تونس – انشغالات الناشرين بشأن معرض تونس الدولي للكتاب

اخبار تونسمنذ ساعتينآخر تحديث :
تونس – انشغالات الناشرين بشأن معرض تونس الدولي للكتاب

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-24 12:59:00

أصدر اتحاد الناشرين التونسيين البيان التالي تحت عنوان “معرض تونس الدولي للكتاب: رعاية عالية تقابل نظام تسيير غير فعال”، يعرض فيه ما يعتبره مؤشرات على فشل معرض تونس الدولي للكتاب في دوره في السياسة الثقافية للبلاد. لقد أصبحت الفجوة بين ما هو مقصود منه وما يتم إدارته فعليا على أرض الواقع أكثر وضوحا. لم يعد من الممكن اليوم قراءة ما يحدث داخل معرض تونس الدولي للكتاب على أنه مجرد تعثر تنظيمي أو نتيجة صعوبات ظرفية يمكن التغلب عليها مع مرور الوقت، لأن ما تراكم على مدار الدورات الأخيرة لم يعد يدخل في خانة الأخطاء التي يمكن تصحيحها تدريجيا، بل أصبح انعكاسا لحالة أخطر: حالة تتعايش فيها إرادة سياسية واضحة لدعم الكتاب مع جهاز تنفيذي غير قادر على ترجمة هذه الإرادة، بل وفي كثير من الأحيان بشكل عميق. يعيق ذلك. إن الإشراف المباشر لرئيس الجمهورية، البروفيسور قيس سعيد، على افتتاح هذه التظاهرة، وإصراره على حضورها ومتابعتها، ليس تفصيلا بروتوكوليا يمكن تجاوزه. بل هو مؤشر ثقيل على أن الدولة، في أعلى مستوياتها، لا تزال تنظر إلى الكتاب كعنصر أساسي في البناء الثقافي، وتعتبر هذا المعرض موعدا يستحق الاهتمام والمتابعة. لكن هذه الحقيقة، التي من المفترض أن تكون قوة، تتحول في الواقع إلى مفارقة صادمة: كلما ارتفع مستوى الاهتمام السياسي، كلما أوضحت الفجوة بين ما يهدف إليه المعرض وما يتم إدارته فعليا على أرض الواقع. أزمة كاملة في نظام الإدارة. ولم تعد هذه الفجوة مخفية، ولم يعد من الممكن تبريرها. بل أصبح اليوم رمزاً لأزمة كاملة في نظام الإدارة. وذلك لأن ما يميز إدارة المعرض لم يعد مجرد نقص التنسيق أو ضعف الإمكانات، بل خلل بنيوي في فهم طبيعة العرض نفسه. المعرض بشكله الحالي لا يُدار كأداة للسياسة الثقافية، ولا كرافعة لقطاع اقتصادي هش يحتاج إلى تدخلات دقيقة. بل يُدار بمنطق إداري ضيق يختزل كل شيء إلى حدود «تنظيم موعد» يجب أن يمر ضمن الحد الأدنى من الانضباط الشكلي، دون النظر إلى ما بعده أو ما يصدر عنه. وهنا تكمن أولى المفارقات الكبرى: عندما يتم تخفيض حدث بحجم معرض دولي للكتاب إلى مستوى «التأمين الإداري للحدث»، فإننا لا نواجه تبسيطاً للعمل، بل إفراغاً كاملاً لوظيفته. ولا يمكن فصل ما يجري ضمن هذه التظاهرة عن طبيعة الحزب الذي يمسك بخيوطها فعلياً. المؤسسة الوطنية لتطوير المهرجانات والفعاليات الثقافية والفنية، التي من المفترض أن تعمل في حدود الدعم اللوجستي أو التنظيمي، لم تكتف بهذا الدور، بل تحولت تدريجيا إلى مركز صنع القرار الفعلي، فارضة منطقها الخاص على تظاهرة لا تنتمي، في جوهرها، إلى المجال الذي صممت من أجله هذه المؤسسة. ولا يمكن قراءة هذا التحول على أنه مجرد توسيع للصلاحيات، بل يجب فهمه على أنه انزلاق خطير في طبيعة القيادة، إذ يخضع معرض الكتاب لمنطق إدارة الأحداث، وليس لمنطق بناء السياسات الثقافية. هذا المنطق، بطبيعته، يرى في المعرض مجرد «حدث يجب إنجازه»، وليس «طريقًا يجب بناؤه». وهو منطق يعمل على الوقت القصير، على الصورة، على الاتجاه، على عدد الحاضرين، على نجاح اللحظة، دون أن يطرح السؤال الجوهري: وماذا بعد؟ ماذا يضيف هذا المعرض للقطاع؟ وكيف ينعكس ذلك على واقع النشر؟ كيف يخدم الكاتب؟ كيفية توسيع قاعدة القراءة؟ وعندما تغيب هذه الأسئلة، أو تحل محلها مؤشرات سطحية، فإن النتيجة لا تقتصر على ضعف الأداء فحسب، بل انحراف كامل في المعنى. لكن خطورة الوضع لا تقف عند حدود هذا الانزلاق في المقاربة، بل تمتد إلى طريقة استبعاد الهياكل ذات العلاقة، وأبرزها الإدارة العامة للكتاب، التي من المفترض أن تكون هي المرجعية في كل ما يتعلق بسياسات القراءة والنشر. وعندما يتم تهميش هذه الإدارة، أو دفعها إلى مرتبة ثانوية، فإن ما يحدث في الواقع هو انتزاع الاختصاص من شعبها واستبداله بقرار إداري لا يستند إلى معرفة دقيقة بالقطاع. إطار شكلي لا يعكس الواقع ولا يؤثر فيه. وهنا لم يعد الأمر مجرد خلل تنظيمي، بل أصبح قضية تمس جوهر الحوكمة الثقافية. لأن إدارة معرض دولي للكتاب لا يمكن فصلها عن الفهم العميق لديناميكيات النشر، والوعي بتعقيدات السوق، والوعي بالعلاقة بين الكتاب والمدرسة والجامعة والمجتمع. وعندما تدار هذه التظاهرة من خارج هذا الفهم فإنها تتحول حتماً إلى إطار شكلي لا يعكس الواقع ولا يؤثر فيه. ويصبح هذا الخلل أكثر وضوحا عندما ننظر إلى طريقة اتخاذ القرار داخل المعرض. فبدلاً من أن يكون هناك نظام تشاركي يقوم على التشاور مع المختصين والاستفادة من خبراتهم، نجد أنفسنا أمام أسلوب إدارة يتجه نحو الانغلاق، حيث تتخذ القرارات في دوائر ضيقة ثم تعرض على بقية الأطراف كأمر نهائي غير قابل للتفاوض. وهذا الأسلوب لا يعيق إمكانية التطوير فحسب، بل يخلق شعورا عاما بالإقصاء، ويجعل المعرض يفقد شرعيته المهنية. ولعل أخطر ما في هذا المسار هو أنه لا ينتج ضعفا في التنظيم فحسب، بل ينتج أيضا قطيعة حقيقية بين المعرض والقطاع الذي من المفترض أن يخدمه. فالناشر، وهو الفاعل الأساسي في هذا النظام، لا يجد نفسه شريكاً في القرار، بل مجرد طرف مطالب بالالتزام بشروط لم يشارك في صياغتها. فالكاتب الذي يفترض أن يكون في قلب التظاهرة، يتحول إلى عنصر ثانوي في برنامج لا يعكس بالضرورة أولوياته. أما القارئ فيختزل إلى رقم مضاف إلى الإحصائيات، من دون طرح مسألة بناء علاقة مستدامة معه جدياً. في ظل هذا الوضع، يصبح من الطبيعي أن يتراجع تأثير المعرض، ليفقد قدرته على الجذب تدريجياً، وتتآكل مكانته ضمن المشهد الثقافي. لأن المظاهرات لا تقاس بحجمها الظاهري فحسب، بل بقدرتها على إنتاج قيمة مضافة وخلق ديناميكية تمتد إلى ما هو أبعد من نهايتها. لكن ما يزيد من خطورة هذا التراجع هو غياب الآليات الحقيقية لتشخيصه. لا توجد تقارير مفصلة تنشر بعد