اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-24 16:43:00
في السياسة، كما في التاريخ، يمكن التمييز بوضوح بين مدرستين في خلق الحضور: مدرسة تراهن على الضجيج الإعلامي، وترى في رفع الصوت والتصفيق المتكرر وسيلة سريعة لخلق القيادة الظرفية، التي غالبا ما تتغذى على العاطفة أكثر مما ترتكز على العمق، ومدرسة أخرى تشكلت داخل بيئة الدولة الراسخة، حيث لا تقاس الهيبة بحدة الكلام، بل بصلابة الفعل، والشرعية لا تستمد من الضجيج، بل من القدرة على إدارة التوازنات بالصبر المحسوب والأنفاس الطويلة. وفي هذا الاختلاف بالذات، تتبلور مسافة سياسية واسعة بين من يرى أن الاستفزاز الإعلامي قادر على إعادة رسم موازين القوى، وبين من تربوا على منطق الدولة ومؤسساتها العريقة، حيث لا ينظر إلى الاستفزاز على أنه تهديد، بل باعتباره مسلمة عابرة يتم التعامل معها خارج منطق العاطفة، وبأدوات أعمق وأكثر هدوءا، تراكم السلطة بدلا من إظهارها، وتنتج الهيبة بدلا من المطالبة بها. وفي هذا الإطار العام، يمكن قراءة جزء من التوترات الخطابية التي ميزت بعض المواقف السياسية في السنغال خلال المرحلة الماضية، في سياق داخلي معقد أعاد ترتيب موازين القوى والنفوذ داخل داكار، وفتح الباب أمام اختلافات في الرؤية بين الفاعلين الأساسيين في المشهد التنفيذي. وفي قلب هذا التشابك، ظهرت تصريحات عثمان صونكو، في لحظات معينة، بنبرة سياسية رفيعة المستوى تحاول توسيع نطاق المناورات الداخلية، لكنها في المقابل، خلقت أيضاً قراءات خارجية مختلفة، خاصة فيما يتعلق ببعض الملفات الحساسة إقليمياً. وفي سياق التحولات التي شهدها المشهد السياسي السنغالي، ظهرت قراءات متعددة لمحاولة بعض الفاعلين السياسيين توسيع هوامش الحراك الخارجي من خلال الاصطفاف مع أطراف إقليمية معروفة في شمال وغرب أفريقيا، وعلى رأسها الجزائر، في إطار حسابات تتعلق بتوسيع النفوذ وإعادة تشكيل التوازنات داخل المنطقة. لكن عندما تُبنى هذه التوجهات على منطق استثمار التوترات الإقليمية أو توظيف القضايا الخلافية في العلاقة بين دول الجوار، فإنها غالبا ما تصطدم بحدود الواقع السياسي وتعقيداته، إذ لا تكفي الشعارات أو الاصطفافات الظرفية لإعادة رسم موازين العلاقات الدولية. في المقابل، تعامل المغرب مع هذه التحولات بمنطق الدولة، بعيدا عن الانجرار إلى ساحات الاستقطاب والردود العاطفية، متمسكا بمبدأ أساسي مفاده أن العلاقات الثنائية لا تقتصر على لحظات اصطفاف، ولا تدار خارج منطق السيادة والبراغماتية طويلة المدى. إلا أن المقاربة المغربية في التعامل مع هذه التحولات، لم تنزلق يوما إلى منطق الرجعية أو إدارة العلاقات وفق منطق اللحظة. ويدرك المغرب، باعتباره دولة ذات تقليد مؤسسي واسع، أن العلاقات الدولية لا تدار من خلال تفاعلات ظرفية، بل من خلال تراكمات استراتيجية طويلة الأمد، تقاس بمدى القدرة على الحفاظ على التوازن حتى في لحظات الخلاف. ومن هذا المنطلق، ظل التعامل مع السنغال محكوما بثوابت واضحة: احترام السيادة، وتعزيز الشراكة، وتحييد الملفات الثنائية من منطق الاستقطاب السياسي أو المزايدة الإعلامية. وهو نهج لا يقوم على العاطفة، بل على ما يمكن أن نطلق عليه «الدبلوماسية الصامتة ذات