اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-30 06:00:00
كان يقترب من منتصف الليل. كريم، 34 عاما، مدير تنفيذي في شركة اتصالات في الدار البيضاء، يرقد على سرير في قسم الطوارئ. ينبض قلبه بسرعة غير طبيعية، ويتعرق، ويشعر بتنميل في أطرافه وصعوبة في التنفس. كانت هناك فكرة واحدة تسيطر عليه في تلك اللحظة المرعبة: “ظننت أنني سأموت”. وتحرك الأطباء بسرعة لإجراء الفحوصات اللازمة: تخطيط القلب، وفحوصات الدم، وقياس ضغط الدم. لكن النتيجة كانت مفاجئة لكريم: كان كل شيء طبيعياً تماماً. لم يصدق الشاب ما يحدث وتساءل بدهشة: “كيف تكون النتائج طبيعية وأنا أشعر بأنني سأموت؟” ما عاشه كريم تلك الليلة، يعيشه عشرات المغاربة كل أسبوع في غرف الطوارئ في الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش، حيث يتكرر نفس السيناريو بشكل ملفت وملفت للنظر. ويوضح الدكتور يوسف الحموي، طبيب نفسي ومعالج نفسي ومتخصص في علاج الإدمان بالدار البيضاء، أن ما حدث لكريم كان أول نوبة هلع في حياته. لم تكن نوبة قلبية ولا سكتة دماغية ولا مرض رئوي. إنها نوبة هلع حقيقية وجسدية ومخيفة، ولكنها في الواقع لا تهدد الحياة. وأضاف الدكتور الحموي، في تصريح لهسبريس، أن نوبة الهلع هي حالة مفاجئة من الخوف الشديد تظهر خلال دقائق وسرعان ما تصل إلى ذروتها. ورغم أن الأعراض تبدو خطيرة للغاية، إلا أنها ليست كذلك جسديا، مؤكدا: “نوبات الهلع ليست مرضا خطيرا، لكنها تبدو كذلك، وهذا أكثر ما يخيف المرضى”. المشكلة الحقيقية هي أن هذا التشخيص غالبًا لا يتم شرحه بشكل واضح للمريض منذ البداية. لقد تم طمأنته فقط وإرساله إلى المنزل دون تفسير دقيق لما حدث. وبعد أيام أو أسابيع تعود الأعراض للظهور من جديد، لتبدأ رحلة طبية طويلة ومكلفة بين أطباء القلب وأخصائيي الرئة وأطباء الأعصاب، تتضمن فحوصات متكررة وأحيانا تصوير بالرنين المغناطيسي. تُصرف آلاف الدراهم، وتمر أشهر من القلق، والجواب في كل مرة: «كل شيء طبيعي». ويبحث المريض عن تفسير عضوي، في حين أن السبب الحقيقي غالبا ما يكون نفسيا. الإنذار الكاذب والتنبيه العصبي يوضح الدكتور الحموي آلية هذه النوبات قائلاً: “نوبة الهلع هي بمثابة إنذار يصدره الجسم دون وجود خطر حقيقي. فالدماغ يتصرف وكأن هناك خطراً على الحياة، وينشط جميع آليات الطوارئ في الجسم، بما في ذلك تسارع ضربات القلب وضيق التنفس والدوخة. كل الأعراض حقيقية ولكن الخطر غير موجود”. والمفارقة الصعبة هنا هي أن المريض لا يتخيل. الألم حقيقي تمامًا، والشعور بالاختناق حقيقي، لكن ما يحدث هو مجرد وهم بوجود خطر مقنع للغاية. وهذا التناقض بين شدة الأعراض ونتائج الفحوصات الصحيحة يخلق حالة من القلق المستمر والخوف الدائم من تكرار النوبة. ويؤكد الحموي أن الأسباب متعددة، وغالباً ما تكون نتيجة تفاعل بين «القلق والتوتر المزمن والتعب وقلة النوم والضغوط النفسية أو المهنية وبعض الاستعدادات