اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-26 09:32:00
إدارة الأزمات لا تقتصر فقط على الإعلان عن موجة حر استثنائية، أو التدخل السريع عند نشوب حريق، أو إعادة المياه والكهرباء بعد انقطاعها. ليس بالضرورة أن تبدأ الأزمة لحظة وقوع الحدث، ولا تنتهي بمجرد السيطرة عليها. وبين ظهور الخطر وعودة الحياة إلى طبيعتها، هناك نظام كامل من الاستعداد والوقاية والتنسيق والتدخل والتواصل ثم التقييم واستخلاص الدروس. ولعل الأحداث الأخيرة، وما رافقها من حرائق واضطرابات وتعطيل لبعض الخدمات الأساسية، تطرح سؤالا يتجاوز كل حادثة بعينها: هل لدينا ثقافة ونظام لإدارة الأزمات اليوم في تونس، أم أننا لا نزال نعتمد بالدرجة الأولى على التدخل السريع بعد وقوع الحدث؟ العقيد محسن بن عيسى * هذا السؤال ليس اتهاماً لمؤسسة، ولا مرافعة لصالح جهة، ولا تعليقاً على حادثة معينة. إنه سؤال هادئ عن طريق طويل، وعن قدرتنا على الانتقال تدريجياً من منطق رد الفعل إلى منطق الاستعداد. من ملف الطوارئ إلى ثقافة الاستعداد، لم تصل إدارة الأزمات إلى شكلها الحالي دفعة واحدة. في المرحلة الأولى، في دولة الاستقلال، تم التعامل مع الحالات الاستثنائية في إطار ما عرف بـ”ملف الطوارئ” داخل الهياكل الأمنية. ويعكس هذا حاجة أساسية لتنظيم التدخل في الأحداث غير العادية، في وقت كانت الاستجابة فيه تعتمد إلى حد كبير على تعبئة الوسائل عند وقوع الحدث. ومع إنشاء الدفاع المدني عام 1975 على شكل إدارة فرعية تابعة للإدارة العامة للحرس الوطني، تطور هذا المسار. ومع تراكم الخبرات وتنوع المخاطر، أصبحت الحاجة واضحة إلى تجاوز تدخل كل مؤسسة في حدود اختصاصها، نحو منظمة تحدد الأدوار وتضمن التنسيق بين مختلف الأطراف المعنية. وفي هذا السياق، بدأ الحديث منذ بداية الثمانينات عن الاستفادة من التجارب المقارنة، بما فيها التجربة الفرنسية في تنظيم الاستجابة للكوارث، ولا سيما مخطط “منظمة الاستجابة للأمن المدني” (Orsec) المعتمد منذ عام 1952، ليس كنموذج جاهز لنقله كما هو، بل كتجربة يمكن أن تساعد في تطوير التفكير في تنظيم الاستجابة. أذكر هذه التجربة اليوم ليس من باب الحنين إلى الماضي، ولا باعتبارها محطة أمنية عشناها، بل لأنها تعكس سؤالا ظل حاضرا في جوهره: كيف ننتقل من التدخل عند وقوع حدث إلى الاستعداد له مسبقا؟ وكيف ننتقل من تدخل كل طرف في حدود إمكانياته إلى تنظيم يضمن التكامل والتنسيق؟ إن أهمية التجارب المقارنة لا تكمن في نقل نماذجها كما هي، بل في فهم منطق تطورها وتكييف ما يمكن تعلمه منها مع واقعنا. ومن هنا فإن الانتقال من «ملف الطوارئ» إلى نظام أكثر تنظيماً لا يعني التخلي عن أهمية التدخل الميداني، بل يعني أن سرعة التدخل يجب أن تكون على أساس الاستعداد والتخطيط والتنسيق. من الاستجابة لحادث ما إلى إدارة أزمة معقدة تشكل الأحداث الأخيرة تحديًا إضافيًا. فالنار، على سبيل المثال، لا يجوز أن تظل مجرد نار. وقد يؤدي إلى إجلاء السكان، وتعطيل الطرق، والضغط على المرافق الصحية، وتعطيل إمدادات المياه أو الكهرباء، وزيادة الحاجة إلى المعلومات والتوجيه. وهنا ننتقل من إدارة الحادث إلى إدارة الأزمة المعقدة. ولا يقتصر المطلوب على إطفاء الحريق، مهما كانت أهميته، بل يشمل أيضًا حماية السكان، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، والتنسيق بين مختلف الجهات المعنية، وتوفير المعلومات اللازمة في الوقت المناسب. عند هذه النقطة تطرح أسئلة عملية لا يمكن الإجابة عليها إلا أثناء الأزمة: من يقود؟ من يتدخل؟ من ينسق؟ من يملك المعلومات؟ ومن يعتني باستمرارية الماء والكهرباء؟ كيف يتم إبلاغ السكان؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة مقدما هي جوهر الاستعداد. إن إدارة الأزمات، في جوهرها، تقوم على دورات مترابطة: الوقاية والترقب، ثم الاستجابة والتدخل، يرافقها تواصل واضح وموثوق، يليه تقييم ما حدث واستخلاص الدروس. الخطة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. ولا تصبح الوثيقة نظاماً إلا عندما يعرف كل طرف دوره، وتكون المسؤوليات واضحة، وتوجد قنوات اتصال فعالة، ويتم اختبار التنسيق بين مختلف الأطراف قبل حدوث الأزمة. وهذا يتطلب التدريب والتمارين وتبادل المعلومات ومعرفة نقاط الضعف وتحديد الموارد المتاحة ودمج مختلف الأطراف التي قد يكون لها دور في حماية السكان واستمرار الخدمات الأساسية. كما يتطلب تطوير ثقافة الأمن المدني أو المجتمعي، ولا يقتصر على وكالات التدخل وحدها. فالمؤسسات العامة والقطاع الخاص والسلطات المحلية ووسائل الإعلام والمواطنون، جميعهم، بدرجات ومسؤوليات مختلفة، جزء من البيئة العامة لإدارة الأزمات. من سرعة التدخل إلى بناء نظام إدارة الأزمات. سرعة التدخل ضرورية، وهي جزء من تقاليد العمل الميداني وروح المسؤولية. ولكن عالم اليوم، بما يتسم به من تعقيد المخاطر والأزمات المتداخلة، يتطلب أكثر من مجرد التدخل السريع بعد وقوع الحدث. لا ترتبط إدارة الأزمات بالأساليب الميدانية وحدها. لقد أصبحت المعلومات والتحليل والخبرة والقدرة على تفسير الأحداث عناصر أساسية في إدارة الأزمات. ويبدو أن البداية الحقيقية لاعتماد مصطلح “إدارة الأزمات” تعود إلى تشرين الأول/أكتوبر 1962، بمناسبة أزمة الصواريخ الكوبية، عندما بدأ لأول مرة إعطاء طابع أكثر تنظيماً وصياغة لهذا المفهوم. كانت إدارة الأزمات في البداية مخصصة للمجال السياسي، وعلى نطاق أوسع للمجال العسكري. ولم تنتقل إدارة الأزمات المدنية فعلياً إلى جوهر التاريخ الحديث إلا بعد الصدمات الكبرى التي تمثلت في كارثة تسرب غاز بوبال عام 1984 في الهند، ومن ثم كارثة تشيرنوبيل النووية الإشعاعية في أوكرانيا عام 1986. ولذلك، عند حدوث الأزمات، هناك حاجة إلى إعادة تأهيل المؤسسات الإعلامية والأكاديمية، ودعم المنصات الفكرية التي تجمع الكفاءات وذوي الخبرة السليمة. المطلوب ليس إنتاج خطاب نخبوي مغلق، بل تقديم معرفة علمية واضحة وموثوقة، قادرة على الوصول إلى الجمهور الواسع. إن مواجهة ما يمكن أن نطلق عليه “فوضى الخبراء”، في هذا السياق، لا تتم من خلال استبعاد النقاش العام، بل من خلال توفير بديل أكثر جدية: المؤسسات والمنصات التي تجمع خبرات فرق العمل، وتتحقق من المعلومات، وتشرح للناس تعقيدات الواقع بلغة مفهومة. عندما تختلط الأخبار بالرأي، والتحليل بالتخمين، والتجربة الحقيقية بالضجة، فإن فوضى المعلومات نفسها قد تتحول إلى عنصر من عناصر الأزمة. ويصبح هذا التلوث أكثر خطورة عندما يتحول «الجالون» من رمز المسؤولية واحتياطي الميدان إلى أساس للخوض في أحاديث تتجاوز نطاق الاختصاص. تمنح الرتبة سلطة اتخاذ القرار في الميدان، لكنها لا تمنح سلطة المعرفة في المجال العام، وكلما ارتفعت الرتبة، زادت ضرورة الامتناع عن التعرض لوسائل الإعلام. لذلك فإن بناء ثقافة إدارة الأزمات يتطلب التمييز الدقيق بين سلطة الميدان وسلطة المعرفة، حتى لا تفرغ الصفوف من معناها، ولا تترك الأزمات لـ«فوضى الخبراء» والمضاربات. وبهذا المعنى، ينبغي لنا أن نسأل بموضوعية: ما الذي نجح؟ ما تعثرت؟ أين كان التنسيق جيداً؟ أين ظهرت الصعوبات؟ هل كانت المسؤوليات واضحة؟ هل كانت المعلومات متاحة؟ هل كانت الخدمات الأساسية قادرة على الصمود؟ إن المجتمع الذي يواجه الأزمات دون أن يتعلم منها قد يجد نفسه يكرر نفس الصعوبات، وهو ما يحدث لنا حالياً تقريباً. إن المجتمع الذي يحول كل تجربة إلى معرفة يبني تدريجيا قدرا أكبر من المرونة والاستعداد. وبعد مرور أكثر من أربعة عقود على المناقشات الأولى حول الاستفادة من التجارب المقارنة، والتجربة الميدانية في تقديم مخطط لتنظيم الاستجابة، يبدو أن السؤال لم يفقد أهميته، بل أصبح أكثر إلحاحاً مع تعقد المخاطر وتداخل الأزمات. والسؤال اليوم ليس فقط: هل لدينا من يتدخل عند وقوع الكارثة؟ بل: هل لدينا نظام كامل يستبق الخطر، ويستعد له، وينسق الرد عليه، ويتواصل بوضوح أثناءه، ثم يتعلم منه بعد انتهائه؟ ولعل هنا تكمن القيمة الحقيقية للأحداث الأخيرة: ليس فقط أننا نتغلب عليها، بل إننا نتعلم منها. كل أزمة، مهما كانت صعبة، يمكن أن تكون فرصة لتحسين الاستعداد، وتوضيح الأدوار، وتعزيز التنسيق، واستعادة الخبرات، وبناء قدرات وطنية أكبر لمواجهة المستقبل. *ضابط متقاعد في الحرس الوطني.




