اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-25 01:09:00
رسالة معتقلي “قضية المؤامرة”: بين الواجب التضامني ومأزق الوعي الديمقراطي. الرسالة السياسية التي أصدرها أحد عشر معتقلا فيما يعرف إعلاميا بـ”قضية المؤامرة” تعيد إلى الواجهة أسئلة الديمقراطية والشرعية والسلطة في تونس، وتضع النخب السياسية والفكرية أمام مسؤولية مزدوجة: الدفاع عن الحريات العامة من جهة، وإجراء مراجعة نقدية جادة للتجربة الديمقراطية من جهة أخرى. لذا فإن قراءة هذه الوثيقة تتطلب التمييز بين مستويين متداخلين: المستوى القانوني والأخلاقي، والمستوى السياسي والفكري. أولاً: التضامن المبدئي ورفض إقامة الاستبداد. ولا يمكن التعامل مع هذه الرسالة بمعزل عن سياقها الإنساني والسياسي. إن المطالبة بالإفراج عن المعتقلين في هذه القضية، والإفراج عن كافة معتقلي الرأي والسياسة، يمثل موقفا مبدئيا يندرج في إطار الدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية، التي لا يمكن بدونها أي حياة ديمقراطية. إن حرية التعبير والتنظيم والعمل السياسي ليست امتيازات تمنحها السلطة، بل هي حقوق أصيلة تشكل أحد أسس الدولة الحديثة. ومن هذا المنطلق، تمثل محطة 25 يوليو 2021 نقطة قطيعة مع مسار التحول الديمقراطي، إذ أدت عمليا إلى تركز السلطات بشكل غير مسبوق في يد واحدة، وإلى تراجع حاد في استقلال المؤسسات، وأبرزها السلطة القضائية، إضافة إلى تقلص المجال العام وزيادة الضغوط على الفاعلين السياسيين والمدنيين والإعلاميين. ولذلك فإن مقاومة هذا الاتجاه الاستبدادي تظل قضية ديمقراطية بامتياز، بغض النظر عن الاختلافات السياسية أو الأيديولوجية بين الفاعلين. ثانياً: غياب النقد الذاتي والمسؤولية التاريخية. لكن شرعية الموقف المناهض للاستبداد لا تعفي الرسالة من النقد. أبرز ما فيه هو غياب أي مراجعة فعلية للتجربة التي سبقت 25 تموز/يوليو. ويبدو أن النص يقدم السنوات ما بين 2011 و2021 كمرحلة ديمقراطية كاملة انقلبت من الخارج، في حين تكشف الوقائع أن الأزمة كانت أكثر تعقيدا. وشهدت تلك المرحلة تعثراً في ترسيخ المؤسسات الديمقراطية، وفشلاً في معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، واستمرار تراجع الثقة بين المواطنين والنخب السياسية، وصراعات حزبية غير مثمرة، وعدم القدرة على تحقيق الاستقرار والأمن والكفاءة في إدارة الدولة. ولم يكن صعود الحكم الفردي معزولا عن هذه الاختلالات، بل كان في جزء منه نتيجة مباشرة لها. كما أن قسماً مهماً من النخب التي قادت المرحلة الانتقالية ظل أسيرا للتصورات الأيديولوجية وصراعات الهوية، التي تناقض بعضها مع متطلبات النظام الديمقراطي، الأمر الذي حال دون بناء دولة ذات مؤسسات ديمقراطية محايدة قادرة على إدارة التعددية داخل المجتمع. لذلك، يبدو أن غياب النقد الذاتي في الرسالة يشكل ضعفاً أساسياً، لأنه يحرمها من المصداقية اللازمة لإقناع قطاعات واسعة من الرأي العام، وهو ما حمل النخب السابقة جزءاً مهماً من مسؤولية الانسداد الذي تعيشه البلاد. ثالثاً: الخلط بين شعار «تأجيل الخلافات» والخلط بين الفكر والأيديولوجية. وتدعو الرسالة إلى تأجيل الخلافات الفكرية والسياسية وتوحيد الديمقراطيين حول هدف استعادة الديمقراطية. ورغم أهمية هذه الدعوة في مواجهة النزعات الاستبدادية، إلا أنها تظل غامضة سياسيا. ولا تكمن المشكلة في الخلافات الأيديولوجية بين الفاعلين فحسب، بل أيضاً في غياب التوافق الواضح على الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها النظام الديمقراطي المنشود وآليات حمايته. فالديمقراطية لا تبنى بالشعارات العامة، بل بالاتفاق على قواعد اللعبة السياسية والضمانات الدستورية والمؤسساتية التي تحول دون عودة الاستبداد مهما كان مصدره أو مرجعيته. ويصبح هذا الخلط أكثر وضوحا عندما لا تفرق الرسالة بين المجال الفكري والمجال