تونس – قرقنة: الطبيعة في أنقى صورها

اخبار تونس26 يوليو 2026آخر تحديث :
تونس – قرقنة: الطبيعة في أنقى صورها

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-26 18:35:00

وعلى بعد حوالي عشرين كيلومتراً من صفاقس، أي مسافة ساعة واحدة تقريباً، تقع جزر قرقنة، وهي أرخبيل من الجزر المنخفضة المحاطة بالمياه الضحلة. والعبارة التي تربطها بالبر لا تصل إلا من الجهة الجنوبية عبر ميناء مليتة بالجزيرة الغربية. وفي الشمال، في مينائي القرطان والعطايا، ترسو فقط قوارب الصيادين المحليين. يعتقد الكثيرون أن قرقنة ما هي إلا جزيرة واحدة تتكون من جزأين يفصل بينهما جسر صغير: جزيرة مليتة وهي الأصغر، وجزيرة الشرقي وهي الأكبر، وتضم عدة قرى أهمها الرملة. لكن في الواقع، يضم الأرخبيل أيضًا عددًا من الجزر الصغيرة غير المأهولة، مثل سافنو، والشرمادية، والقرمدي، والرمادي. في هذه البقعة الصغيرة، بعيدًا عن صخب البر الرئيسي، يجد الزائر صفاءً وهدوءًا نادرًا. وهنا، في هذا المكان المحدود المساحة، يكتشف الإنسان اتساع العالم من جديد، ويعيد النظر في تصوراته التي كثيراً ما تبالغ في تقدير الأمور أو التقليل منها. ولا تتجاوز مساحة الجزر حوالي خمسة عشر ألفاً وسبعمائة هكتار، ويبلغ طولها حوالي خمسة وأربعين كيلومتراً، وأقصى عرض لها أحد عشر كيلومتراً، أما أعلى ارتفاع لها فلا يتجاوز ثلاثة عشر متراً. وفي هذه الطبيعة الخلاقة، أو “الطبيعة الخلّاقة” كما يسميها الفلاسفة، والتي تلد كل تجليات الكون المرئية، يجد الزائر مناظر آسرة وأحلاماً لا نهاية لها. طوبى لمن يزور قرقنة. وهناك يدرك الإنسان أن العين ترى في الآخرين جوهرهم، بينما ترى في نفسها المظهر الخارجي فقط. ومعرفة الحقيقة تحتاج إلى نظرة من القلب، وليس من العين وحدها. ومن ثم تنكشف المعاني العميقة، وتظهر الحكمة المتأصلة في الثقافة الشرقية، حيث يستعيد الإنسان المعنى الحقيقي للبركة. إن بقاء الإنسان صادقًا مع نفسه هو أعظم قوة. وكان السلف يقولون: “من وطأت قدمه أرض قرقنة بارك الله فيه”، لأن من زارها وقع في حبها ولا يستطيع أن يغادرها. ولذلك يعتبرها الكثير من المؤرخين المكان الأجدر أن تكون جزيرة أكلة اللوتس المذكورة في الأساطير القديمة. سحر الحياة في الجزيرة: أشجار النخيل تقف شامخة، وتتدلى في قممها أواني فخارية يجمع فيها اللقمي، عصير النخيل الحلو، الذي يعتبر من ألذ المشروبات، خاصة في الساعات الأولى من الصباح. ويشربه الناس في ظلال النخيل قبل خروج الصيادين إلى البحر، أو انشغالهم بإصلاح قواربهم الطويلة الضيقة الراسية على الشاطئ، والتي لا تحمل أشرعة ولا مجاذيف. مع وجود ضوء مصباح صغير لا يزال مضاءً فوق السارية، تبدأ رحلة الصيد مع أول إشارات الفجر. تعتبر أشجار النخيل نعمة حقيقية لأهل قرقنة، فهي مصدر خير لا ينضب. ويأكلون ثمارها التي تمدهم بالطاقة، ويشربون عصيرها المنعش. كما أنهم يستخدمون سعفها لصنع معدات صيد الأسماك. تُستخدم السعف بأوراقها في صناعة الفخاخ، ولكن بعد تجريدها من أوراقها تصبح أعواداً متينة تستخدم في أنشطة الصيد المختلفة. كما يعتمد السكان على العنب والتين والتمر في غذائهم. إلا أن الفاكهة