السودان – نقوش على جدار دار صالح

أخبار السودانمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
السودان – نقوش على جدار دار صالح

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-21 13:31:00

بقلم عمر العمرومارالومار@gmail.com الكتابة عن عبد الهادي الصديق كالمشي على الجمر. تحترق قدماك، لكنك تتقدم تحت إغراء التوغل، أقرب إلى الهروب من التراجع. جوهر الرحلة يحملك على أجنحة مخملية إلى شواطئ الصفاء والنقاء. كما أنه يرشدك برفق إلى أروقة الذكريات النبيلة. لكنه يجرفك حتماً إلى كهوف الأسى والفجيعة عبر ممرات تنيرها وجوه مضيئة من خلف ستائر الغياب الأبدي لأصحاب الأقلام المستنيرة الذين كتبوا مشاريع رائعة لا تكتمل أبداً ولكنها عالقة على جدار الإبداع. كل هذا الحنين هو قليل مما يتحرك في القلب والعقل عندما يدعو إلى الانشغال بذكرى صديق عظيم القامة يمشي -ولا يزال- ضائعا في القلب، بما فيه من حنان القلب، ونقاء الأخلاق، وعبقرية الفكر، وغنى الخيال، وخصب اللغة. عبد الهادي الصديق مشروع إبداعي سوداني فريد، اختطفه الموت قبل أن يكمل إنجازه الأدبي. مثل سلفه ونظيره المتألق في فنون وجماليات النقد الأدبي معاوية نور. وكلاهما كانا عباقرين في عصرهما. لو عرف محمود عباس العقاد عبد الهادي لربما تجاوز تقديره له قوله عن معاوية نور (لو عاش لكان نجما واحدا في سماء الفكر العربي). توأمان بفارق جيلين، وأمنا لم تنجب مثلهما بعد. على شواطئ الود المفروشة، تستعيد مع هادي إنساناً مليئاً بالظروف الاجتماعية والفرح العفوي، المشتاق للألفة والمصالحة مع نفسه ومع الآخرين. شخصية مطبوعة بشغف الحياة، وذوق حاد، وعقلية حادة، ورؤية فنية شفافة. يتمتع عبد الهادي بشهية للأطباق الثقافية المتنوعة، ويأكل الطاولات بلهفة، وروائح الطعام تفوح دائما من منزلهم. (هيا بنا نذهب، أمي تطبخ الملوخية اليوم، ولم تأكل مثلها). دعوة محبوبة كنت أعرفها جيداً. لم أره قط غاضبًا، وقد تغلبت عليه موجة من الغضب، لكنه لم يتمكن أبدًا من كبح جماحها. (إن هذا مسكين فلا تنفعلوا به) عبارة يكررها الكثيرون. ليس هناك خيط من العنف في نسيجه. وهو طفل ضاحك وإن تجاوز الثلاثين وطوله. الجذر ضخم، لكن معظم حجمه عبارة عن خلايا من ثمرة المرح والضحك وقليل من السخرية اللاذعة التي تفرض قبولاً يتراوح بين التبسم والضحك. وعندما يكتب أو يتحدث بجدية، ينتابك شعور عميق بأنك أمام باحث مجتهد وطالب فريد من نوعه. ولهذا يمكنك مشاهدة النقوش الموجودة على قبر الخليل، أو قراءة قصيدة الجمال، أو قراءة عناق الأشرعة. مع صديق الوعي تكتسب الأشياء الصغيرة أبعاداً كبيرة. وفي أحد الأيام قال لي بأدبه المعهود وهو يلوح بنظارة جديدة: “هذه هدية من العطور. هل تعلمين لماذا اختارت أن تعطيني نظارة؟”. أجبته شفهياً: “إنها تحاول أن تعطيك لمسة جمالية بدلاً من نظارتك القديمة”. وأتبع ذلك بغمزة، بنظرة سطحية كالعادة. بل هي مبادرة من شابة ذكية تريد مني أن أرى العالم دائمًا من خلال عدستها، فتبقى حاضرة دائمًا. ثم تبادلنا الضحك في انسجام تام. في حفل زفافي، بعد حوالي عامين، أعطاني ربطة عنق. قبلتها ووعدت باستخدامها لاحقاً بحجة أنها لا تناسب زي المناسبة. قال باستفزاز، بخفة دمه المعهودة: «ليس في عائلتك أو في عائلة فريدة فنان تشكيلي أو صاحب ذوق رفيع». خذها وثق بها، وستبقى ذكرى خالدة على مر الأيام. وبالفعل أجبت بالوفاء، وأصبحت تلك الربطة شاهدة على تلك الصداقة الباقية بحكم ظهوري فيها في صورة الزفاف التي أسافر بها أينما سافرت. وأثناء تواجدي في شندي في رحلة دراسية جامعية، فاجأني زملائي بوجود عبد الهادي يسأل عني، ولم أكاد أصدق ذلك. ثم أصر على إخراجي من الفريق لقضاء ليلة في منزل أحد معارفي. وفي الصباح