الأيديولوجي. إن النقاش الفكري الحر حول الدولة والديمقراطية والمواطنة والعدالة الاجتماعية ليس عبئا على الديمقراطية، بل هو أحد شروط وجودها الأساسية. ولذلك فإن أي دعوة لتعليق أو تأجيل النقاش الفكري تبدو متناقضة مع جوهر الممارسة الديمقراطية القائمة على التعددية والاختلاف والنقاش العام المفتوح. أما الخلافات الأيديولوجية والحزبية المتعلقة بالتحالفات والمواقف السياسية، فهي أمر يخص الأطراف الموقعة على الرسالة وحدها، ومن حقها أن تقرر تعليقها أو إلغائها مؤقتاً. إلا أن هذا القرار يبقى قراراً ذاتياً لا يمكن تعميمه على بقية القوى السياسية والفكرية غير المنخرطة في هذه المبادرة، كما لا يمكن تحويله إلى شرط مسبق لإعادة بناء المجال الديمقراطي. ولذلك فإن تأجيل مناقشة هذه القضايا الجوهرية قد يتحول إلى تأجيل للأزمة نفسها، وليس إلى حل لها. والمطلوب ليس فقط توحيد الصفوف في مواجهة السلطة القائمة، بل أيضا بلورة رؤية مشتركة للدولة الديمقراطية المزمع بناؤها في المستقبل. رابعاً: أزمة المعارضة أم أزمة الديمقراطية نفسها؟ تكشف الرسالة، ربما بشكل غير مقصود، عن أزمة أعمق من مجرد الصراع مع السلطة الحالية. وهو يعكس مأزقاً تعيشه قطاعات واسعة من النخبة السياسية التي لا تزال تتعامل مع الديمقراطية كآلية «إجرائية» للوصول إلى السلطة، وليس كمنظومة من القيم والمؤسسات والثقافة السياسية. وفي المقابل، أصبحت قطاعات واسعة من المجتمع تقيس شرعية الأنظمة من خلال قدرتها على الإنجاز وتحسين الظروف المعيشية وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين. لقد أثبتت التجربة التونسية أن الديمقراطية لا تقتصر على الانتخابات والفصل بين السلطات، رغم أهمية هذين العنصرين، بل تحتاج أيضا إلى إنتاج معنى اجتماعي جديد لوجودها. فالمواطن لا يدافع عن الديمقراطية لأنها مجرد نظام قانوني، بل لأنها توفر له الحرية والكرامة والعدالة وفرص الحياة الكريمة. ومن هذه الزاوية تبدو الرسالة أقرب إلى الدفاع عن تجربة سابقة منها إلى تقديم مشروع مستقبلي. يتحدث باستفاضة عن استعادة ما فقد، لكنه لا يقدم رؤية واضحة لما يجب بناؤه حتى لا تتكرر نفس الأخطاء التي أدت إلى الأزمة. ولا يقتصر التحدي المطروح اليوم على استعادة المؤسسات الديمقراطية، بل يشمل إعادة التفكير في العلاقة بين الحرية وفعالية الدولة، وبين الشرعية الانتخابية والعدالة الاجتماعية، وبين التعددية السياسية وحياد مؤسسات الدولة. وأخيراً، تمثل رسالة معتقلي «قضية المؤامرة» وثيقة سياسية مهمة لأنها تعكس إصراراً على رفض المسار الاستبدادي الذي تعيشه البلاد، وتذكر بأهمية الدفاع عن الحريات العامة واستقلال القضاء وحق المواطنين في العمل السياسي السلمي. إلا أن أهميته لا تعفيه من النقد، بل تجعل هذا النقد أكثر ضرورة. إن التضامن مع السجناء السياسيين والدفاع عن حريتهم ليس موضع نقاش، لأنه دفاع عن حق المجتمع نفسه في الاختلاف والتنظيم والتعبير. لكن الدفاع عن الديمقراطية لا يكتمل دون الدفاع عن مصداقية شعاراتها وحق جمهورها في انتقاد الأحزاب نفسها. ويبقى سؤال أخير: إذا كانت هذه الوثيقة تدعو إلى توحيد الديمقراطيين في وجه الاستبداد، فلماذا غابت عنها الأسماء ومكونات المعارضة الأخرى الموجودة داخل السجون أيضا؟ فهل يعكس ذلك اختلافاً في التقدير السياسي، أو تحفظاً على الطرف المبادر، أم استمراراً للانقسامات التي ساهمت أصلاً في إضعاف المعسكر الديمقراطي؟ وهو سؤال لا يقل أهمية عن مضمون الرسالة نفسها، لأنه يؤثر على قدرة المعارضة على تجاوز انقسامها وبناء أفق سياسي مشترك. إن التحدي المطروح اليوم لا يقتصر على استعادة ما ضاع فحسب، بل على بناء ما لم يتحقق بعد: ديمقراطية تجمع بين التعددية وحياد الدولة، والشرعية السياسية والعدالة الاجتماعية، والحرية واحترام القوانين الديمقراطية. *نقلا عن وثيقة حصل عليها موقع الكتيبة