العوائد التراكمية»، حيث تترك النتائج لتتشكل بهدوء، بعيدا عن ضجيج الخطاب اليومي. وفي هذا السياق تحديدا، جاءت قضية المشجعين السنغاليين المدانين على خلفية أحداث تتعلق بكأس إفريقيا، لتشكل اختبارا إضافيا لطبيعة إدارة العلاقة بين الرباط وداكار. وتعامل المغرب مع الملف ضمن منطق سيادي واضح يجمع بين صرامة القانون الداخلي ورفض تحويل القضايا القضائية إلى أدوات للمزايدة السياسية أو الإعلامية. لكن الأهمية الأعمق لم تكن في أصل الملف، بل في عواقبه. ولم يكن العفو الملكي الذي شمل المعنيين مجرد إجراء قانوني أو إنساني معزول، بل جاء محملا بإشارات سياسية متعددة المستويات، تعكس قدرة الدولة المغربية على الفصل بين منطق المؤسسات ومنطق الضجيج، وبين إدارة الدولة ومنطق ردود الفعل. وفي هذا السياق، لم يكن التوقيت تفصيلاً بسيطاً، بل كان جزءاً من الهندسة الدقيقة للرسائل. وبينما كانت بعض الأصوات السياسية في السنغال تحاول استغلال لحظات التوتر لتعزيز حضورها الداخلي، اختار المغرب الرد بمنطق مختلف تماما: لا تصعيد ولا ردود عاطفية، بل قرار سيادي محسوب يعيد ضبط الإيقاع دون حاجة إلى تفسير مطول. وبتحليل بارد للتطورات، يمكن القول إن إعادة هيكلة التوازن داخل السلطة التنفيذية في السنغال، وما رافقها من خروج عثمان سونكو من منصبه الحكومي، ساهم في إعادة تهيئة المناخ السياسي العام نحو نهج أكثر واقعية في إدارة العلاقات الخارجية، وهو ما جعل بعض القضايا العالقة قابلة للمعالجة خارج منطق التوتر. لكن الأهم من ذلك كله، أن هذه المرحلة كشفت مرة أخرى أن العلاقات المغربية السنغالية ليست رهينة أسماء أو لحظات سياسية عابرة، بل هي علاقة مؤسسية ممتدة تتجاوز الأفراد نحو منطق الدولة المستقرة، وتقوم على شبكة من المصالح المتداخلة التي تجعل من خيار القطيعة أو التصعيد خيارا مكلفا وغير عقلاني. وفي النهاية، من المؤكد أن من يراهن على تحويل الاستفزاز الإعلامي إلى أداة لإعادة رسم موازين القوى، غالباً ما يصطدم بصلابة منطق الدولة وبرودة الحسابات السياسية التي لا تخدعها الانفعالات اللحظية، ولا تنجر إلى اختبارات الاستفزاز. العلاقات بين الدول لا تدار بمنطق «رفع السقف أو الصوت» ولا حتى «تصفية الحسابات بالخطابات الخطابية»، بل بمنطق التوازنات الدقيقة والقدرة على قراءة النتائج قبل إطلاق المواقف. ومن يختار طريق التصعيد الرمزي أو الاستثمار في التوترات الظرفية، يكتشف في نهاية المطاف أن السياسة ليست ساحة شعارات، بل ساحة تراكم لا تكافئ الاندفاع غير المحسوب. أما في بيئتنا الإقليمية المعقدة، التي تتشابك فيها الحسابات السياسية والأمنية والاقتصادية، فإن الدرس الأهم يظل ثابتا: لا أحد يربح عندما تتحول العلاقات بين الدول إلى رهانات عاطفية أو مشاريع استعراض. وحدها الدول التي تتراكم وجودها بهدوء وتدير خلافاتها بعقل بارد هي وحدها القادرة على ضمان الاستمرارية وفرض الاحترام. وفي النهاية تبقى القاعدة الثابتة: السياسة الخارجية لا تختزل في لحظة، ولا تبنى على ردود الفعل، بل تصاغ ضمن طريق طويل من الحكمة وضبط النفس والقراءة المتأنية لموازين القوى… حيث لا مكان لمنطق المغامرة، ولا تأثير دائم لمن يخلط بين الخطاب السياسي وحسابات الدولة.




