اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-02 00:00:00
تشكل الأحكام المشددة في قضايا الفساد المالي توقفا متكررا في مسيرة تدبير الشأن العام بالمغرب. ومن يعتقد أن قضية محمد مبادي تمثل سابقة من حيث طبيعة الأحكام الصادرة، فقد يجد في العودة إلى بعض المحطات التاريخية ما يكشف أن محاسبة كبار المسؤولين ليست أمرا جديدا، بل هي ممارسة عرفتها الدولة المغربية في فترات مفصلية من تاريخها السياسي. كشفت مصادر تاريخية وأرشيفات قضائية وسياسية مرتبطة بفترة حكم الملك الحسن الثاني، أن محاسبة كبار المسؤولين بتهم تتعلق بالفساد واستغلال النفوذ تعود إلى عقود من الزمن، وتم اللجوء إليها في سياقات اتسمت بحساسية سياسية وأمنية خاصة. شرارة المساءلة عام 1971. اعتبر ما عرف بـ”محاكمة الوزراء” أو “محاكمة الكبار” من أبرز الأحداث السياسية والقضائية التي شهدها المغرب مطلع السبعينيات. ولا يمكن فهم هذه القضية بمعزل عن سياقها التاريخي، خاصة بعد محاولة انقلاب الصخيرات في يوليو/تموز 1971، التي كشفت مدى التوتر الناتج عن تفشي الفساد والبذخ داخل بعض دوائر السلطة. ووسط هذه الأجواء، ظهرت بيانات جديدة إثر اكتشاف ما أطلق عليه “الدفاتر السوداء”، وهي سجلات منسوبة لرجل الأعمال والوسيط عمر بن مسعود، وتضمنت تفاصيل معاملات مالية وعمولات ورشاوى تتعلق بصفقات واستثمارات خارجية، إضافة إلى أسماء مسؤولين ووزراء قيل إنهم استفادوا منها مقابل تسهيل الإجراءات الإدارية والاستثمارية. رشاوى من شركات أجنبية وارتبطت القضية، التي حظيت بمتابعة واسعة آنذاك، بشبهات تلقي رشاوى من شركات أجنبية كانت تسعى للحصول على امتيازات استثمارية في قطاع السياحة والعقارات بالمغرب. ومن بين الأسماء المذكورة في الملف شركات فندقية أمريكية وعالمية سعت للاستفادة من تسهيلات تتعلق بإنجاز مشاريع سياحية كبرى. وبحسب البيانات المتداولة آنذاك، لعب عمر بن مسعود دور الوسيط بين المستثمرين الأجانب وبعض المسؤولين العموميين، حيث كان يتولى التفاوض على الصفقات وتحويل العمولات وتوزيعها حسب مستويات التدخل والتأثير داخل دوائر صنع القرار. وعندما مثل الوزراء أمام المحاكم في خريف 1972، تم إنشاء هيئة قضائية استثنائية للنظر في الجرائم المالية المنسوبة إلى كبار المسؤولين، في خطوة غير مسبوقة آنذاك. وشهدت المحاكمة، التي استضافتها الرباط، اهتماما إعلاميا واسعا، حيث تم بث وقائعها عبر وسائل الإعلام الرسمية، في رسالة سياسية تهدف إلى إبراز إرادة الدولة في مكافحة الفساد وتعزيز صورة المؤسسات أمام الرأي العام. وأسفرت المحاكمة عن إدانة عدد من الأسماء البارزة في المشهد السياسي المغربي. وكان من بينهم يحيى الشفشاوني، وزير الأشغال العامة، الذي أدين بتهم تتعلق باستغلال النفوذ، وحكم عليه بالسجن 12 عاما. كما أدين عبد الكريم الأزرق، وزير المالية آنذاك، وحكم عليه بالسجن 10 سنوات، مع ممدوح بن عبد الجليل، وزير التربية الوطنية، الذي حكم عليه أيضا بنفس العقوبة. كما شملت الأحكام عبد الحميد كريم وزير السياحة الذي حكم عليه بالسجن أربع سنوات. أما عمر بن مسعود، الذي اعتبر المحرك الرئيسي للشبكة قيد التحقيق، فقد حكم عليه بالسجن 15 عاما فعليا، باعتباره الوسيط الرئيسي في إدارة العلاقات المالية المتعلقة بالقضية. ومن الإقصاء إلى ترسيخ المؤسسات، ورغم الأحكام المغلظة التي صدرت بحق متابعي هذا الملف وسط اهتمام شعبي وإعلامي كبير، فإن عددا منهم لم يكمل أحكامه، بعد أن شملهم بقرارات العفو خلال منتصف السبعينيات من القرن الماضي، قبل أن يعود بعضهم إلى ممارسة أنشطة اقتصادية أو أدوار استشارية غير رسمية. وما يعيد هذه المحاكمة التاريخية إلى الواجهة هو أن مكافحة الفساد ومحاسبة كبار المسؤولين ليست ظاهرة جديدة في المغرب، بل تمتد إلى تجارب سابقة شكلت معالم بارزة في عملية بناء مؤسسات الدولة وتعزيز آليات الرقابة والمساءلة.