المفضلة لدى كثيرين منهم كانت التين الشوكي، الذي كان ينمو بكثرة على أطراف الحقول المزروعة بالتين والكروم. لكن مع توسع العمران وانتشار البناء الخرساني بسرعة كبيرة، اختفت مساحات واسعة من هذا المصنع الذي كان يوما من أبرز معالم جزر قرقنة. على شاطئ البحر، لا تزال مناطق واسعة تُرى أحيانًا مغطاة بأعواد الحلويات التي تُترك لتجف تحت أشعة الشمس الحارقة. يتم جلب هذا النبات من البر الرئيسي حيث يعتمد سكان جزر قرقنة على أوراقه في صناعة منتجات الحلفاء التقليدية. وتوفر حلفا مصدر رزق إضافي للكثير من الناس، حيث تصنع منها الحبال والسلال والسلال وأكياس عصر الزيتون، وهي أدوات تستخدم في الحياة اليومية أو تنقل إلى البر الرئيسي لبيعها لمعصرة الزيت، وهي كثيرة خاصة في صفاقس. كما تستخدم بعض هذه المنتجات في مداخل المنازل كسجاد صغير، أو تعلق داخل المنازل للزينة، إلى جانب الدرنات وهي مصائد الأسماك التقليدية. وتصنع الدرنة من سعف النخيل على شكل شبكة مستطيلة، مثبتة على حلقات مصنوعة من أجزاء ليفية من سعف النخيل، ويتكون قاعها من شبكة من السالي تفتح بحبل صغير، أما الجزء العلوي فيأخذ شكل قمع ينتهي بحزمة تمنع خروج الأسماك التي تدخلها. وتستخدم هذه الدرنات داخل مصائد الصيد الثابتة المعروفة بالشرفي، وهي عبارة عن حواجز مصنوعة من سعف النخيل تزرع في قاع البحر لتحديد مساحة معينة، حيث توجه الأسماك مع حركة المد نحو غرف الصيد التي توضع فيها الدرنات. يتقن سكان قرقنة فن الصيد التقليدي، ويستطيعون الحصول على كميات وفيرة من الصيد بالقرب من الشاطئ. كما أنهم خبراء في صيد السرطانات البحرية، ويعرفون أنواعها المختلفة، بل ويميزون أكثرها دهاءً. وفي موسم صيد الأخطبوط، تُربط الجرار الفخارية بحبال طويلة وتُغمس في البحر عند غروب الشمس، ثم تُرفع مع أول خيوط الفجر، بعد أن تلجأ الأخطبوطات إليها ليلاً للاحتماء بها، فيُصطاد وهي لا تزال بداخلها. أما بالنسبة لأسماك البوري والقاروص فيصطادها الناس بشكل جماعي. يقف الرجال والأطفال في الماء حتى منتصف أجسادهم، ويحركون قطعًا من الخشب ويضربون بها سطح الماء، مما يتسبب في دهشة الأسماك وترتفع من الأعماق لتسقط فوق الشباك والحواجز العائمة. الإنسانية المشرقة. من يعرف قرقنة يراها طوق نجاة وسط بحر من الأخطار، وعصا سحرية تجعل الأرض القاحلة تنبت الخير. في هذه الجزر، يتساءل الحكماء دائمًا كيف يمكن للإنسان أن يعيش في الظل، وهو يستطيع بإرادته أن ينير حياته. بعيدًا عن صخب المدن المزدحمة في البر الرئيسي، حيث الأحلام قليلة ومتباعدة، تنضح قرقنة بروح المغامرة الإنسانية، وشغف كبير بالحياة، وتعطش دائم للعدالة والكرامة. وسط غابة من صواري القوارب وقوارب الصيد الملونة ذات القاع المسطح، تمشي بعض النساء ويسوقن عددًا قليلاً من الأغنام والماعز. ويرتدون فساتين طويلة باللون الأحمر والذهبي والأخضر، ويكشفون وجوههم حسب العادات المحلية. كما يرتدون قبعات من القش لحمايتهم من حرارة الشمس، لأن جمالهم يكمن في بساطتهم وطبيعتهم. رغم أن الجمال الخارجي ظاهر، إلا أن الجمال الحقيقي يبقى في الداخل. ويتجلى ذلك في كل قرقاني يظل مخلصًا لأرضه وطبيعته. صحيح