اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-24 11:21:00
د. محمد عبد الله لم تكن الصحافة في البداية مجرد حرفة، بل كانت عقدا ضمنيا مع المجتمع: يرى له ما لا يرى، ويقول ما يخشى أن يكشفه، ويحافظ على نقاء الذاكرة العامة من التزييف والنسيان. وفي الأنظمة الديمقراطية، تقوم هذه المهمة على ركيزتين مترابطتين: الحرية والمسؤولية. حرية الوصول إلى المعلومات ونشرها، مقابل مسؤولية التحقق والتوازن واحترام العقل الجماعي. ولهذا السبب تبدو الصحافة في الديمقراطيات المستقرة أقرب إلى مؤسسة رقابية موازية، غير منتخبة ولكنها تخضع لأطر قانونية ومهنية صارمة: مجالس إعلامية مستقلة، ومواثيق أخلاقية قابلة للتنفيذ، وحق الرد، وقوانين تشهير محددة، ومحاكم لا تتردد في محاسبة المؤسسات عندما تخرج عن طريقها. فالصحفي هناك لا يعمل في فراغ، بل في بيئة يعلم أن خطا واحدا غير موثق قد يكلفه سمعته، أو حتى يكلف مؤسسته الكثير. ليس لأن السلطة تطالب بذلك، بل لأن المجتمع نفسه، بأدواته القانونية، يفرضه. ولكن عندما تتراجع الديمقراطية، يتغير دور الصحافة بشكل كبير. ويفقد مرآته، ويتحول من ناقل للواقع إلى صانع له، ومن سلطة رقابية إلى أداة في يد الحكام أو الطامحين إليهم. وفي هذه البيئات، تتآكل المعايير أولا، ثم تختفي تدريجيا. الاتهام يحل محل التحقيق، والشائعة محل التوثيق، والتحريض محل التحليل. وحتى اللغة، وهي رأس مال الصحفي الأكثر قيمة، تصبح قاسية وأقرب إلى الإهانة منها إلى البيان. وفي هذا المناخ، لم تعد الصحافة مجالاً للنقاش العام، بل ساحة لتصفية الحسابات. وتختلط الأخبار بالرأي، ويسوق الكذب على أنه “سبق صحفي”، ويستخدم التشهير كوسيلة للابتزاز. ومع الوقت يعتاد الجمهور على هذا التراجع، فتفقد الحقيقة قيمتها، ويصبح الشك هو القاعدة وليس الاستثناء. وهذه هي الخسارة الكبرى: عندما لا يثق الناس في أي شيء، يصبح كل شيء ممكنًا، بما في ذلك الأسوأ. وتقدم التجربة السودانية مثالا مؤلما لهذا المسار. في سنوات الديمقراطية التي سبقت الانقلاب الإسلامي، لم تكن الصحافة مجرد ناقل للصراع السياسي، بل كانت في بعض برامجها أداة لتأجيجه. وتم استخدام خطاب تعبئة حاد، حيث تم خلط الدين بالسياسة، وتصنيف المعارضين كأعداء وليس كمنافسين. وقد تم الاستهزاء بالتجربة الديمقراطية نفسها وتصويرها على أنها فوضى أخلاقية وسياسية، ومقدمة لقبول “الخلاص” بالقبضة الحديدية. ولم يكن الانقلاب حدثا معزولا في هذا المناخ، بل كان إلى حد كبير نتيجة له. وعندما تفرغ الديمقراطية من معناها في الوعي العام، يصبح الانقلاب – في نظر البعض – تصحيحاً وليس جريمة. وهكذا، ساهمت الصحافة الإيديولوجية المنحازة في إفساد التربة التي كان من الممكن أن تنمو فيها تجربة ديمقراطية قابلة للحياة. ثم جاءت تداعيات الانقلاب، واختفى الحد الأدنى من الاستقلال، وتحولت الصحافة – مع استثناءات قليلة شجاعة – إلى لسان حال السلطات. ولم يعد السؤال: هل هذا صحيح؟ بل: هل هذا مفيد؟ مفيدة لأولئك الذين لديهم السلطة. وهنا يصل الانحدار إلى ذروته: عندما يحل معيار النفعية السياسية محل معيار الحقيقة. واليوم، وبعد عودة البلاد إلى دوامة العنف، يتكرر المشهد بطريقة أكثر قتامة. بعض الأصوات التي قدمت نفسها ذات يوم على أنها “حراس القيم” أصبحت تفعل العكس: نشر الأكاذيب، وتعزيز الأوهام، والانخراط في حملات التشهير المتبادلة. ولم يعد الخلاف سياسيا فحسب، بل تحول إلى سوق ابتزاز، حيث تستخدم المعلومات – أو ما شابهها – كعملة للمساومة. وفي مشهد يكاد يكون كاريكاتيرياً، يتبين أحياناً أن بعض هؤلاء الأشخاص لا يترددون في طلب منافع شخصية من مؤسسات الدولة، ثم يتحولون -إذا انكشف أمرهم- إلى خطاب هابط يفتقر إلى أدنى قدر من الحشمة المهنية. وفي المقابل تجد آخرين أذلتهم المصالح، فبدأوا ينكرون ما لا يمكن إنكاره، ويعيدون صياغة الواقع بما يتناسب مع ما يدفعون له. وبين هؤلاء وأولئك تضيع الحقيقة من جديد، وتضيع معها حياة الناس ومعاناتهم. فالخطر هنا ليس لحظيا، بل تراكميا. وعندما تتحول الصحافة إلى أداة للإهانة والابتزاز، فإنها لا تفسد النقاش العام فحسب، بل تعيد تشكيل وعي المجتمع على أسس مشوهة. لقد اعتاد الناس على العنف اللفظي، وغياب الأدلة، واختزال القضايا المعقدة في ثنائيات ساذجة. وبمرور الوقت، يصبح من الصعب إعادة بناء الثقة، لأن الضرر لا يؤثر على المؤسسات فحسب، بل يؤثر أيضا على اللغة ذاتها ــ واللغة في نهاية المطاف هي وعاء التفكير. وفي الديمقراطيات الراسخة، لا يترك هذا الأمر للصدفة. وهناك استثمار طويل الأمد في تدريب الصحفيين، وترسيخ ثقافة التحقق، وحماية الاستقلال الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية حتى لا تقع فريسة للابتزاز السياسي أو المالي. وللجمهور أيضاً دور حاسم، من خلال مساءلة ما يقرأه، ودعم الصحافة الجادة، ورفض التراجع. في السياقات الهشة، تبدأ عملية إعادة تأهيل الصحافة بالاعتراف بحجم الأزمة. لا يكفي الحديث عن حرية التعبير؛ ويجب أن تكون مرتبطة دائمًا بالمسؤولية المهنية. لا يكفي إلقاء اللوم على السلطة، بل يجب محاسبة الصحفي نفسه: ماذا يكتب؟ ولماذا؟ لمصلحة من؟ قد لا يكون من الممكن إصلاح كل شيء دفعة واحدة، ولكن من الممكن استعادة بعض المعنى. عليك أن تبدأ بخطوات صغيرة: أخبار دقيقة بدلاً من الإشاعة، لغة نظيفة بدلاً من الإهانات، سؤال مهني بدلاً من الاتهام المجاني. وفي النهاية، الصحافة ما هي إلا انعكاس للمجتمع الذي تنتجها فيه. إذا أراد المجتمع أن يرى نفسه بوضوح، عليه أولاً أن يصلح المرآة. muhammedbabiker@aol.co.uk