كل جلسة، ولا مؤشرات دقيقة يمكن من خلالها قياس النتائج، ولا مراجعة جدية للأخطاء. وهكذا يتحول الفشل إلى حالة من عدم التسمية، وتراجع إلى واقع غير معترف به، وتستمر نفس الأخطاء في تكرارها دون أي محاولة حقيقية للتصحيح. لقد أصبحت القرصنة تهديدا مباشرا لاستمرارية النشر، ولا يمكن في هذا السياق تجاهل أحد أخطر الملفات التي تثقل كاهل القطاع، وهو ملف القرصنة الذي لم يعد مجرد ظاهرة هامشية، بل أصبح يشكل تهديدا مباشرا لاستمرارية النشر. إن انتشار النسخ غير القانونية، سواء داخل المعرض أو خارجه، في ظل ضعف الردع وغياب التنسيق الفعال، يبعث برسالة واضحة مفادها أن حماية الحقوق ليست أولوية. ويزداد الأمر خطورة عندما نشير إلى أن غياب المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة عن اللجنة المنظمة للمعرض في الدورات الأخيرة مثّل أحد العوامل التي ساهمت في تفاقم هذه الظاهرة، لأن إخراج الهيئة المختصة قانونيا ومهنيا بحماية حقوق المؤلفين والناشرين من موقع القرار والمتابعة يفرغ الرقابة على محتواه، ويضعف آليات التدخل، ويمنح متعدي الحقوق هامشا أوسع للإفلات من المتابعة والردع. وهذه الرسالة في حد ذاتها قادرة على تقويض أي محاولة لبناء صناعة نشر مستقرة. وأمام تراكم الاختلالات هذا، يصبح من غير المقبول الاستمرار بالخطاب التبريري نفسه، أو الاكتفاء بالحديث عن «نجاح الجلسة» وفق معايير لا تعكس الواقع. لأن الإصرار على تقديم صورة إيجابية في ظل غياب نتائج حقيقية لا يصلح الوضع، بل يديم الأزمة ويؤجل مواجهتها. تتطلب اللحظة الحالية وضوحًا أكبر في التسمية. إن ما يحدث ليس مجرد فشل، بل هو استمرار العجز عن إدارة التظاهرة الوطنية وفق معاييرها. ومن غير المقبول أن يستمر هذا العجز تحت غطاء الرعاية الأعلى، لأن ذلك لا يضر بالمعرض فحسب، بل يضعف مصداقية النظام الذي من المفترض أن ينفذ هذه الرؤية. إعادة إنتاج نفس النموذج رغم فشله الواضح. ولا يمكن تفسير استمرار هذا الوضع إلا بغياب المساءلة، وضعف آليات التقييم، والقبول الضمني بإعادة إنتاج النموذج نفسه رغم فشله الواضح. وهذا ما يجعل الإصلاح قضية ملحة لا تحتمل التأجيل. المعرض في النهاية ليس مجرد موعد سنوي، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة أحد أهم رموزها الثقافية. وإذا لم تتم مراجعة هذا المسار بشكل جدي وجذري، فلن تكون الخسارة على مستوى التظاهر فقط، بل على مستوى صورة الثقافة نفسها داخل الوطن. إن ما يقترح اليوم ليس تحسيناً جزئياً، ولا تعديلاً رسمياً، بل إعادة بناء كاملة لنظام الإدارة، على أسس واضحة: إعادة الولاية القضائية إلى شعبها، وتأسيس حوكمة فعالة، وضمان المشاركة الحقيقية للمهنيين، وربط المعرض بسياسات مستدامة تتجاوز زمن التظاهر. وما لم يتم تحقيق ذلك، فإن كل دورة جديدة لن تكون أكثر من إعادة إنتاج للمشهد نفسه: افتتاح رسمي ذو أهمية قوية، يقابله أداء ضعيف في العمق، وفجوة أوسع وأوسع بين ما يهدف هذا المعرض أن يكون عليه، وما يُسمح له أن يصبح عليه.