أن الإنسان قد يتغير ويتأقلم مع الظروف، وهي صفة يتقاسمها مع بقية التونسيين، إلا أنها تصل عند أهل الجزر إلى حد كبير، قد يكون مصدر قوة أو سببا للضعف. على الشاطئ، تضع فتاة من قرقنة صدفة على أذنها لتستمع والدتها إلى أصوات طيور الغاق والنوارس وهي تحلق فوق البحر الهادئ، متناثرة كالزهور البيضاء تطفو على سطح الماء، بينما يمتزج هدير الأمواج بأصوات الناس في مشهد يذكر بأصوات طيور البحر. وبعد فترة تنزل الأم إلى البحر بثوبها الكتاني، ثم تستلقي على الرمال الرطبة حتى يغطي جسدها حتى الرقبة، بينما تحتمي ابنتها في ظل إحدى أشجار النخيل الكثيرة القريبة من الماء، وتجمع الأصداف من الشاطئ، وقد تصطاد أحيانًا الحبار والأخطبوط والحبار، وخاصة سرطان البحر. يجلس الناس بشكل مريح على جانب الطريق، ويتأملون الحياة، ويمكن للمرء قضاء ساعات في مراقبة العالم الواسع الذي ينعكس في مجتمع الجزيرة الصغيرة هذا. وهنا يشعر الإنسان أن عظمة الكون تعود إلى أصوله الإلهية. الشباب على دراجاتهم، والرجال الذين يمشون، وكبار السن سواء كانوا حفاة أو يرتدون الصنادل أو الصنادل، سواء كانوا يرتدون قمصان خفيفة أو يمشون عراة الصدر، يسلمون على الشخص الجالس حتى لو كانوا لا يعرفونه. العادات الأصيلة لا تزال حية بين سكان الجزيرة. لذلك يسهل تمييزهم عن المصطافين القادمين من الخارج. ومن يركب دراجة أو وسيلة نقل يبدأ بالسلام على الماشي، ويسلم المارة على الجالس احتراما له، كما يقدم البصير المساعدة للأعمى. على الطريق الوحيد المعبد، حيث تتوالى ظلال الأشجار، يغني بعض الشباب أغانيهم المفضلة، ويقضون أوقاتهم في تجربة حرية الحركة من خلال الإشارة إلى السيارات حفاة أو في صنادلهم، مستمتعين برمال الشاطئ الدافئة، وهواء البحر يملأ أنوفهم، بينما تغطي الشمس جلدهم البرونزي. ويقضي آخرون وقتهم على الشواطئ، التي تعتبر المساحة الفسيحة الأخيرة للأحلام، حيث يلتقون بالسياح ويتبادلون معهم الأحاديث أو بعض البضائع، في تجارب قد تحمل في بعض الأحيان بعض المخاطر. ويرتدي معظمهم شورتات الشاطئ القصيرة، في حين أن القليل ممن يرتدون ملابس السباحة الكاملة يجذبون الانتباه، مما يجعلهم يبدون وكأنهم غرباء عن المكان، سواء كانوا من سكان الجزيرة أو الزوار. ويتحدث العديد من هؤلاء الشباب أكثر من لغة، أو يبدعون في أداء رقصات حديثة مستوحاة من أشهر الرقصات العالمية. في الأزقة، في الطرقات، على شاطئ البحر، بالقرب من الفنادق، وفي مقاهي القرى، تبدو الفتيات والفتيان متعطشين للتقدير والاعتراف بقدراتهم. إنهم ينتظرون فرصة لعرض مواهبهم العديدة، ولعرض مهاراتهم كما يفعل الرياضي في أفضل أيامه، لكنه محروم من فرصة المنافسة. صدورهم مليئة بالأمل بمستقبل جديد، وبالرغبات القوية التي تبحث عن طريقهم إلى الحياة. إحساس الجمال وكل ما هو مختلف وغريب موجود، وكأنه نفس قادم من عالم بعيد يصعب الوصول إليه. تتجه العيون نحو الممنوع، وتوقظ الأحلام الكامنة، وتمنح الخيال مساحة واسعة للصمت والأماني. وفي العيون المثقلة بتعب الحياة اليومية، يبقى بريق الأحلام حاضرا، وحوارات بلا كلمات، ونظرات تحمل أسرارا واعترافات تعجز الكلمات عن البوح بها.