اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-13 22:00:00
منذ إنشائها سنة 2009 بموجب القانون رقم 29.08، احتلت وكالة التنمية الفلاحية موقعا محوريا داخل المنظومة الفلاحية المغربية، حيث أنيطت بها مهمة تنفيذ التحولات الكبرى التي أحدثها “مخطط المغرب الأخضر”، ولاحقا استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030”. وبفضل مكانتها كمؤسسة عمومية تتمتع بالاستقلال المالي والشخصية المعنوية، وتخضع لوصاية وزارة الزراعة، لم تقتصر وظيفتها على التنفيذ الإداري، بل تحولت تدريجيا إلى فاعل استراتيجي يوجه السياسات الزراعية، ويتحكم في جوانب التمويل والاستثمار وإعادة توزيع الموارد. إلا أن هذا الدور المتقدم لم يمنع تصاعد موجة الانتقادات من أطراف متعددة، منها مؤسسات دستورية ورقابية وبرلمانية ونقابية، ما يطرح إشكالية عميقة حول مدى نجاح الوكالة في تحقيق تنمية زراعية عادلة ومتوازنة، أم أنها ساهمت، بشكل غير مباشر، في تكريس الفوارق داخل العالم الريفي بدلا من تقليصها. مؤسسة ذات قوى استراتيجية.. لكن نتائجها متفاوتة. تتمتع وكالة التنمية الزراعية بصلاحيات واسعة تجعلها طرفا حاسما في تحديد ملامح السياسة الزراعية على المستوى التنفيذي. وهي التي تعمل على بلورة المشاريع الكبرى المتعلقة بالاستراتيجيات الوطنية، وإدارة الدعم من خلال صندوق التنمية الزراعية، وتأطير برامج الزراعة التضامنية، بالإضافة إلى دورها في تعبئة ونقل الأراضي الزراعية في إطار الشراكات مع القطاع الخاص. وتمنح هذه الصلاحيات الوكالة قدرة كبيرة على توجيه الاستثمارات نحو قطاعات أو مناطق محددة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على توزيع الثروة داخل العالم الريفي. لكن هذا التأثير، بدلا من تقليص الفوارق، كثيرا ما يتهم بإدامة نموذج غير متوازن، يقوم على دعم الزراعة الحديثة الموجهة للتصدير، مع تهميش زراعة الكفاف التي يعتمد عليها الملايين من صغار المزارعين. ورغم الشعارات التي رفعتها استراتيجية “الجيل الأخضر” بشأن خلق طبقة وسطى فلاحية، وإدماج الشباب، وتحقيق الاستدامة، فإن الواقع الميداني يكشف استمرار هشاشة هذه الفئة، في ظل صعوبات تتعلق بالحصول على التمويل، وضعف البنية التسويقية، وتفاقم القيود المناخية، خاصة شح المياه. وتكشف تقارير الرقابة عن عيوب في الحوكمة وضعف التأثير. ومن أبرز مؤشرات الأداء المحدود للوكالة ما جاء في تقارير المجلس الأعلى للمحاسبات، التي رسمت صورة نقدية واضحة لعدد من تدخلاتها، خاصة في مجال الزراعة التضامنية. هذه المشاريع التي قدمت كأداة لتحقيق العدالة المكانية، أظهرت في كثير من الأحيان نتائج مخيبة للآمال، حيث تحولت بعض المبادرات إلى مجرد معدات أو مباني دون أثر اقتصادي فعلي. ويعود هذا الوضع إلى عوامل عدة، منها ضعف الدراسات السابقة، والإفراط في التفاؤل بتقدير النتائج، ونقص الدعم الفني بعد إطلاق المشاريع. كما سجلت التقارير غياب نظام متابعة وتقييم فعال، مما يجعل من الصعب قياس الأثر الحقيقي لهذه البرامج على مستوى تحسين الدخل أو خلق فرص العمل. وفيما يتعلق بإدارة العقارات الزراعية، فقد لوحظت اختلالات مرتبطة بضعف مراقبة التزام المستثمرين بكتب التسامح، خاصة في استغلال الأراضي العامة، إضافة إلى عدم تفعيل آليات استرداد الدعم في حالة فشل المشاريع، وهو ما يطرح مشكلة حقيقية تتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة. جدل سياسي واجتماعي حول العدالة الزراعية ومستقبل النموذج داخل البرلمان. وتتصاعد الانتقادات الموجهة إلى الوكالة، حيث يتحدث عدد من الممثلين عن نموذج “الزراعة ذات السرعتين”، حيث تستفيد مجموعة محدودة من كبار المستثمرين من الدعم والحوافز، في حين يُترك صغار المزارعين لمواجهة تحديات السوق والمناخ بمفردهم. كما أن شروط الاستفادة من برامج الدعم معقدة أيضاً، مما يحد من وصول الفئات الضعيفة إليها. وفي السياق نفسه، تثير مسألة الأمن المائي قلقاً متزايداً، إذ يتعرض استمرار الدعم للمحاصيل المستنفدة للمياه لانتقادات في بلد يعاني من تفاقم الإجهاد المائي. ويعتقد منتقدو هذه السياسات أن التركيز على التصدير قد يأتي على حساب السيادة الغذائية، وهو ما يشكل مخاطر استراتيجية على المدى الطويل. من جانبه، يشير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى غياب البعد الإنساني في تدخلات الوكالة، حيث يغلب منطق الإنتاجية على حساب التنمية الاجتماعية، مع ضعف اندماج الشباب والنساء، واستمرار الهجرة الريفية نتيجة محدودية فرص العمل. أما النقابات الزراعية، فتذهب أبعد من ذلك، متهمة الجهاز بخدمة مصالح فاعلين اقتصاديين كبار، في حين تسجل غياب الشفافية في بعض جوانب الإدارة، خاصة ما يتعلق منها بموازنات الترويج والمعارض، إضافة إلى ما يوصف بـ”البيروقراطية الإقصائية” التي تعيق حصول صغار المزارعين على التمويل. وفي قلب هذا الجدل هناك قضايا حساسة تتعلق بتوزيع الموارد، خاصة الأراضي والمياه، حيث ترى الهيئات الحقوقية أن سياسات إهدار الأراضي وتشجيع الزراعة المكثفة قد تؤدي إلى إقصاء المزارعين التقليديين واستنزاف الموارد الطبيعية. وفي مواجهة هذا الوضع المعقد، تجد وكالة التنمية الزراعية نفسها في مواجهة اختبار حقيقي يجبرها على إعادة تقييم نموذج تدخلها بشكل جذري. ولم يعد التحدي اليوم يقتصر على رفع الإنتاج أو جذب الاستثمارات، بل يتعدى ذلك نحو تحقيق تنمية زراعية عادلة ومستدامة تضمن كرامة المزارع الصغير، وتحافظ على التوازن البيئي، وتحقق الأمن الغذائي. ويبقى السؤال الجوهري: هل تنجح الوكالة في الانتقال من منطق إدارة البرامج إلى منطق تحقيق التأثير الحقيقي، أم أن الفجوة بين الطموح والواقع ستستمر في الاتساع؟




