اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-27 00:29:00
شهدت مدينة صفاقس لقاء ثقافيا مميزا جمع برج القلال وبيت فرنسا، تمحور حول تاريخ الأقلية اليونانية ودورها في إثراء الحياة الاقتصادية والثقافية للمنطقة. وسلط اللقاء الضوء على نشاط الإسفنج اليوناني بصفاقس، الذي كان يشكل في وقت من الأوقات نهرا من الذهب والفضة لما يوفره من ازدهار تجاري ملحوظ. كما تم التذكير بحدث بارز يعود إلى سنة 1907، عندما تمكن أحد اليونانيين المقيم بصفاقس من الكشف عن كنوز المهدية المعروضة اليوم بمتحف باردو والتي تعتبر من أهم الشواهد الأثرية بتونس. ولم يغفل اللقاء الإشارة إلى سنة 1998، حيث تم نقل وثائق تاريخية قيمة توثق أكثر من قرن من تاريخ صفاقس إلى السفارة اليونانية بالعاصمة، في خطوة تعكس عمق الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين. بقلم رضا القلال، مؤرخ وصحفي – تحت شعار “لقاء ثقافي” حول الأقليات المتوسطية، مع التركيز على الجالية اليونانية بصفاقس، شهد المركز الثقافي (برج الكلال) والمعهد الفرنسي بصفاقس (ميزون دو فرانس)، نهاية الأسبوع الماضي، سلسلة من الفعاليات، ترعى أكثر من 100 عام من الوجود اليوناني في صفاقس. استقر اليونانيون في صفاقس في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وتأكد وجودهم في المدينة من حيث عدد السكان، مع بناء الكنيسة الأرثوذكسية عام 1892 على قناة مياه شط الكراغنة. آخر يوناني غادر مدينة صفاقس كان عام 1998، وعليه تم تحويل جميع الوثائق إلى السفارة اليونانية في تونس. وكانت اللقاءات في غاية الأهمية ومليئة بالمعرفة والمعلومات، قدمها الأستاذ عبد الواحد المكني ضمن مداخلة عن (الإغريق والمالطيين في صفاقس في فترة الاحتلال تثاقفا وتثاقفا)، والدكتورة ألفة بودية مؤرخة بكلية الآداب بصفاقس، ومشاركة فاعلة من الحاضرين… ولم تخل هذه اللقاءات من تنوعات فنية ودبلوماسية لا يعرف طعمها إلا من رافق هذين اليومين بالحضور و التالي وسط حشد كبير من الناس. الحاضرين سواء في برج القلال أو في بيت فرنسا. وشهد برج القلال عرضا ممتازا من سعادة سفير تونس السابق لدى اليونان السيد لسعد المحيرسي حول العلاقات بين البلدين، ترافق مع معرض للوحات مستوحاة من إقامته في اليونان. كما كانت لنا استراحة موسيقية، كنوع من غذاء الروح والعقل والروح، مع الثنائي ياسمين الزريبي وياسمين السويسي. وفي دار فرنسا، أمتعنا الأستاذ العميد حبيب القزدغلي، الأستاذ السابق بكلية الآداب والآداب والعلوم الإنسانية بمنوبة، بمعلوماته الغزيرة عن الأقليات في تونس، بما في ذلك صفاقس على وجه الخصوص. من جانبه قدم الطبيب اليوناني من صفاقس القادم من فرنسا سبيرو أمبيلاس مداخلة حول (الأقلية اليونانية في صفاقس خلال القرنين 19 و 20). غني بالصور والبطاقات البريدية القديمة، تحدث بمهارة عن عائلته التي هاجرت إلى صفاقس، والتي امتد وجودها في صفاقس على مدى ثلاثة أجيال، حيث كان والده طبيبا في صفاقس، ولم يغادر مدينتنا نهائيا إلا عام 1969. ترجم الدكتور سبيرو أمبيلاس كتاب الأقلية اليونانية في تونس (من القرن 16 إلى القرن 21) للكاتب أنطونيس أ. كلديوس، من اليونانية إلى الفرنسية، والذي تم توزيعه بين تونس وجربة، وخاصة في صفاقس، حيث كانوا يشكلون دائما الأغلبية. تناول إنبلاس عدة اقتباسات استفهامية وأسئلة تاريخية أساسية، مثل لماذا اختارت الأقلية اليونانية صفاقس؟ كيف وصلوا إلى هناك، وكم استغرقت سفنهم الشراعية من الوقت؟ لماذا اختار نصف اليونانيين تقريبا الحصول على الجنسية الفرنسية، وهل تمت حالات زواج تونسية يونانية؟ لماذا لم تكن هناك مدرسة لتعليم اللغة اليونانية؟ ….. وفي ختام المداخلات والنقاشات، نظمت دار فرنسا زيارة ممتعة إلى الكنيسة الأرثوذكسية، في أطراف الحي الفرنسي سابقا، وبالقرب من باب القصبة حاليا. وقد جاء إليها أسقف الكنيسة الأرثوذكسية بتونس خصيصا لهذا الحدث. الحي اليوناني: بناء الكنيسة الأرثوذكسية عام 1892. ومن جهتي قمت بتلخيص هذه المعلومات لتعميم الفائدة المرجوة من هذه اللقاءات. عندما تقف أمام باب القصبة يجب أن ترى أمامك مباشرة ساحة المقاومة. كانت مدينة صفاقس عنيدة في وجه هجمات الغزاة، وبسالة في مواجهتها للاستعمار الفرنسي ابتداء من عام 1881. ثم، مع انحراف طفيف نحو اليسار، تجد «أجراس» الكنيسة الأرثوذكسية، مبجلة باللونين الأبيض والأزرق. وتعتبر هذه الكنيسة من أقدم معالم المدينة خارج الأسوار الخالدة. وحملتها أولى البطاقات البريدية التي ظهرت حول معالم مدينة صفاقس بحي الفرنسيين. تم بناؤه عام 1892 وكان دليلا على وجود جالية يونانية مهمة في مدينة صفاقس في نهاية القرن التاسع عشر. وتم بناء الكنيسة الأرثوذكسية في الحي اليوناني القريب من البحر، واختلطت هذه الأقلية بالمدينة وأهلها. عرفت في البداية بالأنشطة المتعلقة بالصيد البحري والإسفنجي. ومع ذلك، أظهر الجيل الثاني من اليونانيين (1910-1920) براعة كبيرة في المجالات التجارية والصناعية والطبية. وجاء يونانيو صفاقس من حيدرة وكليمنوس (المعروفة بالعاصمة العالمية للإسفنج)، كما توجهوا إلى الإسكندرية في مصر، مقر بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية لإفريقيا كلها. دخل اليونانيون مدينة صفاقس في منتصف القرن التاسع عشر، وعلى عكس الأقليات الأخرى التي توزعت على عدة مدن، فقد استقروا بشكل رئيسي في صفاقس وكانوا ملحقين بالميناء، حيث، كما رأينا في المرحلة الأولى، كانوا يعملون في قطاع الإسفنج ومستلزمات الصيد البحري. ظلت السفن اليونانية لسنوات عديدة تتردد على ميناء صفاقس، بل واستخدمته كقاعدة لصيد الإسفنج من جرجيس إلى الحمامات، إلى جانب السفن الإيطالية والإنجليزية. وكان نشاط صيد الإسفنج الموسمي نشاطا بحريا لا يمكن العثور عليه في أي مدينة تونسية أخرى، إذ كان يدر على المدينة مبالغ ضخمة لمدة خمسة أشهر سنويا، ابتداء من أكتوبر/تشرين الأول. ورغم أن أعداد اليونانيين لم تكن مرتفعة، إلا أن عودتهم الاقتصادية إلى المدينة كانت كبيرة بفضل معرفتهم بهذا التخصص، وقدرتهم على الغوص، وبراعتهم في تجارة هذه الثروة. فعلى سبيل المثال، بلغت قيمة صادرات صفاقس من الإسفنج سنة 1854 نحو 60 ألف فرنك، والكيلوغرام الواحد لا يتجاوز 5 فرنكات، وفي سنة 1895 بلغت قيمة الصادرات 1.500.000 فرنك، بمعدل يتراوح بين 20 و27 فرنك للكيلوغرام الواحد. وفي عام 1905 بلغت الصادرات 2 مليون فرنك، وارتفع سعر الكيلوغرام الواحد إلى 30/35 فرنك. باختصار، كانت تجارة الإسفنج مزدهرة في صفاقس، التي كانت «مجرى أو رافداً من الذهب والفضة يغذي أموال الدولة والأفراد»، كما جاء في صحيفة «لاديباش الصفاقسي» الفرنسية اليومية في 23 أبريل 1911. حيدرة، كاليمنوس، مصطفى خزندار، والاسم المعروف في تونس مصطفى خزندار (واسمه الحقيقي جورجيوس سترافلاكيس)، من أصل يوناني. ولد في جزيرة خيوس عام 1817، وأثناء الثورة اليونانية ضد العثمانيين، تم بيعه لتاجر عبيد، ثم نُقل إلى تونس، وبيع عبداً لمبعوث من آل الحسيني. نشأ في البلاط الحسيني بباردو في كنف عائلة مصطفى باي إلى جانب ابنه أحمد باي، ويعتبر من أبرز الشخصيات في تاريخ تونس الحديث. تزوج من للا كلثوم ابنة مصطفى بك، وأصبح بذلك صهرا للعائلة الحاكمة، مما فتح له الأبواب ليقود إلى أعلى المناصب في الولاية التونسية. أصبح أميراً في الجيش التونسي، ثم أميناً لخزانة البلاد سنة 1837، مشرفاً على السياسة المالية العامة لتونس. ثم حصل على منصب الصدر الأعظم. أقيل مصطفى خزندار في الأول من رمضان سنة 1873، وظل يعيش وحيدا في قصره بالحلفاوين حتى وفاته سنة 1878. وبعد ثلاث سنوات احتلت فرنسا تونس. وعزل مصطفى خزندار الوزيرين الإصلاحيين البارزين خير الدين باشا وأحمد بن أبي ضياف. وفي هذه الأثناء ازداد نفوذ القنصل الفرنسي في إدارة شؤون البلاد. وقد اقترب من خزندار وصار مستشاره ورفيقه، ولا يأتي أمر إلا بإذنه. يوناني من صفاقس كشف سنة 1907 عن كنز المهدية المعروض في متحف باردو: آخر يوناني يغادر صفاقس 1998 تسارع التاريخ قد يجعلنا نفقد هذا التراث اليوناني، وقد بدأ بالفعل في التراجع. غادر آخر اليونانيين المدينة عام 1998، وتحولت كنيستهم إلى المسيحيين الكاثوليك عام 2007 لفترة معينة، قبل أن تغلق أبوابها حتى انهار سقفها عام 2012، وتم ترميمها لاحقًا. وبالتالي، تم نقل جميع وثائق الكنيسة اليونانية إلى السفارة اليونانية في تونس دون أن يسأل عنها أحد أو يتابع أحد الباحثين. ويجب أن نعلم أن جزءا كبيرا من تاريخ المدينة مسجل في هذه الوثائق: وصول اليونانيين إلى صفاقس، حياتهم في المدينة، أعمالهم، نشاطهم في التجارة والبحر والمبارزة، ومهن أخرى مختلفة، دورهم الديني، علاقاتهم بالكنيسة بالإسكندرية… ولا شك أن هذا التاريخ يحمل جزءا من ذاكرة المدينة ويدعو شبابنا الباحثين إلى تعلم اللغة اليونانية لكشف هذه الوثائق وذلك الأرشيف الذي يلخص تاريخ مدينة صفاقس للمزيد من 100 سنة. ولا يجب أن ننسى أن صاحب السفينة اليونانية، وهو مواطن يوناني من صفاقس، جورج بانوتسوس، هو من اكتشف الكنز الأثري الثمين، بالقرب من المهدية منذ عام 1907، والمعروض اليوم في متحف باردو. وهكذا كانت صفاقس مدينة عالمية متعددة الثقافات والأديان خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، مدينة منفتحة ومتعايشة، تكاد تكون منغلقة على نفسها، في عصر العولمة. رضا القلال، مؤرخ وصحفي