عاد بالقطار الثامن إلى أم درمان، وانطلقنا من النقعة شمالاً إلى مروي ونوري والكورو. ولم يتوقف قطار اللطف أبدا. وبعد التحاقي بوكالة الأنباء (سونا)، اتصلت به فجأة، وهو دبلوماسي في بيروت. وتزامن ذلك مع يوم حريق سوق سرسق، في بداية تصاعد الحرب الأهلية القذرة. لقد كان اتصالاً مفاجئاً، لكنه كان بالوناً في بداية حياتي المهنية. حدثني عن حالة الجالية السودانية في ظل الحرب. كتبت سبقا أذاعته النشرة الثالثة بأم درمان قبل أن تتحدث الوكالات عن حريق السوق الشهير. كان هناك أيضًا سبق صحفي في سونا لصحفي في مطبخ الأخبار المحلي ينقل الأخبار عبر الحدود. وهو إنجاز يعتمد على تلك الصداقة العابرة للمواقع داخل أروقة الذكريات مع عبد الهادي الصديق، ومشاهدة لوحات إنسانية لشخصيات سامية في مجالات الإبداع التي تعرفت عليها في صحبته. إنهم بائعو العطور في سوق المعرفة، وستجد منهم حتماً رائحة طيبة. محمد المهدي المجذوب الشاعر الفحل المهيب. الأمسية معه مليئة بصور الشاعر المثالي. أحمد الزين شاب، والسهر معه هو سباحة في بحار الفن وعلم الاجتماع. عبد الكريم الكابلي ولقاءه كلمات موسيقية على مرايا التراث والحداثة. مصطفى مبارك والأنس معه، مراجعة عبر صفحات التاريخ السياسي والثقافي. عثمان سيد أحمد والليلة بحضور أصدقائه على ضفاف النيل مناظرة في الثقافة. ليلى المغربي أيقونة الأثير. عثمان مصطفى عندما يتحدث عن الأمان بحنجرته الأوبرالية. كمال الجزولي بجرأته عندما يهاجم بظهر يده من لا يهتم به. ما أروع الركوب مع أب الهادي على جسر شمبات قبل غروب الشمس من وإلى دار صالح. هذه رحلة للتأمل في الجغرافيا والديموغرافيا. ذلك هو وقت موت النهار، ولكنه أول ميلاد الليل في الخرطوم. يبدأ كل قماري بجمع الحطب، قشًا بعد قش، للمبيت الذي أحبه ويحبه رفاقي. منذ أن أصبح كمال الجزولي الملح والأب الروحي لإجازاتي عندما هبطت في الخرطوم. في إحدى الأمسيات فاجأني بموعد عشاء، كانت كل ترتيباته مفاجئة ومضطربة ولم يكن هناك مفر منها. دخلت في ذلك المساء منزل عبد الهادي للمرة الأولى والتقيت بالعطار للمرة الأولى بعد رحيله. التقيت بعبد الهادي الثاني، حفيده الأول. هكذا أصبحت جيلاً. اجتمع مجموعة من الأصدقاء لإحياء الذكرى الأولى وتكريم الثانية؛ ومنهم محمد المهدي بشرى البياض الذي يكمل ظروف عبد الهادي وعمر عبد المجيد وكامل عبد المجيد. وفي كهوف المأساة، بالإضافة إلى وجوه عبد الهادي الصديق ومعاوية نور، يمكنك رؤية مجموعة من حاملي مشاعل الوعي والتنوير والإبداع الذين خطفهم الموت قبل استكمال مشاريعهم. وما يزيد من هول المأساة هو رحيل معظمهم في سن مبكرة. ترى صورة عرفات، محمد عبد الله رائد إنارة الفجر الثقافي، الإمام محمد أحمد المهدي رائد بناء الدولة الوطنية السودانية، التجاني يوسف بشير رائد الرومانسية الصوفية وشعر الجمال، حسين شريف رائد الصحافة السودانية بالقناعة (شعب بلا صحيفة كالقلب بلا لسان)، خليل فرح رائد الابتكار في الغناء، محمد عبد الرحمن شيبون رمز الأوائل. وفاة مأساوية في الوسط الثقافي اليساري، عبد الخالق محجوب، نجم الفجر الجديد لنشر الفكر ونشر الوعي بين كافة الطبقات، وعبد الرحيم أبو ذكري، الراحل في ليل الحنين والاغتراب الوجودي، وجون قرنق صاحب مشروع السودان الجديد. لقد حزنا جميعا على الموت مرتين. مرة، مأساة الموت المفاجئ لشخصية استثنائية، ثم مأساة رحيلها المبكر قبل استكمال مشروعها الإنساني الاستثنائي! كلهم وهؤلاء هم أصدقائي وآبائي الأعزاء، فأحضروا لي مثلهم! مؤلف

اخبار السودان الان

نقوش على جدار دار صالح

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#نقوش #على #جدار #دار #صالح

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل