اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-16 15:02:00
في تونس اليوم، تئن المستشفيات العامة تحت وطأة الديون الخانقة، والإدارة المتهالكة تعاني من بيروقراطية عقيمة، في حين تواجه البنية التحتية تآكلا متسارعا يشبهه البعض بآثار الحروب الصامتة. رغم هذا الانسداد الأفقي، يسود «الصبر المرير» في المجتمع، والاحتجاجات الاجتماعية التقليدية تكاد تكون غائبة. لكن يكفي أن يطلق حكم صافرته في مباراة كرة قدم، أو أن يفشل المنتخب الوطني، لينفجر بركان الغضب الشعبي في أعنف مظاهره. فكيف للمستطيل الأخضر أن يبتلع كل هذه الآلام؟ لماذا تثور الجماهير من أجل «الجلد المنتفخ» بينما تصمت في وجه تدهور مقومات الحياة الأساسية؟ عبد الوهاب بن موسى * تشريح “الواقع الموازي” وفخ الضرائب. يعيش المواطن التونسي مفارقة اقتصادية حادة تكاد تدمر توازنه النفسي. يتقاضى راتبه بالدينار المحلي، لكنه يواجه تكاليف معيشية تقاس بالمعايير والأسعار العالمية. ولم يؤثر هذا الاختلال الهيكلي بشدة على القوة الشرائية فحسب، بل أفرغ مفهوم “المنفعة العامة” من معناه أيضا. وبعد عقود من الاعتزاز بنظامي التعليم والصحة باعتبارهما ركائز المصعد الاجتماعي والدولة الحديثة، دفع الانهيار غير المسبوق لهذه الخدمات المواطنين نحو القطاع الخاص، مما حول الحقوق الدستورية الأساسية إلى عبء مالي ثقيل يهدد التماسك المالي للأسر. في ظل هذا المشهد، لم تعد الدولة تظهر في تمثيليات الشارع والناقدين كـ«راعي اجتماعي». بل تحول في نظرهم إلى ما يشبه «معارض الضرائب». ويشعر التونسي أن الترسانة القانونية والتنظيمية المتكلسة -التي يعود بعضها إلى العصور القديمة- لا يتم جلبها إلا لتقييد المبادرة الحرة، أو لتعميق الحصار الضريبي، دون أي عائد ملموس ينعكس على نوعية حياته اليومية أو يضمن حدا أدنى من سلاسة المعاملات الإدارية. خوارزميات الشاشة: صناعة الرياضة «الهستيريا» هذا البركان الذي ينفجر على مدارج الملعب لا يولد فعلياً على عشب المستطيل الأخضر، بل ينضج على نار هادئة داخل الغرف المظلمة للفضاء الافتراضي. وفي تونس، تحولت منصات التواصل الاجتماعي (خاصة فيسبوك وتيك توك) إلى حاضنات حقيقية للشحن الجماعي وتوجيه الرأي العام. وهنا تتدخل “خوارزميات الشاشة” غير المرئية؛ تتغذى هذه الأدوات الرقمية بشكل أساسي على المشاعر الشديدة مثل الغضب والسخط. ويكفي أن تقوم هذه الخوارزميات بتضخيم الهفوة التحكيمية، أو تسليط الضوء على تصريح رياضي متوتر، وتحويله عبر آليات «الترند» والمشاركة المكثفة إلى «قضية وجودية» ملحة تجعل الناس ينسون أزماتهم الحقيقية. يخلق هذا الشحن الرقمي المنهجي وعيًا جماعيًا مستعرًا. يدخل المشجع إلى الملعب، محقونًا بجرعات من التوتر هندستها الشاشات طوال الأسبوع، ليحول الملعب إلى مجرد مسرح مادي لتفريغ الطاقة الافتراضية المتفجرة. كرة القدم كآلية “إزاحة نفسية”. إن ما يحدث في الرياضة التونسية اليوم يتجاوز العاطفة؛ إنها عملية “إزاحة” نفسية كلاسيكية وتزييف غير واعي للأولويات الوطنية. ويرى قطاع واسع من المحللين والناشطين أن الاستياء الساحق من أداء الجامعة الكروية أو إخفاقات المنتخب الوطني هو القناة “الآمنة” الوحيدة المتبقية للمطالبة بالمحاسبة الفورية وتحديد المسؤوليات، وهي آليات يفتقر المواطن إلى الفعالية والقدرة على تغييرها في حياته اليومية مع الإدارة والسياسة. “إن الصرخة التي ترفعها الجماهير في مدارج الطائرات هي في جوهرها صرخة احتجاج ضد العجز العام المنظم. فإقالة مدرب أو إسقاط مكتب جامعي يعطي الشارع إحساسا زائفا ومؤقتا بالقدرة على التغيير وسلطة القرار، وهو أمر مستحيل تماما تحقيقه في مواجهة ارتفاع الأسعار المشتعل أو زحف البيروقراطية”. جدلية السلطة والمواطن: الراديكالية بديلاً لليأس. إن الانتقادات القاسية والعنيفة التي يوجهها منتقدو السياسات الحالية للنظام الحاكم، والتي تتخذ أحيانا مظاهر جذرية مثل التعبير عن التمنيات الشعبية بـ”هزيمة نكراء” للمنتخب الوطني في المحافل الدولية، تعكس أزمة ثقة عميقة وشعورا حادا بالانسداد. هذا الموقف الاجتماعي الصادم ليس عداءً للوطن أو علمه، بل هو صرخة يأس تبحث عن «صدمة إيقاظ» عنيفة قادرة على إيقاظ الضمائر وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية المقلوبة. إن المطالبة بالشفافية والمساءلة في القطاع الرياضي ما هي إلا «بروفة» وتمرين ذهني لما يتمناه المواطن الساخط في قطاعات الصحة والنقل والقضاء. من يعاني يومياً من تدهور أسطول النقل العام وتصلب القوانين التقييدية، يجد في إخفاقات كرة القدم فرصة لتوجيه انتقاداته نحو «المنظومة» الإدارية والمؤسساتية ككل، معتبرا إياها منظومة غير قادرة على التحديث ومواكبة العصر. كرامة الشعوب لا تصنعها الصافرة. ويبقى السؤال الملح أمام النخبة والمجتمع: إلى متى سيستمر استنزاف الطاقة الشعبية الحيوية وحصرها في معارك «الجلد المنفوخ»؟ إن الانغماس في هذا التطهير الرمزي قد لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة البنيوية وتأجيل مواجهتها الحتمية. تونس اليوم بحاجة لمسكنات الملاعب. إنها تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يعيد بناء الثقة والثقة العامة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويجعل من «المساءلة والمساءلة» ثقافة يومية ومؤسسية راسخة في الإدارة والاقتصاد. و”الكف” التصالحية التي ينتظرها البعض لن تأتي من صافرة الحكم في نهاية المباراة، بل من وعي جماعي يدرك أن سيادة الدول وكرامة شعوبها تبنى أولا في ردهات المستشفيات الحديثة، وفصول المدارس الذكية، وصلابة البنية التحتية، قبل أن تصنع على منصات رياضية مؤقتة. * مهندس كمبيوتر ومدير تنفيذي في أحد البنوك العامة.



