بذرة التحرر: إذا قبلت الأطراف وسجلت يأسها، وإذا فتحت أبوابها للنقد، فقد أصبحت قادرة على الاتصال بالحقيقة، إذ قد تولد من رماد الحرب مشاريع جديدة ستقود الأجيال القادمة بالصمود والقوة والإنجاز. وحدها شجاعة كسر هذه الدائرة اللعينة هي القادرة على فتح الباب من جديد، ليخرج الجدل العقيم من مرحلته المظلمة، وتدخل الفكرة أخيرا إلى قلب السياسة ورئة التنمية. The post مصانع الجهل والجدل والرحيل appeared first on سودانايل.

اخبار السودان الان

مصانع الجهل والجدل والتطرف

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#مصانع #الجهل #والجدل #والتطرف

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل