اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-04 23:00:00
وفي خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة، اختار المغرب موقفا دبلوماسيا دقيقا بين الإدانة الرسمية للهجمات الإيرانية على الخليج، والصمت المحسوب تجاه الضربات الأمريكية، وهو ما أعاد إلى الواجهة مسألة الموازنة بين الالتزامات التاريخية مع الرياض وأبو ظبي، ورهانات الرباط الإستراتيجية، خاصة في ملف الصحراء وعلاقاتها مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويرى سعيد الصديقي، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة فاس، أن موقف الرباط من الهجمات الإيرانية على الخليج كان “متوقعا”، نظرا لما وصفه بـ”الالتزام التاريخي المتبادل” بين المغرب ودول الخليج فيما يتعلق بدعم الوحدة الترابية ووحدة المناطق. ويشير الصديقي، ضيفا على برنامج “نبض العمق”، إلى طبيعة العلاقات بين الرباط وكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والتي تتجاوز البعد الظرفي إلى شراكة سياسية وأمنية ممتدة. من جهة أخرى، يشير الأستاذ الجامعي إلى أن الحذر الذي اتسم به الموقف المغربي تجاه الضربات الأمريكية يعكس ما يسميه “سياسة التحوط الاستراتيجي”، أي تجنب الانحياز الكامل في الصراعات الكبرى خارج الأطر الشرعية للأمم المتحدة. وذلك مقارنة بموقف الرباط من الحرب الروسية الأوكرانية، حيث فضلت اعتماد خطاب متوازن يحفظ المصالح دون تدخل مباشر. نبض الشارع ومنطق الدولة. وبحسب نفس المحلل السياسي، فإن المغرب، رغم تنوع مصالحه مع الولايات المتحدة، يضع سقفا واضحا لتعاونه، حتى لا يتحول إلى انخراط غير مشروط في مواجهات قد لا تخدم مصالحه المباشرة. ويؤكد أن أي دعم لحرب لا تستند إلى أساس قانوني دولي واضح يبقى خارج حسابات الدولة العملية. ولم يقتصر الجدل على الموقف الرسمي، بل امتد إلى التباين الواضح بين بعض التيارات التي أبدت تعاطفها مع طهران، والرؤية الرسمية التي تصنف النظام الإيراني ضمن دائرة التهديد أو الاستفزاز. وفي هذا الصدد، يميز الخبير في القانون الدولي بين منطق الدولة ومنطق الحركات السياسية. وبحسبه فإن الدولة تتحرك وفق تسلسل المصالح السياسية والاستراتيجية والاقتصادية العليا، وقد تتخذ قرارات لا تعكس بالضرورة المزاج الشعبي. أما الفاعلون السياسيون والمدنيون، فهم يعبرون عن مواقفهم على أسس مبدئية أو أيديولوجية، من دون تحمل تكلفة القرار السيادي. ويؤكد الصديقي أن هذا التعدد في الأصوات لا يعني وجود “انفصام” في المناصب، بل يعكس طبيعة المجال العام، حيث تتحدث الدولة رسميا بصوت واحد في قضايا السياسة الخارجية، بينما يحتفظ المجتمع بهوامش تعبير متنوعة، ما دام الأمر لا يتعلق بقضية وطنية شاملة كالصحراء أو حرب يشارك فيها المغرب بشكل مباشر. هل يشكل النظام الإيراني تهديدا وجوديا؟ وبخصوص وصف إيران بأنها تشكل تهديدا وجوديا للمغرب، يرى أستاذ العلاقات الدولية أن هذا الوصف مبالغ فيه. هناك مسافة كبيرة بين «التهديد الوجودي» و«الاستفزاز السياسي» في منطق العلاقات الدولية. ويؤكد أن تقييم المخاطر يعتمد على معطيات واقعية ومادية، وليس على اعتبارات رمزية أو سجالات إعلامية. وفي هذا السياق، يستذكر الصديقي تاريخ التوتر بين الرباط وطهران منذ الثورة الإيرانية عام 1979، عندما استضاف المغرب شاه إيران قبل أن يغادر البلاد بعد انتصار الثورة، وما تلا ذلك من اعتراف إيراني بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”. إلا أن المتحدث يرى أن تصوير إيران على أنها المحرك المركزي لقضية الصحراء يفتقر إلى الدقة، مشيرا إلى أن الدعم -إن وجد- لا يرقى إلى مستوى حاسم يغير ميزان الصراع. كما تشير إلى أن الرباط تحدثت رسميا عن دعم السفارة الإيرانية في الجزائر لجبهة البوليساريو، بما في ذلك شبهات تتعلق بتزويدها بتقنيات عسكرية. لكنه يؤكد أن حجم هذا الدعم، بحسب المعطيات المتداولة، يبقى محدوداً مقارنة بما تلقته الجبهة من أطراف أخرى. الخيارات الاستراتيجية وتكلفة المواءمة في تفسير رفض المغرب التواصل مع إيران في السنوات الأخيرة، يشير الخبير إلى أن الأمر يتعلق بحسابات التكلفة والعائد. فالمغرب، المنخرط في شراكات استراتيجية واسعة مع الولايات المتحدة والدول التي تعتبر إيران خصما مباشرا، لا يمكنه الجمع بين مسارين متناقضين دون تحمل تكاليف سياسية ودبلوماسية. ويضيف الصديقي أن طهران أبدت خلال فترات معينة رغبة في تحسين العلاقات، لكن الرباط فضلت الحفاظ على مسافة بينها، تماشيا مع موقعها الدولي وخياراتها لتنويع الشركاء، خاصة في سياق التحالفات الجديدة التي تفرض وضوحا أكبر في الاصطفافات. جدل «بركان قبل طهران»: على المستوى الداخلي، أثار الملف الإيراني انقساماً رمزياً تجسد في شعارات مثل «بركان قبل طهران»، في إشارة إلى أولوية القضايا الوطنية. لكن أستاذ العلاقات الدولية سعيد الصديقي يرى أن التعبير عن التضامن مع القضايا الخارجية لا يعني بالضرورة إعطاء الأولوية للشأن المحلي، بل يندرج ضمن حرية التعبير عن المواقف السياسية والأخلاقية. ويؤكد الأستاذ الجامعي أن الحديث عن إيران في المغرب غالبا ما يتحول إلى سجال ساخن، تتداخل فيه الحسابات الإقليمية مع المزايدات الداخلية، فيما يظل منطق الدولة محكوما بتوازن المصالح وليس بالشعارات. ويختتم سعيد الصديقي أنه، في النهاية، يبدو أن الرباط لا تزال تنتهج مقاربة براغماتية قائمة على الاحتياط وتجنب الاصطفاف التام، بما يضمن حماية مصالحها الاستراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء، دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة لا تخدم أولوياتها المباشرة.




