اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-26 11:34:00
مرسيليا – لم تكن الأمسية التي أقامتها مكتبة الفعل العربي في مرسيليا (BAAM) مجرد لقاء أدبي مع الشاعر السوداني عالم عباس، بل كانت موعداً مع صوت شعري يحمل هموم وطن يئن تحت وطأة الحرب والانقسام. ومن خلال قصيدته الطويلة “وطن يباع ويشترى وهكذا”، قدم الشاعر شهادة شعرية مؤلمة عن السودان، مزج فيها الغضب والحب، والذاكرة والأمل. جمال قتالي منذ البداية. علم عباس يرسم صورة لوطن أنهكته المآسي. يقول: «نامت على وسائد الشوك، فطعنها الظلم». بهذه الصورة الشديدة يتحول الوطن إلى كائن حي يتألم، يحمل جراحه بصمت ويقاوم الانكسار. الوطن في القصيدة ليس الجغرافيا فحسب، بل الذاكرة والهوية والشخص أيضًا. وتتسع دائرة الألم عندما يتحدث الشاعر عن الخوف والرقابة، إذ يصور واقعا تتسلل فيه أجهزة المراقبة إلى أصغر تفاصيل الحياة، في استعارة شعرية تكشف مدى القمع الذي يصيب الإنسان حتى في أكثر لحظاته الخاصة. ويحتل النيل مكانة محورية في النص، لكن الشاعر يقلب رمزيته التقليدية قائلا: “لهذا السبب أصبح هذا النيل قبرا أزرق”. ويصبح النيل، الذي ظل عبر التاريخ رمزا للحياة والخصوبة، شاهدا على أمة أكلها العنف، حتى تبدو الخرطوم نفسها مدينة فقدت براءتها. ولا يكتفي علم عباس بإدانة الحرب، بل يوجه نقدا أخلاقيا عميقا للمجتمع، متشككا في فقدان القيم التي شكلت هوية السودان عبر تاريخه. ويتلخص هذا التحول المؤلم في قوله: «صار الفخار عاراً.. ثم استبدلت مكرماته بالدناءة». وهي ليست مرثاة سياسية فحسب، بل هي محاسبة قاسية للنفس، يحمل فيها الشاعر الجميع مسؤولية ما آلت إليه البلاد، وهو ما يعبر عنه بمرارة عندما يقول: “تبا لهم.. تبا لنا”. ورغم هذا الغضب، يبقى حب الوطن هو النغمة السائدة في القصيدة. والسؤال الذي يتكرر فيه: “هل هذا هو الوطن؟” أم هذا هو الكفن؟ ليس إعلاناً لليأس، بل صرخة عاشق يرى وطنه مختطفاً أمام عينيه. ولكي يؤكد أن السودان أكبر من مأساته الحالية، يستذكر علم عباس لحظات مشرقة من تاريخه، من كرري إلى سنار، ومن علي دينار إلى عثمان دقنة، مستحضراً رموز المقاومة والكرامة الوطنية، في مواجهة حاضر يراه مثقلاً بالخيبة. لكن القصيدة لا تنتهي بالرثاء. وفي خاتمتها يفتح الشاعر نافذة للأمل مخاطباً وطنه: «علمتنا يا وطن الصباح.. فن النهوض من الجراح». بهذه الكلمات يؤكد عالم عباس أن الشعر ليس صرخة على الأطلال، بل هو فعل مقاومة، وإيمان بأن الأوطان مهما ثقلت الجراح، قادرة على إعادة الحياة. وأتاحت الأمسية التي نظمتها مكتبة الفعل العربي بمرسيليا، للجمهور فرصة الالتقاء بأحد أبرز الأصوات الشعرية السودانية المعاصرة، كما أكدت على أن الكلمة الصادقة تظل قادرة على مقاومة النسيان والحفاظ على ذاكرة الشعوب في أحلك لحظاتها. علم عباس مع جمال قتلة. نبذة عن الشاعر: يعتبر علم عباس من أبرز الأصوات الشعرية في السودان والعالم العربي. وهو معروف بقصائده التي تجمع بين الحداثة الشعرية والالتزام بالقضايا الإنسانية والوطنية، إذ يحتل السودان بتاريخه وآلامه وآماله مكانة مركزية في تجربته الإبداعية. نُشرت أعماله في العديد من الصحف والمجلات العربية، وشارك في مهرجانات ومنتديات أدبية داخل السودان وخارجه. ويُنظر إليه كشاعر يجعل من الكلمة موقفاً، ومن الشعر مساحة للدفاع عن الحرية والكرامة والذاكرة. شغل منصب رئيس اتحاد الكتاب السودانيين لفترتين


