W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-02-15 09:59:39
آخر تحديث:
بقلم: فاروق يوسف
ولم يشك أحد في استقلالية ونزاهة القضاء القطري عندما أصدر حكم الإعدام بحق ثمانية ضباط هنود سابقين بتهمة التجسس لصالح إسرائيل. والهند نفسها لم ترفع صوتها عاليا منددة بالقرار. ورغم أن كل المعطيات الواقعية تؤكد أن القرار لن ينفذ لأسباب تتعلق بطريقة تعامل الخليجيين مع فكرة الموت، إلا أن الحكومة الهندية بذلت جهودا كبيرة للوصول إلى تفاهمات مع الحكومة القطرية، الأمر الذي أدى في النهاية إلى أمير قطر قطر تصدر قراراً بالعفو عن المحكوم عليهم. ولم يكن ذلك متوقعا، ليس كرد مباشر على جهود الحكومة الهندية التي عبرت عن حرصها على سلامة مواطنيها دون الاستهانة بالأمن والقضاء القطري، بل لأن هناك ظرف إقليمي ساعد في إنقاذ الهنود الثمانية. والذي عمل سابقًا في شركة استشارية تعاونت مع السلطات القطرية بشأن أحد المشاريع. إنتاج الغواصات في إيطاليا. حرب غزة هي التي خلقت هذا الظرف الغامض.
ومنذ أن بدأت حرب غزة في السابع من أكتوبر الماضي، احتلت دولة قطر مكانة محورية في الوساطات التي تمت لوقف تلك الحرب. والولايات المتحدة، التي تربطها علاقات استراتيجية مع قطر، كانت على علم بكل تفاصيل تلك الوساطات ولم تعترض لأنها تدرك جيدا أن الدوحة لديها ما يؤهلها للتوصل إلى تفاهم مع طرفي الصراع. ورغم أنها لم تتفق مع إسرائيل على مستوى فتح سفارات، إلا أنها لم تمانع في فتح مكتب تجاري إسرائيلي يديره دبلوماسيان منذ عام 1996، وكان شمعون بيريز قد زار الدوحة في العام نفسه لافتتاح ذلك المكتب. وفي عام 2007، استقبل الأمير الأب بيريز وطلب منه فتح اتصالات مع حركة حماس التي استولت على السلطة في غزة وطردت ممثلي السلطة الفلسطينية منها. علاقة قطر بحماس مكشوفة لإسرائيل. وتنقل قطر عبر إسرائيل الأموال التي تمول من خلالها الحركة الإسلامية. كانت هناك صفقة رأت الحكومات الإسرائيلية، وخاصة حكومة بنيامين نتنياهو، أنها تخدم أهدافها المتمثلة في تمزيق وحدة الشعب الفلسطيني وإضعاف السلطة الفلسطينية في رام الله.
ماذا حدث ليعلن نتنياهو أن قطر ليست طرفا محايدا لتكون مؤهلة للتوسط بين حكومته وحماس؟ هذه الشكوك استفاد منها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، الذي سبق أن أبدى مواقف متضامنة مع إسرائيل، رغم أنه يعلم جيدا أن الملايين من مواطني بلاده يحافظون على كرامتهم في العيش من خلال الأموال التي تحول إليهم من أقاربهم العاملين. في دول الخليج العربي . ويشعر المرء أن مودي اتفق مع نتنياهو في الضغط غير المباشر على قطر لإطلاق سراح الجواسيس الثمانية الذين انكشف مشروع الغواصة القطرية السري بعد اعتقالهم. وهذا يذكرنا بالمشروع النووي العراقي الذي لم تكن فرنسا صادقة في الالتزام بشروطه، حتى تمكنت إسرائيل من اغتيال عدد من علمائها وإجهاضه عندما قصفت مفاعل تموز/يوليو 1981 الذي كان قيد الإنشاء.
فازت الهند بإنقاذ حياة مواطنيها الثمانية. وفي الوقت نفسه، لعبت إسرائيل دوراً إيحائياً في عملية الإنقاذ تلك. فهل كانت إسرائيل تسعى إلى إنقاذ جواسيسها من خلال محاولة إزاحة قطر من مكانها في عملية الوساطة بينها وبين حماس؟ ولأن قطر حريصة على إنقاذ حماس، فقد تتخلى عن عدالة ونزاهة قضائها من أجل إرضاء نتنياهو ومودي. لعبة يخرج فيها العرب خاسرين. وبعد أن وقعت قطر في الفخ، لم يكن أمامها خيار سوى الاستسلام. لكنه قرار مرير لن يفيد أحدا بعد انكشاف مشروع الغواصة السري الخاص بها.
اليوم أصبح الحوار شفافا بشكل واضح. قطر ليست بمأمن ممن يتجسس عليها، وإسرائيل لا تزال مهتمة بالتجسس على من تتعامل معهم. نوع من الملاكمة تحت الخصر، أو إذا أردنا استخدام العبارات السياسية، يمكننا القول أن هناك حواراً يجري تحت الطاولة من أجل إفراغ كل ما يحدث على السطح من معناه. وستواصل قطر الدفاع عن قضيتها في غزة. وبنفس القوة ستندفع إسرائيل إلى إملاء حقها على الآخرين في الدفاع عن نفسها. أما الهنود الثمانية فقد وصلوا إلى وطنهم.أتمنى أن ترتاح غزة وترتاح بعد كل هذه الخسائر.