السودان – من الصمت إلى التواطؤ: كيف أصبح البرهان شاهد دفاع في الرواية المصرية؟

أخبار السودان3 يوليو 2026آخر تحديث :
السودان – من الصمت إلى التواطؤ: كيف أصبح البرهان شاهد دفاع في الرواية المصرية؟

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-25 17:57:00

الدكتور الوليد آدم ماديبو فجر يوم 16 يونيو 2026، لم تسقط القنابل على جبل العيقاد وحده، بل سقطت معها أوهام كثيرة ظل السودانيون متمسكون بها رغم كل ما حدث خلال سنوات الحرب والانهيار. لقد سقط الوهم بأن الدولة، مهما كانت ضعيفة، ستظل منحازة غريزيا لمواطنيها عندما تسيل دماءهم. لقد ضاع الوهم بأن الدم السوداني لا يزال له قيمة كافية لانتزاع كلمة احتجاج من السلطات. لكن الوهم الأكبر الذي سقط في ذلك الصباح كان الاعتقاد بأن الصمت هو أسوأ شيء يمكن أن تفعله الدولة عندما يُقتل أطفالها. اتضح أن هناك ما هو أخطر من الصمت. عمال المناجم الذين خرجوا إلى الصحراء بحثًا عن الرزق، منهم من عاد ميتًا، ومنهم من عاد جريحًا، ومنهم من لم يرجع مطلقًا. لكن المأساة لم تتوقف عند حدود الدم. لقد امتد الأمر إلى ما هو أخطر من الدم نفسه: إلى الرواية. الضحايا الذين كان ينبغي سؤالهم عن قاتلهم وجدوا أنفسهم فجأة متهمين، بينما الطرف الذي كان من المفترض أن يُسأل عن أفعالهم وجد شخصاً يتحدث لغة لا تختلف كثيراً عن لغتهم. عندما زار الفريق عبد الفتاح البرهان المنطقة الحدودية، لم يكن السودانيون ينتظرون إعلان حرب، ولا تعبئة عامة، ولا قطيعة دبلوماسية مع مصر. كانوا ينتظرون شيئاً أكثر تواضعاً وبديهية: أن يسمعوا من قائد جيشهم أن حياة السودانيين غير مسموحة، وأن ما حدث يستحق التحقيق والمحاسبة وكشف الحقيقة. لكن الخطاب اتجه في اتجاه مختلف. وجاء التحذير للمواطن السوداني، التذكير بضرورة الالتزام بالحدود، والحديث عن عدم الذهاب إلى الجانب الآخر حتى لا يجلب الناس المشاكل لأنفسهم ولبلدهم. في تلك اللحظة لم يعد السؤال: لماذا صمتت السلطة؟ بل أصبح السؤال أكثر إزعاجا: لماذا اختارت أن تتحدث بهذه اللغة الضعيفة المتآمرة؟ الصمت، مهما كان مخزيا، لا يزال من الممكن تفسيره. قد يكون ضعفاً أو خوفاً أو حسابات سياسية أو رهاناً على تجنب التصعيد. لكن عندما يتحدث المسؤول بلغة تنقل جزءاً من المسؤولية إلى الضحية، فإنه لا يعود صامتاً. يدخل مباشرة في صناعة السرد. وهنا تحديداً ننتقل من منطقة التقاعس إلى منطقة المشاركة السياسية في إعادة تعريف الحدث نفسه. الروايات في السياسة ليست مجرد كلمات. إنها أدوات قوة لا تقل فعالية عن الأسلحة. الرصاصة تقتل الإنسان، أما الرواية فتقتل الحقيقة. ولذلك فإن أخطر ما في مثل هذه التصريحات ليس محتواها المباشر، بل وظيفتها السياسية. وهو ينقل النقاش من السؤال: من قتل هؤلاء السودانيين؟ إلى سؤال مختلف تماما: لماذا كان هؤلاء السودانيون هناك؟ بمجرد حدوث هذا التحول، تتغير مواقف الجميع داخل القصة؛ ويتحول القاتل من متهم إلى طرف له مبررات، والضحية من صاحب حق إلى صاحب مشكلة، ويتحول الوطن نفسه إلى شاهد دفاع ضد أبنائه. لذلك، لا ينبغي النظر إلى الأمر على أنه زلة لسان، أو خطأ بروتوكولي، أو سوء تقدير عابر. المشكلة أعمق من ذلك بكثير. وهو يعكس أزمة مزمنة في تصور الدولة لوظيفتها الأساسية. فالدولة التي تنظر إلى مواطنيها باعتبارهم مصدر شرعيتها، تدافع عنهم أولاً ثم تنظر إلى التفاصيل. أما الدولة التي يصبح فيها المواطن عبئا يمكن التفاوض عليه، فإنها تبدأ تدريجيا بالتضحية بالحقيقة نفسها. وعندما تصل الأمور إلى هذه المرحلة تصبح السيادة شعاراً للاستهلاك السياسي، وتصبح الحدود خطوطاً قابلة للتفاوض، ويصبح الدم مجرد تفصيل مزعج في حسابات أكبر. ومن ثم فإن ما حدث في العقاد لا ينبغي أن يفهم على أنه حادث منفصل. المشكلة ليست في جبل العقاد وحده، ولا في مجموعة من المنقبين وحدهم، بل في نمط كامل من التساهل المتراكم. بدأ الأمر بالتسامح مع انتهاك الأرض، ثم التسامح مع انتهاك السيادة، ثم التسامح مع انتهاك الدماء، حتى وصلنا إلى المرحلة الأخطر: التسامح مع انتهاك الحقيقة نفسها. عندما تفقد الدولة استعدادها للدفاع عن روايتها الوطنية، فإنها تفقد تدريجياً استعدادها للدفاع عن الأمة نفسها. ولعل أخطر ما أنتجته هذه الحادثة هو أنها بعثت برسالتين واضحتين في الوقت نفسه. الرسالة الأولى للعالم الخارجي، ومضمونها أن تكلفة الهجوم محدودة، وأن رد الفعل الرسمي لن يتجاوز الحدود التي يمكن التعايش معها. أما الرسالة الثانية فكانت موجهة إلى المواطن السوداني نفسه، إلى عامل المناجم والراعي والفلاح، وكل من يعيش بعيداً عن مراكز السلطة. تقول إن الدولة قد لا تقف إلى جانبك عندما تتعرض للخطر، وأنك إذا قتلت قد تجد نفسك عرضة للمحاسبة أكثر من الذي قتلك. عند هذه النقطة، لم يعد الحديث عن خطأ سياسي عابر، بل عن أزمة في تعريف الدولة نفسها. فالدولة التي تتبنى رواية خصمها ضد مواطنيها لا تمارس الحياد، بل تعيد تحديد موقفها في الصراع. وبالتالي، فالمسألة ليست قضية مسؤول أخطأ، بل قضية سلطة اختارت، بوعي أو بغير وعي، أن تنظر إلى الحادث من زاوية مختلفة عن الزاوية التي ينظر إليها الضحايا وذويهم. ويبقى السؤال الأخلاقي الذي تفرضه هذه الحادثة على كل سوداني: في أي لحظة يتوقف الصمت عن الصمت ويتحول إلى اصطفاف؟ متى يتوقف التبرير عن كونه تفسيرًا ويصبح مشاركة؟ والجريمة السياسية الأخطر هنا لم تكن الدماء التي أُريقت فحسب، بل اللغة التي أعقبتها. الدم يقتل الجثث مرة واحدة، أما الرواية التي تبرر الدم فتقتل الحقيقة كل يوم. ولذلك فإن الواجب الوطني الأول ليس الانتقام ولا التصعيد الخطابي، بل استعادة الحقيقة نفسها: حق الضحايا في الظهور كضحايا، وحق السودانيين في رواية قصتهم بلغتهم الخاصة وليس بألسنة الآخرين. الأوطان لا تبدأ من الحدود وحدها، بل من الجانب الذي تقف معه الدولة عندما تسيل الدماء. عندما تقف الدولة في الجانب الخطأ، يصبح الصمت أقل ذنوبها. auwaab@gmail.com الكاتب

اخبار السودان الان

من الصمت إلى التواطؤ: كيف أصبح البرهان شاهد دفاع في الرواية المصرية؟

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#من #الصمت #إلى #التواطؤ #كيف #أصبح #البرهان #شاهد #دفاع #في #الرواية #المصرية

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل