تونس – فلسطين ومسؤوليات الصمت

اخبار تونسمنذ ساعتينآخر تحديث :
تونس – فلسطين ومسؤوليات الصمت

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-28 13:19:00

وفي غزة، لم تعد الكارثة الإنسانية تمثل حالة طوارئ؛ لقد أصبحت دولة في حد ذاتها. غير أن تراكم الحقائق يكشف شيئا فشيئا حقيقة أخرى أعمق: حقيقة الاختيارات السياسية، والولاءات الصارمة، والصمت المدروس بعناية. ولم يعد وصفها بالمأساة كافيا؛ وأصبح من الضروري تحديد من صنعها ومن شارك في استمرارها. د. معز بن خميس في غزة الواقع لم يعد محل نقاش؛ بل أصبح عبئاً يثقل الضمير. أكثر من 72 ألف قتيل، و170 ألف جريح – وفي قلب هذا العدد الهائل، تُهدر أرواح بأكملها، وتُمحى طفولة، وتُقتلع عائلات بأكملها من الوجود. ولا يقتصر الأمر على اختفاء الأفراد فحسب، بل تتفكك ملامح مجتمع بأكمله أمام أعيننا يوما بعد يوم. أما الأرض فقد تُركت لآلة التدمير المنهجي. تم إسكات المستشفيات، وتحولت المدارس إلى جروح مفتوحة، وسُويت شبكات الحياة الأساسية بالأرض. ليس هناك ما يكفي من المياه، ولا يتوفر العلاج، والمجاعة تزحف بصمت. ويضطر السكان -وأغلبهم نزحوا- إلى التجمهر في مكان خانق، هاربين من ظلال الموت دون أي مخرج. القانون يواجه هشاشته. وأمام هذا المشهد تتضاعف التحذيرات، ثم تتلاشى. المنظمات الدولية، الخبراء القانونيون، المراقبون: الكل يوثق، والكل يحذر، والكل يستنتج أن هناك انتهاكات متكررة للقانون الدولي الإنساني. وتزداد المفردات: الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. ولم تعد مجرد اتهامات يتم توجيهها، بل أصبحت موضوعات تتم دراستها ومناقشتها أمام القضاء الدولي. والأمم المتحدة بدورها تحذر. ومع ذلك، كلما أصبح القانون أكثر وضوحا، أصبح تأثيره أقل وضوحا: حيث يتم الاستناد إليه في كثير من الأحيان ونادرا ما يتم تنفيذه. استقرار الدعم وركود القوى، لكن ما يحدث لا يعتمد على الحقائق وحدها، بل على الإرادات التي تحيط بها: دعم أو صمت أو تواطؤ. وفي الولايات المتحدة، استمر الدعم في عهد جو بايدن ثم دونالد ترامب، والذي تجسد في الإمدادات العسكرية والحماية الدبلوماسية عبر حق النقض. وفي المملكة المتحدة، واصل ريشي سوناك وخلفاؤه نفس النهج. وفي فرنسا، يتأرجح الخطاب بين الإدانة والمناصرة والقلق، دون أن يصل إلى القطيعة. تتغير اللغة، لكن الموقف يبقى كما هو. وعلى الأرض، يواصل بنيامين نتنياهو عملياته العسكرية، وكأنهم يتحركون خارج أي قيد سوى إرادتهم. ظل الصراع المتسع، ومع الوقت يخرج الصراع من حدوده الضيقة. وفي الجنوب اللبناني يتسع نطاق الاشتباكات وتتراكم الخسائر. ويتضاعف الضحايا، كما تتضاعف موجات النزوح. وما كان من المفترض أن يبقى حرباً محصورة يهدد الآن بالتحول إلى شرارة إقليمية واسعة. التاريخ هنا لا يتقدم. بل يتوسع. صمت عربي مجزأ ومن ناحية أخرى، يبرز واقع آخر: عالم عربي محافظ سياسيا، حاضر في الإدانة، وغائب في العمل. البيانات موجودة، ولكن دون تأثير. فالانقسامات الداخلية، والحسابات الدقيقة، والتوازنات الهشة، كلها تُبقي الوضع في حدود الأقوال وليس الأفعال. يتحرك الإدانة، لكن القرار يختفي. البلاغة هي الملاذ الأخير، وفي النهاية تبقى اللغة فقط. لكن في بعض الأحيان يتحول إلى شكل من أشكال التعبير الملطف. عندما نقول “صراع” أو “رد” أو “اشتباكات” فقد قمنا بتسوية اللامساواة، وخلقنا توازناً لفظياً لا وجود له في الواقع. التسمية ليست محايدة. إنه عمل حاسم. وعلى العكس من ذلك، فإن التعبير اللغوي الملطف لا يخفف من الحقيقة، بل يغلفها بطبقة تجعلها أكثر قبولاً مما ينبغي. النظام الدولي يخضع للاختبار. ما يحدث يتجاوز غزة. فهو يكشف عن بنية النظام الدولي نفسه – مبادئه وتناقضاته. لماذا تُقابل بعض المخالفات بعقوبات فورية، بينما تُقابل مخالفات أخرى بالبيانات فقط؟ لماذا تختلف درجات الاستعجال حسب الوجهة وليس الإجراء؟ ومن هنا يأتي شعور متزايد: قانون غير متكافئ، وعدالة انتقائية، ونظام معياري ذو هندسة متغيرة. تسمية المسؤوليات يجب الوصول إلى هذه النقطة: عدم الاكتفاء بالحقائق، بل مساءلة ما يجعلها ممكنة. فالقرارات السياسية، والفيتو الدبلوماسي، والدعم العسكري، والحسابات المحسوبة، والصمت المتعمد – ليست خلفية المشهد، بل هي جزء من بنيته. التاريخ لا يقتصر على من فعل ذلك، بل يشمل أيضًا من سمح له بذلك. في غزة كل شيء واضح: الحقائق موثقة، والتحذيرات صدرت، والمؤسسات تحركت. لكن ما لا يزال مفقودًا هو القرار، والاستراحة، والعمل. ويبقى السؤال عارياً ومباشراً: ماذا سيفعل من يملكون القدرة على الفعل عملياً؟ أرقام القطاع الصحي الرسمية: بلغ عدد المستشفيات في غزة حوالي 36 مستشفى. من 14 إلى 17 لا تزال تعمل بشكل جزئي فقط. أكثر من 650 هجمة على المرافق الصحية. التعليم: حوالي 95% من المدارس تضررت أو دمرت. تأثر أكثر من 90% من البنية التحتية التعليمية. انهيار شبه كامل للمنظومة التعليمية. المساجد والأماكن الدينية: تم تدمير حوالي 823 مسجداً. ولحقت أضرار بعدد كبير من الكنائس والمواقع التاريخية. البنية التحتية: 80-90% من المباني متضررة أو مدمرة. تم تدمير أكثر من 102 ألف مبنى بالكامل. 85% من شبكات المياه والصرف الصحي خارج الخدمة. 62% من الطرق مدمرة. انهيار شبه كامل للبنية التحتية. المقال فلسطين ومسؤوليات الصمت ظهر للمرة الأولى على موقع تونس نيوز.