اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-21 00:35:00
*بقلم فهيم بوكدوس العظمة ولا تزال عدد من المدن التونسية تعيش منذ أمس الاثنين تحت وطأة أمطار غزيرة تتسع ساحتها وتتعمق آثارها ساعة بعد ساعة، مما يكشف مدى الهشاشة التي وصلت إليها قدرة الدولة على تدبير المخاطر وحماية المواطنين في اللحظات الحرجة. وفي قلب هذه الأزمة، يبرز ارتباك السلطة التنفيذية وصمتها الجزئي كواحدة من أخطر سمات الكارثة، ليس كعيب ثانوي، بل كعنصر فعال في تعقيد الوضع. وحتى هذه اللحظة، لم تقدم السلطة بياناً رسمياً واضحاً وشاملاً يواجه الرأي العام بحقيقة ما يحدث، ولم تعلن بشكل واضح عن الخسائر البشرية، رغم تداول معطيات ميدانية مثيرة للقلق وعزل مناطق بأكملها. وهذا الغموض في التواصل، في أوقات الكوارث، لا يمكن تبريره بالحذر أو انتظار البيانات النهائية، لأنه في مثل هذه الظروف يصبح الحق في الحصول على المعلومات جزءا لا يتجزأ من الحق في الأمان. عندما تغمر المياه أحياء سكنية وتغلق الطرق وينقطع الوصول إلى أحياء بأكملها، فمن واجب السلطة التنفيذية أن تتواصل بشكل منتظم وشفاف وبخطاب موحد يشرح ما يحدث ويحدد مناطق الخطر ويوجه سلوك المواطنين. أما الصمت، أو التقارير المختصرة والمتأخرة، فلا ينتج عنها إلا الخوف، وتفتح المجال للشائعات، وتضعف الثقة بالدولة كمؤسسة قادرة على القيادة في الأزمات. ويزداد خطورة هذا الإهمال عندما ينظر إليه في سياق التحذيرات السابقة التي صدرت قبل أكثر من عام حول مخاطر العواصف والفيضانات، دون أن تقابلها إجراءات وقائية أو استعدادات جدية. إن عدم الترقب قبل الكارثة، ثم الارتباك خلالها، يكشف عن نمط متكرر في إدارة الشأن العام، يقوم على رد الفعل لا التخطيط، وعلى احتواء النتائج لا منع الأسباب. وهو نمط يضع المواطن في مواجهة الخطر بوسائله الخاصة، في ظل شعور متزايد بأن الدولة متخلفة عن الحدث أو غير قادرة على مواكبته. وفي هذا الفراغ التواصلي، برز دور الإعلام، وخاصة الإعلام العمومي، الذي وجد نفسه في موقف غامض بين واجب إعلام المواطنين ونقل ما يحدث، وحدود دوره الذي يجب ألا يتجاوزه. إن وسائل الإعلام، مهما عظم حضورها الميداني أو كثافة بثها، لا يمكنها أن تصبح بديلا للاتصال الحكومي، ولا يمكنها أن تتحمل مسؤولية تفسير الواقع أو توجيه السلوك العام نيابة عن السلطة التنفيذية. إن إسناد الدور القيادي لوسائل الإعلام الرسمية لحظة الكارثة هو في حد ذاته اعتراف ضمني بفشل السلطة في أداء واجبها الإعلامي والسياسي. إن دور وسائل الإعلام العامة أساسي في نقل المعلومات وبث التنبيهات وإعطاء الكلمة للخبراء والمتضررين، لكنه يبقى وسيطا وليس صانع قرار وناقلا وليس سلطة سيادية. وعندما يُترك وحيداً في الواجهة، من دون بيانات رسمية دقيقة، أو من دون خطاب حكومي واضح، فإنه يضطر إلى ملء فراغ ليس له، مع مخاطر الارتباك والتأويل والتأويل في لحظة لا تحتمل الارتجال. إن الأزمة الطبيعية التي نعيشها اليوم ليست مجرد اختبار لقدرة الطبيعة، بل هي اختبار حقيقي لمدى تحمل السلطة التنفيذية لمسؤولياتها الدستورية والأخلاقية في القيادة والتواصل والشفافية. فالدولة لا تقاس بعدد الآليات الموجودة في الميدان فحسب، بل بقدرتها على الظهور كمرجع وحيد وواضح للمعلومات والقرارات. وأي محاولة للتعويض عن غيابه إعلاميا، مهما كانت نوايا الأخير، لا تعني إلا شيئا واحدا: أن الخلل في السلطة وليس كوارث طبيعية”. * النقابي والناشط الحقوقي فهيم بوكدوس المدير التنفيذي لنقابة الصحفيين.