الشخصية»، مضيفاً: «ببساطة، تظهر نوبة الهلع عندما يصل الجهاز العصبي إلى حالة من اليقظة المفرطة». ظاهرة تتزايد بين المغاربة. وأصبحت نوبات الهلع أكثر انتشارا في المغرب في السنوات الأخيرة، بحسب العديد من المختصين. ويوضح الطبيب أن النوبة لا تأتي فجأة، بل غالبا ما تكون نتيجة لتراكم طويل من التوتر غير المعلن، والذي ينفجر في النهاية فجأة. ويعتبر الشباب العامل (بين 20 و40 عاماً) من الفئات الأكثر ضعفاً، بالإضافة إلى الطلاب وربات البيوت ورواد الأعمال. قد تصيب النوبة الشخص في أي مكان: في السيارة، في العمل، داخل المركز التجاري، أو حتى أثناء النوم. ويلعب نمط الحياة في المدن الكبرى دوراً واضحاً في هذه الزيادة بسبب تسارع وتيرة الحياة وقلة النوم، مما يجعل الجهاز العصبي في حالة تأهب دائم. كما تشير الملاحظات الطبية إلى أن النساء أكثر عرضة للإصابة بنوبات الهلع والتعبير عن قلقهن بشكل مباشر، بينما يميل الرجال إلى إخفاءه أو تأخير طلب المساعدة الطبية، مما يجعله يظهر على شكل أعراض جسدية. البعد الثقافي: بين “التوكل” والطب في المجتمع المغربي، غالبا ما تفسر هذه الأعراض المفاجئة والمخيفة بـ”التوكل” أو “العين” أو “السحر”. ويؤكد الدكتور الحموي أن هذا واقع ثقافي يتم التعامل معه بحكمة داخل العيادات. يقول الحموي: “هذا واقع ثقافي نعيشه يومياً، ومن المهم التعامل معه بحكمة، فنحن كأطباء لا نواجه المريض أو نرفض معتقداته، بل نحاول الاستماع أولاً وفهم قناعاته، ونؤكد أن الأعراض حقيقية وليست وهماً، ونشرح أن لها تفسيراً طبياً واضحاً، ونشرح للمريض أن ما يشعر به مفهوم ويمكن علاجه. والهدف هو طمأنته وتوجيهه نحو العلاج الصحيح دون أن يتعارض مع حالته”. المعتقدات.” ويوضح الطبيب أن الرسالة الرئيسية التي يركز عليها الأطباء هي أن نوبة الهلع ليست خطيرة، ولكنها تحتاج إلى علاج. ومن المفيد أنه لا يسبب الوفاة، ولا يؤدي إلى أزمة قلبية، ولا يعني فقدان العقل، ولكن إهماله قد يتسبب في تكراره ويؤثر بشكل كبير على حياة المريض اليومية. العلاج متوفر وفعال، وأبرزها العلاج السلوكي المعرفي (TCC)، والذي يعتبر من أكثر الطرق فعالية لفهم آلية النوبة وتغيير الأفكار التي تغذيها. كما تساهم تقنيات التنفس والاسترخاء في السيطرة على الأعراض أثناء النوبة، وفي بعض الحالات يمكن وصف علاج دوائي مؤقت للسيطرة على النوبات أو علاج القلق على المدى الطويل. وبعد أشهر من المعاناة والتسرع، قرر كريم أخيراً استشارة طبيب نفسي. ويبرز أهمية هذه الخطوة: “في غضون أسابيع قليلة فهمت ما كان يحدث لي، واختفت النوبات. أتمنى لو كنت أرشدني منذ البداية”. ولذلك فإن التشخيص المبكر هو المفتاح لتجنب الفحوصات غير الضرورية والقلق المطول، والتوجه مباشرة إلى الطبيب المختص. مهما عبر الجسد بقوة، يمكن للعقل أن يتعلم تهدئته، بشرط أن تكون البداية دائما بالفهم الصحيح، لأن المشكلة ليست نوبة الهلع نفسها، بل سوء فهمها.




