اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-05 08:00:00
إن التواصل المؤسسي في لحظات الأزمات لا يقل أهمية عن التدخل الميداني نفسه، إذ تشكل المعلومات الدقيقة وفي الوقت المناسب خط الدفاع الأول ضد الخوف والارتباك وانتشار الأخبار الكاذبة والمزيفة. وخلال السيول التي شهدها القصر الكبير، برز الصمت الرسمي كعامل مقلق عمق من مستوى القلق لدى السكان والعائلات على حد سواء، وفتح الباب على مصراعيه لانتشار الشائعات والروايات المتضاربة، في ظل غياب فقرات واضحة من الاتصالات تطمئن الرأي العام وتؤطر الوضع بحقائق دقيقة من أفواه صانعيها. وبين ضغط الحدث وسرعة تداول الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي، تحول «الفراغ التواصلي» إلى بيئة خصبة لنشر الذعر وإثارة المخاوف، إذ انتشرت أخبار عن تصدع هيكل السد، فيما تحدث آخرون عن فشل فوهته… وبين هذا وذاك غابت الحقيقة، وهو ما يطرح التساؤل الملح حول مدى فعالية التواصل المؤسسي أثناء الأزمات، وحدود مسؤوليته في حماية المجتمع من الانزلاق إلى الفوضى المعلوماتية. جودة الخطاب قال رشيد بلزعر المحاضر في مجال الاتصال، إن “التواصل أثناء الأزمات هو من الآليات الأساسية التي تساهم في احتواء الأزمة والتغلب على تداعياتها، شرط أن يرتكز على التواصل الفعال المبني على ثلاثة مبادئ أساسية، الأول هو تحمل المسؤولية ومواجهة الأزمة بشفافية ودون مراوغة، فيما المبدأ الثاني يقوم على الاستباقية وضرورة البدء بالتواصل فوراً، قبل أن يفرض السكان أسئلتهم أو تملأ الشائعات الفراغ المعلوماتي”. المبدأ الثالث يقوم على الاستمرارية من خلال ضمان أن “عدم ترك فراغ سردي قد يسمح بانتشار التفسيرات والقراءات غير الدقيقة”. وأضاف المختص في الاتصال لهسبريس، أن “المؤسسات التي تبادر إلى التواصل مبكراً، وتبني خطابها على تحمل واضح للمسؤولية، تنجح في تحويل التواصل إلى أداة للصمود وبناء الطمأنينة، بدلاً من أن يبقى مجرد فعل متأخر يقتصر على رد الفعل”. وفيما يتعلق بأزمة فيضان القصر الكبير، أشار بلزار إلى أن “الاستجابة المبكرة ساهمت بشكل مباشر في تجنب وقوع خسائر بشرية، وهي نتيجة يحسب لها الفضل للقائمين على إدارة الأزمة، وتعكس فهما سليما لمبدأ الاستباقية في التواصل، حيث سبق التدخل الميداني تغطية إعلامية وتصاعد الشكوك داخل المجتمع”. لكن الجانب الذي يتطلب التقييم، بحسب المتحدث نفسه، يتعلق بجودة الخطاب وآثاره النفسية، موضحاً أن “بعض الرسائل، رغم نية الطمأنينة، صيغت بشكل أثار قلقاً إضافياً لدى المتلقين”، لافتاً إلى أن “التواصل في أوقات الأزمات يتجاوز نقل المعلومات إلى فن إدارة العواطف وبناء الثقة”. وعلى مستوى المضمون، أفاد أستاذ الاتصال أن “المرحلة الأولى ركزت بطبيعة الحال على إنقاذ الأرواح وتأمين الاحتياجات الأساسية، مثل المأوى والغذاء”، مضيفاً أن “التواصل الناجح يجب أن ينتقل في مرحلة لاحقة إلى الإجابة على الأسئلة المتعلقة بما يأتي بعد الأزمة، مثل حجم الخسائر وآليات التعويض، وعدم التوقف عند انتهاء الخطر المباشر، لأن أي فراغ تواصلي في هذه المرحلة قد يتحول إلى أزمة ثقة موازية”. واختتم بلزار تصريحه بالتأكيد على “ضرورة انتقال الجهات المسؤولة عن إدارة الأزمات من منطق “الاستجابة للأزمة” إلى منطق “إدارة السرد”، لتتحول الأزمات من تهديدات حقيقية إلى فرص لتعزيز المصداقية وترسيخ الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة”. معضلة هيكلية. واعتبر محمد بن عيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، أن “مأساة القصر الكبير هي حلقة جديدة في مسار متكرر من اختلالات التواصل المؤسسي خلال مراحل الأزمات، وهو ما يكشف عن معضلة بنيوية”. وأضاف الناشط الحقوقي نفسه، في تصريح لصحيفة هسبريس الإلكترونية، أن “التجلي الأول هو غياب مخاطب مؤسسي واحد، يساهم في قيادة العملية الاتصالية بأبعادها المتعددة، رغم وجود آليات رسمية مثل لجنة اليقظة الوطنية”، مذكرا بـ”الاختفاء التام للحكومة”. ويرى نفس المصرح أن “هذا الغياب يتكرر في مختلف الأزمات، وفي كل مرة يؤدي إلى تشتت الخطاب وتعدد المتدخلين الرسميين وغير الرسميين، ما يجعل الفضاء الرقمي مجالا لنشر الشائعات والأخبار الكاذبة، وبالتالي إرباك الرأي العام”. وأشار إلى أن “الاتصالات ظلت قطاعية ومجزأة، مرتبطة بقرارات متفرقة صادرة عن قطاعات مختلفة دون توقيت منتظم للاتصالات ودون رسالة إنذار وتحذير استباقية تواكب تطور المخاطر وتؤطرها ضمن رؤية تواصلية شاملة”. كما ذكر المتحدث أن “ما يسجله أسلوب التواصل هو اختزاله في البعد الفني والإجرائي، وممارسة وظيفة الإدارة”، مبرزا أن “الإعلام في أوقات الأزمات هو في الأساس حق أساسي للمواطن يتجاوز التحذير والتنبيه والمنع والإيقاف إلى حق أساسي، واحترام الحق في الحياة والأمان، وبناء الثقة بين الدولة والمواطنين”. واختتم بن عيسى شهادته بالتأكيد على أنه “في أوقات الأزمات، يفترض أن يبرز منطق الإدارة الرشيدة والقيادة الجماعية من خلال التنسيق المؤسسي والتواصل الموحد والواضح، وليس من خلال الخطاب القطاعي المشتت، باعتبار أن التواصل في هذه اللحظات الحرجة هو ممارسة سيادية تعيد الاحترام لقوة الدولة كضامنة للحقوق، وتضع المواطن في قلب العمل العام باعتباره صاحب الحق في الوصول إلى المعلومة والفهم والاطمئنان”.




